الفسحة .. عن الشمسية والتمشية والمينيمم تشارج


أتذكر طفولتي ومراهقتي في أيام الصيف، أيام الجمعة أو بعد ظهر أي من أيام منتصف الأسبوع، تقرر عائلتي الذهاب إلى الشاطئ، نعد بعض الطعام -ربما ساندوتشات وبعض الحلوى والفاكهة- وكولمان الماء وترمس الشاي، نرتدي المايوه تحت ملابسنا، ونأخذ فوطة وتي شيرتا، يحمل والدي -كأي أب مصري وقتها- شمسية البحر-والتي يكون مكانها عادةً البلكونة- حمل الشمسية مهمة حصرية للآباء ليس بها مناقشة، وعند غياب الأب تتولى الأم هذه المسؤولية بدلاً عنه. في بعض الأحيان عندما يكون أبي غير موجود كنا ننتظر خفوت الشمس لنذهب إلى الشاطئ عصرًا حتى نتخلص من حمل الشمسية، تحمل أمي حقيبة بها الأطعمة ونتقاسم أنا وإخوتي حمل كراسي البحر والكولمان. كنا نذهب عادةً إلى شواطئ ميامي والمندرة، نعبر الطريق -كان وقتها قابلاً للعبور- وندخل ببساطة، نختار بقعة ما خلف أول صف أو صفين -حيث يكونان محجوزين للمستأجرين- لنغرز الشمسية في الرمال ونضع الكراسي تحت ظلها.

لم يعد في بيتنا شمسية أو كراسي بحر، في الحقيقة لا أعرف أين ذهبوا، لم يعد لهم استخدام، في عهد المحافظ الأسبق اللواء عبد السلام المحجوب تمت خصصة الشواطئ، وأصبح بطول الكورنيش كله بضعة شواطئ عامة لا تتسع للسكندريين والقادمين إلى المدينة صيفًا هربًا من حرارة الجو، أما باقي الشواطئ فأصبحت تحمل درجات مثل النجوم في الفنادق والأماكن السياحية؛ عليك دفع تذكرة دخول واستئجار شمسية وكراسي، فلا يُسمح بدخول شماسي وكراسي من الخارج مطلقًا، أما إذا لم ترغب في الاستئجار فيمكنك الجلوس على الرمال تحت الشمس، ولكن سيكون عليك أيضًا شراء تذكرة الدخول، من يومها أصبح أغلب السكندريين لا يذهبون إلى شواطئ مدينتهم، باستثناء المنتزه والمعمورة وشواطئ العجمي والساحل الشمالي.

في طفولتي أيضًا كان هناك شيء ما اسمه "التمشية" اعتاد الناس على ممارسة المشي في أوقات ما بعد العصر حتى ساعات متأخرة من الليل، كان هذا غالبًا في مناطق معينة على الكورنيش، مصحوبا بتسالي من ترمس ولب وسوداني، أو ذرة مشوية أو بطاطا وطبعًا الجيلاتي (يصر السكندريون على "جيلاتي" وليس "آيس كريم"). لكن بقيت محطة الرمل هي المكان الأبرز للتمشية، اشتهرت محطة الرمل-كعادة وسط البلد في معظم مدن العالم- بكونها مكان سياحي وتجاري، فكانت ومازالت تزخر بالمحلات والمقاهي الشعبية والسياحية والفنادق ودور السينما، لكن معظم من كانوا يتمشون في محطة الرمل لم يكن هدفهم الأساسي التسوق والتبضع بقدر ما كان "الفرجة" على المحلات، بعضهم كان يشترى الكتب من منشأة المعارف أو الرملي، أوالأكل من موطن الفول والفلافل والحمص الأشهر محمد أحمد (حين كان الساندوتش يساوي 25 قرشًا) أو فشار من "جوجو" بالقرطاس الأحمر حيث يقبع الفيل ساكنًا منذ سنوات.

مع سنين مراهقتي لم يعد لمحطة الرمل بريق كالسابق. تمرد جيلي عندما شب عن الطوق على شراء ملابسه من هناك، وأعلن أنها أصبحت مكان "بيئه" (الكلمة الأشهر وقتها وكان يعتبرها أولياء أمورنا مقياسًا لسوء الأدب). بسرعة وبشكل يكاد يكون مباغتا أخذت سموحة مكانة محطة الرمل كمركز للمدينة.

حين كانت مدرستي في المرحلة الابتدائية في سموحة، عاتب الكثيرون والدتي على إرسالي إلى تلك المنطقة النائية يوميًا. عندما وصلت لبداية المرحلة الثانوية كانت والدتي ترفض بشدة ذهابي إلى نادي سموحة مع أصدقائي "ح ترجعي إزاي لوحدك م الحته المقطوعه دي؟!" في تلك الأثناء، تم افتتاح "زهران مول" وهو الحدث الذي كان بمثابة نقطة التحول لسموحة. المنطقة التي تحمل اسم تاجر يهودي عراقي، وكانت حتى وقت ليس ببعيد، حسبما تردد أمي دائمًا، المكان الأمثل لتعلم قيادة السيارات؛ نظرًا لخلو شوارعها من السيارات والمارة، أصبحت مركزًا تجاريًا حيويًا ومكانًا ترفيهيُا بامتياز، ومنطقة جذب سكاني رفيع. لكن سموحة لا تماثل محطة الرمل في شيء، ليس فقط لجوها الصحراوي الحار الساخن صيفـًا، والصقيعي شتاءً، ولا لبعدها عن شاطيء البحر، ولكن أيضًا لتخطيطها العام. لا تتميز سموحة بشكل قطعة الشطرنح حيث تتقاطع الشوارع الطولية والعرضية -ما يميز الإسكندرية كمدينة- ولا بمبانٍ قديمة بتصميم عريق، على العكس، تتميز سموحة بكثرة ميادينها (فيكتور عمانويل، علي بن أبي طالب، مستشفى العيون، عزبة سعد، وغيرهم) حيث تتفرع عدة شوارع، وبعماراتها الشاهقة باهظة الثمن، والخالية من أي لمحة جمالية. ربما لا يتفق الجميع على أن سموحة مكان قبيح، لكنه قطعًا مكان خانق، وبالنسبة لي هو "جعجعة بلا طحن".

لم تحتل سموحه مكانة محطة الرمل وحسب بل أيضًا مكانة الإبراهيمية، وتحديدًا شارع لاجيتيه (السعادة بالفرنسية) كانت هذه ربما أول كلمة فرنسية تعلمتها، وكان حقًا اسما على مسمى للشارع الذي نتمشي فيه لنشتري ملابس أو لعب أو حلويات أو جيلاتي أو أرز باللبن ثم نركب الترام محملين بأكياس تبدو سحرية. وانضم الشارع البريء إلى قائمة الأماكن دون المستوى "البيئه" بدوره.

اليوم في دوائري الاجتماعية لا يوجد شيء اسمه "تمشية" ولم يعاد هناك "فسحة" أيضا؛ تغير اسمها ليصبح "هانج أوت"، اقتصرت على الذهاب إلى السينما -قطعا في أحد المولات الكبيرة؛ كارفور أوسان ستيفانو أوجرين بلازا- أو الجلوس على أحد "الكافيهات". التمشية في شارع لاجيتيه، أوالذهاب لأحد سينيمات محطة الرمل أوأحد الشواطئ العامة أنشطة لا تليق بنا، نحن أبناء الطبقة فوق المتوسطة أوالعليا. لم تعد البهجة مجانية، أصبحت بميني مام تشارج.

#خلودسعيد