الطريق إلى التطرف ... رحلة سلفي ألماني في مصر


قبل عام، التقى محرر من صحيفة دير شبيجل بأحد السلفيين في هانوفر. وتعددت بينهما اللقاءات في ألمانيا، ثم حدث أن سافر المحرر معه إلى بيته الجديد في مصر. وما كان يمكن أن يتوقع ما لاقاه من خطر هناك.

الطريق إلى التطرف استقصاء رحلة سلفي ألماني في مصر تاكيس فيوجر ترجمة: أحمد شافعي

ليل الإسكندرية. بوسعي أن أسمع في العتمة صوت تنفس السلفي . يسير في الغرفة على أطراف أصابعه.

هذا الرجل الذي يقترب من فراشي هو نفسه الذي أقلني أمس من المطار. اسمه "دينيس راثكامب"، عمره أربعة وعشرون عاما، وهو مهندس سيارات كان يعزف الجيتار في الكنيسة. انتقل إلى مصر قبل أسابيع قليلة ليتعلم فيها كيف يكون مسلما صالحا.

في هذا الصباح يستلقي جسدي بين راثكامب ومكة. يجلس على ركبتيه ويضع جبهته على الأرض. الساعة السادسة والنصف صباحا، وهذا وقت صلوات أول اليوم[i]. أسمع راثكامب يحرك شفتيه في صمت، وقد وعدني أن يلزم الهدوء في صلواته.

أستلقي في سرير بشقة هذا الغريب لأنني أبحث عن إجابة لسؤال عن دوافع السلفيين، تلك الجماعة المرهوبة في ألمانيا. يقدر المكتب الفدرالي لحماية الدستور BfV ـ وهو جهاز المخابرات الداخلي في ألمانيا ـ أن قرابة ستين سلفيا ألمانيا قد هاجروا إلى مصر خلال العام الماضي. وكثير منهم اختار أن يتخذ من الإسكندرية وطنا جديدا، وهم الآن يعيشون في حي المندرة في شمالي المدينة.

يقول راثكامب : إنه انتقل إلى الإسكندرية لأنه يريد أن يتعلم لغة نبيه، ولأنه لم يعد يحتمل التمييز في ألمانيا.

التقيت به في الربيع الماضي حينما كان يقوم بتوزيع نسخ من القرآن في مدينة هانوفر بشمالي ألمانيا. وسألته إن كان يمكن أن يصطحبني إلى المسجد الذي يتردد عليه لأنني أريد أن أعرف المزيد عن الإسلام. ورافقته في صلاة الجمعة مرات كثيرة بعد ذلك. شربنا الشاي معا ودارت بيننا حوارات كثيرة. بعد ذلك كان يقلني إلى محطة السكة الحديدية ويعطيني منشورات تتكلم عن دور المرأة في الإسلام لأعطيها لصديقتي في البيت.

حياة جديدة

ينقب راثكامب في الحقيبة الموضوعة قبالة سريره. لحيته تؤطر وجهه كأنها حلقة من نار حمراء باهتة، ويعتمر فوق رأسه طاقية مثقبة. يضع جسمه في جلباب أبيض ويلقي عليّ تحية الصباح مبتسما. يبدو في زيه هذا أشبه بإمام. كان في ألمانيا يعيش في هوهنهاملن ـ وهي بلدة يبلغ عدد سكانها 9630 نسمة في ولاية جنوب سكسونيا الشمالية في بيت ينفتح بابه الأمامي على حديقة. وفي درع المدينة برجا كنيسة. يقول راثكامب إن بعض جيرانه كانوا يحسبونه إرهابيا.

راثكامب سلفي، وإن يكن يكره الكلمة ويؤثر أن يقول عن نفسه ببساطة إنه مسلم. يرى أنها فكرة جيدة للنساء أن يغطين أجسامهن في ثياب سوداء. ويعتقد أن الرب يهتم بأن لا تتجاوز ساقا بنطلونه كاحليه. يقول إن الشريعة هي القانون الأمثل. ويعتقد أن قطع أيدي اللصوص ـ في ظل ظروف معينة ـ هي الصواب بعينه. ويضيف راثكامب قوله "وأرفض العنف". ووسط التناقضات، يحاول أن يجد مكانا لحياته الجديدة.

حينما كان يعيش في ألمانيا، كان الناس يجتنبونه، إذ يدركون على الفور أنه لا يشاركهم قناعاتهم الدينية. كانوا يخشون أن يكون راثكامب مرتديا حزام ديناميت تحت جلبابه. كان يرى ذلك في أعينهم.

صلى راثكامب، ثم استسلم للنوم وها هو شخيره الخافت يتردد من جديد في هذا الصباح السكندري. ينفتح الباب ويدخل مضيفنا، وهو رجل طويل اللحية حليق الرأس، قائلا "سلام عليكم، هل تعرف من أنا؟"

اسمه "سيفن لاو" لكنه يسمي نفسه أبا آدم. عمره اثنان وثلاثون عاما، وولد في مدينة مونشنجلادباخ في غرب ألمانيا، خدم في الجيش الألماني وتدرب ليكون كبير إطفائيين. اعتنق الإسلام منذ أربعة عشر عاما ووضعه المكتب الفدرالي لحماية الدستور تحت الملاحظة لفترة زمنية غير محددة.

يسمح لراثكامب ولي بالنوم في الغرفة التي يشغلها في الظروف الطبيعية أبناؤه الثلاثة إلى أن نعثر أنا وراثكامب على شقة خاصة بنا.

كان لاو ـ الذي يعد من قيادات السلفيين الألمان ـ يدير مسجدا في مدينة مونشنجلادباخ، وكان رئيسا لجمعية أصولية اسمها "الدعوة إلى الفردوس". وقد اتهم مرة بإضرامه النار في مسجده محاكاةً للإحراق العمدي للمباني، ثم تمت تبرئته. وهو موضع معارضة ناشطي حقوق الإنسان الذين يعتقدون أنه سوف يدخل الشريعة إلى المانيا. أما المكتب الفدرالي لحماية الدستور فيراقبه اعتقادا منه بأن لاو يريد القضاء على الدولة الدستورية الديمقراطية لتأسيس دولة ثيوقراطية. كما تحقق النيابة الألمانية في اتهام موجه للاو بالاعتداء بالضرب على شخص سكران أثناء كرنفال في ألمانيا.

يسألني لاو "هل تريد أن تفطر؟ ستعد لك زوجتي سندوتش لحم بارد مفتوحا، ثم نجلس فنتكلم عن الطريقة التي سنجعل بها هذه زيارة سعيدة بالنسبة لك".

لا شيء نخفيه

كان راثكامب قد سأل ما إذا كان من الفطنة أن يسمح لصحفي بدخول حياتهم. وناقشوا الموضوع في صلاة [أي عقب إحدى الصلوات] وفي النهاية قال لاو لراثكامب إنهم ليس لديهم ما يخفونه لأنهم في نهاية المطاف ليسوا بإرهابيين.

يقول لاو "ولكن ليس جميع من في هذا الحي على ما نحن عليه من تسامح، لذلك من فضلك لا تذهب إلى أي مكان بدوننا". يطيل النظر في عيني ثم يقول "فأنت لا تريد أن تكون الثقاب الذي يقع في علبة بنزين".

الجو بارد في الحواري الضيقة أسفل البيت. هناك ستائر مسدلة على الشرفات لكي تحجب النور. ثم محل يبيع الدجاج المشوي في البناية المجاورة. تتدافع القطط بين جبال من القمامة، وتمر بالقرب عربة يجرها حمار. هو مكان مناسب لأناس تقوم حياتهم على قيم القرن السابع.

يهيكل السلفيون في الإسكندرية أيامهم بحسب إيقاع صلواتهم. فالغرض من الخلق ـ فيما يرى راثكامب ـ هو أن يعبد الناس الرب. الرجال في حي المندرة يرتدون النعال. فهم يصلون كثيرا بحيث لا يستدعي الأمر وجود أحذية تربط. أما راثكامب فيرتدي حذاء رياضيا لكي يدفئ رجليه.

يخطط أن يبدأ في نهاية الأسبوع دراسة اللغة العربية في مركز إيزي لانجويدج. ومدارس اللغات في الإسكندرية هي التي علمت السلفيين الألمان اللغة العربية في الماضي. هناك درس "دانيال شنيدر Daniel Schneider "وكان أحد إرهابيي خلية ساورلاند وحكم عليه بالسجن اثني عشر عاما للتخطيط لهجمات في ألمانيا. وهناك سلفيان من مدينة سولجين بغرب ألمانيا هما "روبرت ب" و"كرشتيان إ" درسا أيضا في الإسكندرية. وتم اعتقالهما العام الماضي في إنجلترا، وأدانتهما محكمة بعد ذلك على خلفية العثور في متاعهما على تعليمات لصنع المتفجرات.

مدرسة اللغة في الإسكندرية يمكن أن تكون مكانا يتعلم فيه الطلبة لغة. ولكنها قد تكون في الوقت نفسه مكانا يتعلمون فيه التطرف، مكانا يكون دليلا لهم في رحلتهم إلى "الحرب المقدسة". ومركز إيزي لانجويدج الذي يريد راثكامب الدراسة فيه ينشر هذه المعلومات في صفحته على فيسبوك: "غامر بهذه الخطوة إلى بلد إسلامي، واعتبرها خطوة أولى إلى المملكة العربية السعودية إذا لم تعجبك مصر. يا إخوتنا: افعلوها من أجل أسركم، وأبنائكم، أو اصطحبوا آباءكم (المسلمين) معكم. لا تتركوا الشيطان يضلكم. اعتبروها التزامكم الشخصي بالهجرة".

الشيطان أو الرب، الجحيم أو الفردوس، الحرام أوالحلال، الممنوع أو المباح، لا توجد في السلفية درجات.

"ليس الجميع راضين"

أجلس بالخارج في الشمس بينما لاو وراثكامب يحضران صلاة الظهر. يقف المؤمنون أمام المسجد بعد الصلاة، ويتكلم راثكامب مع رجل أسود اللحية. يقترب الاثنان مني. الرجل الذي يقول راثكامب إنه من مركز إيزي لانجويدج ـ يقول "لا شيء ضدك أنت بالذات، ولكننا لا نريد للصحفيين أن يدخلوا المدرسة". ألاحظ كيف ينظر المؤمنون الواقفون أمام المسجد ناحيتي. يلاحظون جميعا أنني لست من دينهم. ينظرون لي وكأنني عدو، رجل يرتدي بنطلون جينز يتجاوز كاحليه، كافر، غير مؤمن.

يميز القانون الإسلامي ـ بحسب مدى التزمت في تفسيره ـ بين ثلاث فئات من غير المسلمين: الذميون Dhimmis وهم المسموح لهم بالعيش في البلاد الإسلامية ولكن مع حقوق محدودة، المستأمنين Mustamins وهم الذين يحصلون على ما للذميين من حقوق بموجب اتفاقية حماية مؤقتة، والحربيون Harbis الذين يعيشون خارج الأراضي الإسلامية وليس لهم حقوق ولا حتى الحق في الحياة. ولا أعرف من أنا بالنسبة لمسلمي المندرة.

يقول راثكامب "ليس الجميع راضين عن زيارتك لي، ربما ينبغي أن أصلي في مسجد آخر أثناء وجودك هنا". ثم يقترح أن نخرج بسيارة إلى وسط البلد. يريد أن يشتري أدوات تنظيف لشقته الجديدة وهدية يشكر بها لاو على حسن استضافته. ولكن أية هدية يقدمها المرء لسلفي؟

ثياب السلفيين لا يمكن العثور عليها في سوبر ماركت، باستثناء الجوارب والملابس الداخلية. النبيذ ليس مطروحا؛ لأن الكحول حرام، أوممنوع، ولا الأسطوانة؛ إذ الموسيقى أيضا حرام، ولا دي في دي عليها فيلم من أفلام هوليود؛ لأن هوليود حرام، أما القرآن، فعند لاو نسخة من القرآن.

يشتري راثكامب ثلاث علب معدنية على شكل سبايدر مان لأبناء لاو الثلاثة. فهو لا يعتقد أن الرب عنده أي اعتراض على سبايدرمان.

سوف يتسلم مفاتيح شقته الجديدة في الصباح التالي. وهو الآن يحاول بيع سيارته البي إم دبليو على الإنترنت ليتمكن من دفع الإيجار. فهو في الوقت الراهن يعيش على مدخراته. تتكون الشقة من أربع غرف، وحمامين، وشرفة وغرفة معيشة هائلة. يقول راثكامب إنه بحاجة إلى غرفة للأسرة التي يعتزم تكوينها. يقول إن إمامه قد رتّب له بالفعل مسألة الزواج. ستتخرج الفتاة قريبا في المدرسة الثانوية في براونشفيج بألمانيا، وسوف تأتي إلى الإسكندرية في الصيف.

بينما يدعك راثكامب البلاط يحكي لي كيف انتهى الحال بصبي من سكسونيا الجنوبية إلى أن يصبح الله ربه اليوم. نشأ في بيت أقامه جده، كانت فيه حديقة فيها شجرتا كرز، إحداهما حلوة الثمار والأخرى ثمارها حامضة. كان أبو راثكامب يعمل في تجميع المحركات لمزود فولكفاجن، أما أمه فكانت ترعى دينيس وشقيقته الصغرى.

قضى راثكامب طفولته في ملعب كرة القدم وفي الغابات. حضر في مراهقته دروس التثبيت في الكنيسة. كانت الكاهنة هناك تعلم الأطفال من خلال مسرحيات مستوحاة من مقاطع وآيات من الإنجيل. ويتذكر أنه لعب ذات مرة دور يسوع. كما أنه انضم إلى كورال الكنيسة بالعزف على الجيتار والغناء "ليتقدس اسمك يا إلهي".

يقول راثكامب إنه كان يعرف دائما أن الرب موجود. قرأ الإنجيل وكان كلما انغمس في المسيحية ازداد شكا. لماذا كان العهد الجديد مكتوبا باليونانية برغم أن يسوع لم يكن يتكلم اليونانية؟ لو أن هناك إلها أعظم، فلماذا ترك ابنه يصلب ويعلق بالمسامير على الصليب؟ لماذا يكون نص الوصية الأولى هو "لا يكن لك آلهة أخر غيري" ثم يكون هناك يسوع الذي نعامله معاملة إله؟

فكر راثكامب في اعتناق الكاثوليكية، لأنه كان يتصور أنها أكثر أصالة، لكنه لاحظ أن الكاثوليك كانوا ـ ببخورهم ـ أغرب من البروتستانت. قرر راثكامب سرا أن يستمر في إيمانه بالرب، ولكنه توقف عن الإيمان بأن يسوع ابن الرب، توقف عن الإيمان بالثالوث، وبالمسيحية.

أنهى الدراسة الثانوية وبدأ برنامجا تدريبيا مؤهلا للعمل مستشارا ماليا، يبيع خطط التقاعد وبوليصات التأمين. وجد صديقة وظلا معا ثلاث سنين. كان ينام معها في سرير واحد، ويتناول العشاء مع أبويها، ويخرج للتنزه معها على شاطئ البحيرة. وحدث أن تركته، لكنهما بقيا صديقين.

كانت عنده عضلات في بطنه، وكان يعلق في رقبته صليبا ذهبيا، كنوع من الحلي لا أكثر. كان يشرب البيرة، لكن بحسب الظروف. وكان يلاحظ أن هناك من هم أسوأ منه حالا، وإحساسا منه بغياب العدالة عن العالم، انضم إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي SPD. ويقول إنه كان يريد الترشح عنه لكنه لم يصل إلى هذا المدى قط.

لكم أن تبحثوا ما شئتم، دونما جدوى، عن أي شيء في ماضي دينيس راثكامب قد يكون هو الذي ساقه في طريق التطرف. قبل أربع سنوات، أرسلت له صاحبته رابط فيديو على يوتيوب للداعية الإسلامي بيير فوجيل عنوانه "لماذا لا يأكل المسلمون لحم الخنزير؟". شاهد راثكامب الفيديو الذي يقول فيه فوجيل إن لحم الخنزير سام. ثم نظر في قائمة الروابط على يمين شاشة الفيديو فرأى فيديو عنوانه "وفقا للقرآن، المسيحيون سوف يدخلون النار". فلما شاهد ذلك الفيديو قال لنفسه إن فوجيل هذا جريء بحق إذ يقول مثل هذا الذي يقوله.

قرر أن يعرف المزيد عن هذا الدين الذي يريد أن يزج به في الجحيم، فطلب نسخة من القرآن بالألمانية. وقرأ السورة الأولى، وبداية السورة الثانية فقرأ فيها "ذلك الكتاب لا ريب فيه".

أذهلته الجملة. قال راثكامب لنفسه إنه ما من بشري يمكن أن يقول جملة مثلها، ومنذ ذلك اليوم لم يقرب لحم الخنزير. للرياح الباردة صفير في عبورها الشبابيك في الإسكندرية. يقول راثكامب "سأذهب اليوم وحدي للصلاة، ربما يكون خيرا لك ألا تبقى جالسا بالخارج".

كان قد حان وقت صلاة المساء[i] التي تستمر في العادة قرابة عشرين دقيقة. لكن ساعة مضت وراثكامب لم يرجع. وحينما تمضي ساعتان، أقرر النزول إلى الشارع.

السماء ملبدة بالغيوم وثمة عاصفة تتكون. يجلس الرجال متحلقين حول النار في الحواري، يدفئون أيديهم. أخطو إلى الخارج؛ فأدرك بمجرد أن أرى وجوههم أن خروجي كان خطأ.

أخطو راجعا إلى مدخل العمارة. لا يمكنني الرجوع إلى الشقة، فليس لدي مفتاح. أتذكر ما قاله لي راثكامب "أنت لا تريد أن تكون الثقاب الذي يقع في علبة بنزين". وأدرك أنني، حينما خرجت من الشقة، فتحت بيدي علبة البنزين.

يدخل رجلان إلى مدخل العمارة ويقفان أمامي. لهما لحيتان سوداوان. أحدهما يلف حول رأسه وشاحا أحمر كأنه ثعبان نائم، وللآخر تحت عينيه هالات سوداء، كأن ثمة ما يتقيح تحت جلده.

يقولون: من أنت؟ ومن أين أنت؟ أنت ألماني! ما الذي تفعله هنا؟ ما دينك؟ نحن لا نريدك هنا. أين جواز سفرك؟ لماذا تراقبنا؟ لماذا تنظر إلى الناس في الشارع. لقد رأيناك ورأينا كيف كنت كامنا في مدخل العمارة. سنرفع تقريرا بشأنك. مجيئك إلى هنا كان خطأ.

ومع كل رد مني، كان صوت الرجلين يرتفع أكثر. يقولان بالعربية جملا قليلة، ثم يمضيان عني. أنتظر نور المدخل أن ينطفئ وأبقى مختفيا في الظلام.

يدخل راثكامب ولاو إلى مدخل العمارة بعد دقائق قليلة. يقول راثكامب؟ أظن من الأفضل ألا تبيت هنا الليلة.

فيما ألملم أغراضي، يوضح لي لاو أن إخوته المسلمين قالوا له إنهم يخشون من احتمال أن أمنعهم من القتال في مالي أوسوريا. يقول لي إن الألمان ليسوا هم الخطرين؛ فهؤلاء يكرهونني لا أكثر، لكن هناك إخوة آخرين يصلون في المساجد، رجال يسيرون متخفين، بوسنيون وألبانيون، وجهاديون. يرونني حربيا، كافرا لا حق لي في الحياة.

يأخذ لاو حقيبتي المعلقة إلى كتفي ويحملها عني. نسمع طرقا عنيفا على الباب. يجفل لاو، ينظر من العين السحرية وتند عنه تنهيدة ارتياح. إنه مالك العمارة وقد جاء ليتأكد أن الماء وصل إلى الشقة الجديدة.

"ليس طريق الله"

عندما يغادر ثلاثتنا العمارة، أبدأ السير في الحارة التي أعرفها. ولكن لاو يقودني من ذراعي قائلا "من هنا . هنا أكثر أمانا". عندما نصل إلى حافة الحي، حيث يبدأ الطريق الإسفلتي، نسمع المؤذن يرفع النداء لصلاة الليل. يقول لاو "سأذهب لأصلي بسرعة". يذهب راثكامب فيشتري لنا كوبي عصير برتقال. نقف تحت المطر قليلا. يتحسس راثكامب لحيته قليلا ثم ينظر لي في النهاية ويقول "أنا فعلا غير مرتاح لهذا".

يقلنا تاكسي إلى المدينة فأستأجر غرفة في فندق يقف على بابه أربعة من الحراس وعند مدخله جهاز للكشف عن المعادن. يحمل لاو حقيبتي حتى نصعد إلى الغرفة، ويسألني وهو يضع يده على كتفي "أنت أحسن حالا الآن ، أليس كذلك؟"

نجلس في أحد مطاعم الوجبات السريعة، وهو من سلسلة مطاعم تشيليز الأمريكية. يطلب راثكامب دجاج كريسبي، ويطلب لاو ساندوتش ديك رومي بدون لحم الخنزير. ويقول لاو "عرفتَ الآن كيف كان إحساسنا ونحن في ألمانيا؟"

ونحن نمضع البطاطس المقلية في صمت، خطر لي خاطر: كم كان العالم ليكون هادئا لو لم يتم اختراع الدين قط؟ يقول راثكامب "هذا الذي مررتَ به ليس طريق الله".

ليس واضحا تماما لماذا اختار راثكامب طريقه. ربما لأن السلفية كانت بالنسبة له أنأى شيء ممكن عن نشأته في عائلة بروتستنتية في ولاية جنوب سكسونيا. أو ربما لأن الذكورية اختفت من المجتمع الألماني والإسلام الراديكالي شديد الذكورية. أو ربما لانه لا إله فعلا إلا الله، ولأن محمدا، عليه السلام والجلال، رسوله.

يقول خبراء الإرهاب إن تحويل شخص مثل راثكامب إلى التطرف يجري على ثلاث مراحل؛ في المرحلة الأولى يقام بناء من الكراهية للانتهاكات والتمييز، في الثانية تمتزج هذه المشاعر مع أيديولوجية تقوم بتفسير الاستياء وتقدم سبيلا إلى تحسين الأوضاع، أما ثالث المراحل فقوامها الحشد من خلال ديناميكيات جماعة أو زعيم ذي كاريزما.

بالنسبة لبعض السلفيين في المندرة، أفضت هذه المراحل الثلاثة إلى حالة من الظلام يرون من داخلها كل زائر بوصفه عدوا. دينيس راثكامب وسيفن لاو متطرفان هما أيضا، ويؤمنان بقيم نحن نرفضها، ولكنهما، مع ذلك، يتعاملان معي كصديق. وهما دليل على أن السلفية ليست منحنى مباشرا من النور إلى الظلام، وأن عملية صناعة المتطرف يمكن أن تتباطأ، كما يمكن أن تغير مسارها، أو تتخذ مسارا عكسيا تماما.

وأنا أتناول آخر قضماتي، أسأل لاو إن كان يفهم إخوته المسلمين الذين يقررون الدخول في "الحرب المقدسة" والقتال في سوريا، فيقول "أشعر بالطبع بضرورة تقديم مساعدة، ولكنني لست مدربا على القتال، ولا أعرف لي طريقا هناك، لقد أنعم الله علينا بالعقل، وأنا عندي أسرة ومسؤول عن أطفال، أنا لست مقاتلا، أفضل أن أرسل المال والمساعدات الطبية".

اتصال هاتفي

أفكار لاو عن الحياة مطاطية بالقدر الذي يتسع لمساحة رجل الإطفاء السابق، وسندويتش الديك الرومي، والإسهام في "حرب مقدسة" بالمساعدات الطبية، لكننا على الأرجح سوف نظل عاجزين عن فهم مثله من الرجال ما بقينا نعتمد على العقل والمنطق. فليس المنطق هو الذي يقود حياة لاو.

ونحن نودع بعضنا البعض يقول لاو "اكتب في موضوعك ما تشاء، لكن هذه هي حياتي. فقط أسدِ لي معروفا من فضلك واكتب أنني راض عن الطريقة التي عوملتَ بها. أنا خاضع للجماعة".

وفي الصباح التالي، حين أقابل راثكامب في غرفتي بالفندق، يحكي لي عن أول مرة دخل فيها مسجدا، عن مدى جمال موسيقى القرآن عند قراءته بالعربية، ولماذا لم يعد يطلق على نفسه اسم دينيس بل عبد الملك.

حوالي الظهر، يقول إنه يريد أن يذهب للصلاة، فنمشي معا خمس دقائق إلى مسجد داخل السوبر ماركت. أفتح تليفوني وأقرأ رسالة من رئيسي: "اتصل بي فورا، الأمر عاجل".

أتصل. يسألني: "أين أنت؟" أقول "أنا واقف أنتظر أمام مسجد. السلفي يصلي". "ضع نفسك حالا في تاكسي وانطلق إلى المطار". "لم أنته بعد من الموضوع. والأمور جيدة" يقول "اسمعني. لا أستطيع الآن أن أقول لك أي شيء. ابتعد فورا. أنت لم تعد في أمان". أسارع إلى الفندق وأطلب تاكسي. يدخل راثكامب البهو فيرى حقيبتي. يسأل "ما المشكلة؟" أقول "أنا مسافر. جاءني اتصال، والأمر عاجل". يسأل "هل لهذا أية علاقة بي؟"

يتوقف التاكسي أمام باب الفندق. يعانقني راثكامب. يقول "سلام عليكم". يقلني التاكسي إلى مطار القاهرة وأترك مصر في أول رحلة.

في ألمانيا، أعرف أن دير شبيجل تلقت اتصالا من مجهول من مصر، أن المتصل قال إن حياتي في خطر في الإسكندرية، وأن هناك احتمالا أن يقتلني السلفيون أو يختطفونني.

أسئلة بلا إجابات

كنت أريد أن أقيم في مصر أسبوعين، ولكن إقامتي اقتصرت على أيام ثلاثة فقط. ذهبت أبحث عن إجابة لسؤال عن دوافع السلفيين الألمان. إن دينيس راثكامب يريد أن يعبد ربه في سلام. وسيفن لاو يريد أن يساهم في "الحرب المقدسة" بمساعدات طبية. لكن ربما يكون لدى أولئك الرجال أهداف حرصوا على إخفائها عني. فقليل من السلفيين يريدون القتال في مالي. وقليل منهم ربما يريدون قتلي أيضا.

كانت في الصفحة الأخيرة من دفتري أسئلة لم يتسن لي قط أن أطرحها: لماذا يقول القرآن إن موت الشهيد بالذات أمر جميل؟ ما اعتراض الله بالضبط على أن يتجاوز البنطلون الكاحلين؟ والسؤال الأخير في دفتري كان موجها إلى دينيس الذي ربما كان سيجيبه باعتباره عبد الملك: هل أنت سعيد؟

جلست في الطائرة راجعا إلى الوطن وأنا أفكر في أنني قبل أقل من أربع وعشرين ساعة فقط كنت مع راثكامب ولاو في مطعم للوجبات السريعة في الإسكندرية.

كيف أننا كنا نسخر من طريقة تخلص المصريين من القمامة (والحقيقة أنهم لا يتخلصون منها) وأن حوافر شاة مقطوعة كانت ملقاة في الشارع عند دخولي حي المندرة. ضحكنا من خوفي أن نموت حينما قام السائق الذي أقلني أنا وراثكامب من المطار بتغيير وضع السيارة "اللادا" السوفييتية إلى وضع السير الخلفي ونحن على الطريق السريع .

سلفيان ومسيحي كانوا جالسين على منضدة يتناولون معا الخبز والملح وكأنما يمكن لهذا العالم أن يكون مكانا جميلا.

الترجمة إلى الإنجليزية بقلم كرستوفر سلطان عن دير شبيجل في 15 مارس 2013

[i] حرصت الترجمة على مثل هذه الحرفية لإعطاء فكرة عن طبيعة المفاهيم التي تصل إلى القارئ الغربي عن الإسلام والحضارة الإسلامية

#أحمدشافعيألمانيامصر

33 views