الحق في الرؤية


ماذا نعني بحق الرؤية؟

أن تنظر وترى البحر –في بعض شواطئ الإسكندرية– فهذا أصبح إما فوق طاقة المواطن البسيط من محدودي الدخل أوحتى متوسط الدخل، وإما أن تكون منتميا إلى أحد الفئات التي أصبحت مسيطرة ومحتلة عن طريق نواديها وفنادقها شواطئ بأكملها (محامين- قضاة- شرطة - مهندسين ..الخ) بالرغم من أن هذه الشواطئ أموال عامة ولها حرمة، إلا أننا نعيش في زمن "الخصخصة" حيث كل شىء مسلع وقابل للبيع حتى حق رؤية الثروات الطبيعية والتى تعتبر من أهم مصادر "رفاهية الشعب" طبقا لدستور 71، وعندما نحاول أن نتقصى مدى دستورية وقانونية وجود هذه المنشآت والفنادق من عدمه، نجد أن الدستور الحالي ينص في الماده 22 منه على أن: "للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب وطنى على الدولة والمجتمع" وقد كان دستور 71 ينص في المادة (33) منه على: "للملكية العامة حرمة ، وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وفقا للقانون باعتبارها سندا لقوة الوطن وأساسا للنظام الاشتراكي ومصدرا لرفاهية الشعب." ولن نناقش هنا أي النصين أفضل من حيث الحماية فليس هنا مقام الحديث، ولكن ما يهمنا هو التأكيد على أن الثروات الطبيعية وما في حكمها ه ملكية عامة للشعب، فالأموال العامة تخرج عن دائرة التعامل فلا يجوز تمكين الأفراد من تملكها والاستئثار بها، وإذا كان كل مواطن يمتلك جزءا غير مفرز (على المشاع) من هذه الملكية فمن حقه أن يستعمله –في حدود القانون- ومن هنا يبرز حق الرؤية كأحد أشكال الاستعمال للملكية، أي أنه حق متفرع من حق أوسع وهو حق الملكية..

خصخصة المجال العام وحجب الرؤية:

أصبح من المعتاد أن نرى في بعض شواطئ الإسكندرية كتلا حجرية صماء تحتل شواطئ بأكملها وترتفع لتعيق رؤية الشاطئ وتحرم فئات الشعب من التمتع به، وهى ظاهرة ليست جديدة، فمع تولى اللواء عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية الأسبق ظهر نوع من التحالف بين الدولة والطبقة الرأسمالية في المدينة أخذت الأخيرة بسببه موقعا مختلفا في السلطة فبعد أن كانت هذه الطبقة تملك أصبحت تحكم، وأصبحنا نرى –باعتياد مفرط- يافطة في ميدان عام تحمل اسم أحد أعلام رأسمالي المدينة دون أن يهتز لنا جفن.. كما أصبحنا نرى فنادق ومنشأت لجهات عسكرية ومهنية بل وهيئات قضائية أيضا تحتل شواطئ الإسكندرية وتحجب رؤية الشواطئ عن فئات الشعب المختلفة.. وذلك دون مراعاة لأي قانون أو شروط منظمة للبناء على الشواطئ ومنها أنه يجب ألا ينتج عن بناء المنشأة ردم جزء من البحر أو التعدي على حرم البحر وهو 200 متر من خط المياه ويجب ألا يعلو المبنى عن سطح شارع الكورنيش حتى لا يحجب الرؤية عن أحد.....الخ

وعلى الجانب الآخر لا نستطيع أن ننكر تصدي قضاء مجلس الدولة لبعض هذا الفساد ، ففي الدعوى الشهيرة بقضية أنديــة القوات المسلحة والشرطة والمعلمين بشاطئ رشــــدي ومصطفي كامل وهي الدعوى رقم 1694 لسنة 55ق والتي أقامتها إحدى جمعيات البيئة بطلب وقف تنفيذ القرارات الصادرة من الجهات الإدارية بالتصريح بإقامة أندية للشرطة والمعلمين والقوات المسلحة داخل حرم البحر بالمنطقة الواقعة بشاطئ رشدي ومصطفي كامل ، وقد قالت الجمعية في دعواها: " أن شاطئ البحر من الأموال العامة التي تخرج عن التعامل فلا يجوز تمكين الأفراد من تملكها والاستئثار بها علي خلاف أحكام الدستور والقانــــون، وحرمان باقي فئات الشعب من التمتع بهذا المرفق الحيوي الذي أنفقت عليه الدولة مبالغ طائلة في سبيل تنمية السياحة الداخلية وزيادة مساحة الرؤية الجمالية لشاطئ البحر دون عوائق مرتفعة تحرم الجمهور من الاستمتاع بالشواطئ"

وقد قضت المحكمة في هذه الدعوى -وبحق- بوقف تنفيذ القرارات المطعون فيها فيما تتضمنه من إنشاء نوادي داخل منطقة حرم البحر، وقد أقامت قضاءها علي أن الدعوى قد رفعت من جمعية بيئية في إطار الأهداف العامة التي تتبناها الجمعية وما حددته المادة 33 من الدستور من واجب حماية المال العام علي كل مواطن ، ولذلك فإن الدعوى قد أقيمت ممن له صفة ومصلحة في رفعها...، وأن البين أن القرارات الإدارية المطعون فيها قد خالفت المادة 74 من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 التي تنص علي أن"يحظر إجراء أي عمل يكون من شأنه المســاس بخــط المســار الطبيعــي للشاطئ أو تعديله دخولاً في مياه البحر أو انحسارا عنه إلا بعد موافقة الجهة الإدارية المختصة بالتنسيق مع جهاز شؤون البيئة، فضلا عن خلو الأوراق مما يفيد حصول الجهة الإدارية علي ترخيص من جهاز شئون البيئة عن التقويم البيئي للمنشآت ومدي تأثيرها علي سلامة البيئة البحرية وخواص المياه التي تطل عليها.

إننا نعيش في واقع مؤلم تنهب فيه الثروات العامة للبلاد ويخصخص فيه المجال العام ويحرم المواطن من حقه في الرؤية!!-أي والله في الرؤية– يحرم من الاستمتاع بجمال "يفترض" أنه يعيش في محيطه الجغرافي، ولكنني أعتقد أيضا أنه قد آن الأوان للتصدى لكل هذا الفساد..

#حمديخلف