أن تسكن آثرًا


الإسكندرية، إنها تلك المدينة الرومانية القديمة المدفون أغلبها تحت الأرض ولا نعرف عنه شيئا، وحينما نكتشف أجزاء منها تكون بالصدفة! يبدأ الحفر لعمل أساسات بناء لتكتشف أن تحتك منطقة أثرية كاملة، وكأي صدفة غير معروفة مُسبقًا بإمكانك دائماً أن تتجاهلها وتستكمل البناء. وفي أحوال أفضل يتم استكشاف الآثار وتوثيقها ثم الإبقاء عليها أواستكمال البناء أيضًا. فغياب السياسة الواضحة لمعالجة مثل هذه المواقف بطريقة تحفظ حقوق الملاك والآثار والدولة أدى اليوم إلى جعل الكثير منا يسكن فوق عصر آخر وحيوات أُناس آخرين.

بعض المناطق الأثرية توجد في مناطق راقية مثل تلك الموجودة في شارع المعسكر الروماني برشدي والتي من المنطقي أن يكون حولها مناطق أخرى تحت العمران الحالي، والآثار المتوقع وجودها تحت مساكن الضباط بمصطفى كامل، وهناك أيضاً المقابر الآثرية الموجودة في الشاطبي على البحر. هذه المواقع المميزة تجعل من الصعب على المالك التنازل عن أرض بثمن مرتفع لهيئة الآثار دون عائد يعوض خسارته المادية. أبرز مثال على هذا الإشكال ظهر مؤخرًا بعد حريق مبنى المحافظة بشارع فؤاد وسقوطه، فالمبنى يقع بجوار المتحف اليوناني الروماني، والكثير من الأبحاث والدراسات أشارت إلى وجود آثار في هذا المكان، لكن تداخل المصالح كالعادة أدى إلى سيطرة الطرف الأقوى والبدء في إنشاء مبنى جديد للمحافظة في نفس المكان بقرار من وزارة الدفاع .

الكثير من الآثار موجود الآن وسط مناطق شعبية وهذا يزيد الموقف تعقيدًا. هؤلاء الناس في حاجة للسكن، والدولة لن تتحمل تكاليف إنشاء مساكن مناسبة لهم وقريبة من الموقع الحالي للآثار، إذًا فليبقوا هنا فوق الآثار أووسطها فلا يوجد حل آخر. وبفرض أن جزء من الآثار تم تطويره وترميمه ليكون مزارًا سياحيًا وسط المساكن يكون هناك فصل تام بين الساكنين وبين الأثر السياحي ولا تعود عليهم أي فائدة مطلقًا. ولنا في ذلك خير مثال مقابر الشاطبي وكوم الشقافة التي تم إحاطتها بسور حديدي يعزلها عن كل ما حولها.

بجوار سور عمود السواري نجد موقف مشاريع، وبجوار سور مقابر كوم الشقافة نجد كراسي المقهى تصطف ليجلس عليها الرجال غير عابئين أومدركين لأي قيمة تاريخية أوأثرية أو حتى مادية لتلك الآثار. هذا شيء منطقي؛ فلا هم يعملون في مجال الآثار ولا يعود عليهم أي نفع مادي أو معنوي من وجود تلك الآثار في محل سكنهم ولا أحد يهتم بهم ولو بدافع الاهتمام بمحيط المنطقة الأثرية، فتلك البوابة الحديدية تفصل بين الآثار والمنطقة الشعبية ولا شيء آخر يربط بينهم. كم من مشروع تم اقتراحه لتطوير تلك المنطقة المحيطة بكوم الشقافة وعمود السواري؟ وكم من مقترح تم تنفيذه؟ كيف نرى الصورة الآن؟ وكيف نريد أن نراها؟ هذا ما يجب أن نسأل أنفسنا عنه.

مثل صدفة اكتشاف المسرح الروماني في ستينيات القرن الماضي، تم اكتشاف مدينة الموتى القديمة في أواخر التسعينات وتحديداً عام 1997 أثناء إنشاء كوبري القباري الذي يربط بين الطريق الدولي وباب 27 للميناء. مدينة الموتى أوجبانة القباري هي مقابر عامة للأجيال الأولى من السكندريين ويعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد والتي تم إعادة استخدامها لعدة قرون وتمتد لمساحة كبيرة في منطقة كوم الملح بالقباري بجوار الميناء. هذا الاكتشاف العظيم لم يتعرف عليه سوى علماء الآثار الذين قاموا بالتنقيب والتوثيق لثلاث سنين متواصلة، أو هؤلاء الذين اطلعوا على الكتب التي وثقت ما وُجد. الكوبري كان على وشك الاكتمال، لم يكن من الممكن إهدار كل تلك الأموال فتم استكماله فوق المقابر الأثرية. وعلى جانبي الكوبري توجد مساكن كوم الملح العشوائية ذات الحالة الإنشائية السيئة جداً والكثافة السكانية المرتفعة . مثل حالات كثيرة تم تجاهل وجود الآثار وبقى السكان فوق المقابر يأكلون ويشربون وتسقط بهم الأرض في المقابر أو تقع الأسقف عليهم. فلا الدولة قدمت سكنًا كريمًا لهؤلاء، ولا هي حافظت على آثار ذات قيمة، ولا استطاعت أن توفق بين كليهما.

الحاضر والماضي كلاهما يعانيان في عروس البحر المتوسط. التداخل الذي نشاهده في الإسكندرية بين القديم والجديد ليس تداخلاً فريدًا بل هو موجود في الكثير من المدن القديمة مثل روما، فروما تعتبر مدينة من طابقين الأول أثري والثاني معاصر، مثلها مثل الإسكندرية. لكننا لم نجدهم في روما يهدمون الآثار ليعيشوا اليوم، ولم يهجروا المدينة القديمة ليأسسوا أخرى جديدة في مكان آخر. بالطبع هناك حلول لكن ربما ليس هناك من يهتم.

#غادةعصام