العجمي .. العمران لا يأتي غربا


شهدت منطقة العجمي تغيرا كبيرا في شكلها العمراني مع تحولها من منطقة تعج بالقصور والفيلات وبعض العمارات القليلة، ومصيف بشكل أساسي يكاد يخلو من السكان إلا في شهور الصيف إلى مكان مزدحم بالسكان، وتحوله إلى منطقة سكنية عشوائية بكل معنى الكلمة.

ظلت بعض الفيلات والقصور القليلة القريبة من شاطئ العجمي في منطقة البيطاش والهانوفيل من امتداد شارع الحنفية إلى البحر تحافظ على مستوى أسعارها، بينما كان مستوي أسعار الشقق رخيصا بعد شارع الحنفية.

في البداية أيضا، كانت العجمي منطقة عشوائية حتى في عز أيام القصور والفيلات لم يكن هناك صرف صحي، ولم تكن الطرق مرصوفة ، وكانت هناك مشاكل المياه والكهرباء، ونشأ الحي في مكان صحراوي تتناثر فيه الفيلات بشكل عشوائي، لكن كان للأيام المعدودة التي يقضيها المصطافون الفضل في عدم شعورهم بحجم هذه المشاكل، الأمر اختلف الآن بعد ازدحام العجمي بالسكان الذين يقطنون العمارات السكنية التي بنيت على أنقاض الفيلات القديمة طوال أعوام.

كان المكان عشوائيا في بنائه للفيلات باستثناء بعض الشوارع المقسمة؛ كشارع البيطاش الرئيسي، والهانوفيل، وشارع الحنفية، والذي كانت تكثر فيه فيلات المشاهير والأغنياء وشوارع بيانكي، وشهر العسل، والفردوس، والتي لم تكن مرصوفة ولا معبدة حتى وقت قريب ولم يكن هناك تقسيم واضح يدل على أي تخطيط للمكان.

أثرت تيارات العمران والسكان في مدينة الإسكندرية وفي العجمي بشكل خاص، حيث كان لنقل مذابح الشاطبي القديمة في العشرينيات إلى غرب القباري وإنشاء الميناء الغربي ومستودعات الأخشاب والفحم ومخازن القطن وصوامع الغلال إلى غرب المدينة، ثم إنشاء الكورنيش في سنة 1934 أكبر الأثر في تحول الأجانب الأثرياء والأغنياء المصريين وتفضيلهم السكن في شرق المدينة وتعمير ضاحية الرمل وغيرها وترك الموظفين والصنايعية والعمال للسكن في غرب المدينة، المنطقة القريبة من الميناء المزدحم بالمواصلات وحركة نقل البضائع والعمال مما أدى إلى عزلة العجمي، وتحوله إلى شبه منتجع صيفي بعيدا عن اهتمام الحكومات المتعاقبة والمحافظة وإدارات التخطيط، يعمر في الصيف فقط، ولا يسكنه البشر إلا في الفيلات والقصور على البحر، فتحول إلى منطقة معزولة وعشوائية.

كانت إمكانات العجمي الجغرافية والطبيعية، والمساحات الشاسعة التى تضمها المنطقة من الدخيلة إلى الكيلو 21 وما بعده، تمنحه مزايا قوية قادرة على تحويله إلى حي سكنى كبير يمثل اتساعا لمدينة الإسكندرية، وجناحا قويا كالجناح الشرقي، لكن ما حدث أن المنطقة تم حصرها في كونها مصيف، وبالتالي عندما تحولت إلى تجمع سكنى يتضخم كان كل شيء قد استأثر شرق المدينة به لاتواتيه الفرصة حتى يتكرر في غرب المدينة.

وهكذا تحولت العجمى إلى منطقة عشوائية، من الممكن أن نقول، من أكبر التجمعات السكنية العشوائية في المدينة حيث لا تخطيط ولا شبكة مواصلات، رغم وجود العمارات العالية غالية الأسعار، وامكانات المكان الكبيرة.

شارع البيطاش

تبرز أهمية شارع البيطاش لأنه طريق الذهاب إلى البحر، هذه الوظيفة التي أضفت جمالا خاصا على الشارع ليصبح فرصة لنمو نوع من حياة مختلفة عن شوارع الإسكندرية من المبانى على جانبي الطريق الفيلات في الماضي والعمارات الحديثة وتفريعات جانبية مثل شارع الحنفية وشهر العسل وبيانكي.

تبدأ أسطورة العجمي القديمة بمنتجع سمرمون و سينماه، في أوله فندق العجمي وملاهي قديمة في آخره، لكن تركيز المتعة وكثافتها يبدأ من الجمعية ، وعمر أفندي وتفريعة شارع الحنفية، وبعدهم شارع شهر العسل وبيانكي، في هذا الجزء الممتد إلى البحر تكمن عاطفية خاصة في تفريعة شارع بيانكي من عند السنترال، حيث كان يوجد محل ويمبى قديم يجتمع فيه الشباب في الليل، مركزا للمغامرات والمتعة، ملاهي ليلية، كازينوهات، (كريزي هورس) على اسم أشهر حانات التعري في باريس، و(ليوناردو دافنشي) .. سيد النهضة، وأسماء أجنبية أخري للمطاعم والكازينوهات، جو البهجة والمرح والاحتفال حتى الصباح.

كان لشارع البيطاش كل عام موضة جديدة، يغير من أثوابه القديمة ليرتدي ثوبا جديدا؛ فتجد مع كل صيف جديد محلات انتهى إيجارها، وتفتح مكانها محلات جديدة، إلا ملهى جورج في بيانكي، كان يقاوم ويبقى كل عام.

قام أهالي العجمي في آخر شهر 12 / 2007 بوقفة احتجاجية أمام مبنى حي العامرية التابع له العجمي، وذلك لأن مجاري الصرف الصحى التي لم ينته حفرها وتشغيلها لا تقوم بعملها كما يجب، وتحولت الشوارع إلى بحار، ولم يستطع الناس الدخول إلى منازلهم، وقيل إن أحد الأطفال غرق في هذه المجاري، وأذاعت الفضائيات الصور، وأقلق الأهالي أن هذا استمر أكثر من أسبوع، وتحالفت الأمطار الغزيرة والمجاري المسدودة في تعكير إجازة أسبوع عيد الأضحى على أهالي العجمي.

عندما تسير الآن في شارع البيطاش تشعر بالانزعاج الشديد من الضوضاء الكثيفة من كثرة الشباب الذين ينادون على بضاعتهم، والتي تشبه ضوضاء محطة مصر.

#أحمدعبدالجبار

453 views