المباني ذات القيمة في المدينة: تراث فاعل أم تراث خامل؟


على الرغم من أن الارتكاز على الماضي يظل مَعْلماً أساسيا بالنسبة للتراث ومنطلقا لا غنى عنه، إلا أن قدرته على التعامل مع الحاضر والتعايش وفق مقتضياته يبقى شرطا هاما من شروط استمراريته وتفاعله مع المجتمع. حيث يرى المفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري أن التراث هو "كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، ماضينا نحن أم ماضي غيرنا، القريب منه أم البعيد" وهذا يعنى أن التراث -بالمعنى الوظيفى- ليس فقط كل ما وصل إلينا من الماضى، وإنما هو كل ما وصل إلينا من الماضى وله خاصية الحضور والفعل والتأثير فى حياتنا وعلى أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا. فالتراث هو الماضي في بعده التطوري موصولا بالحاضر ومتداخلا معه ومتشابكا به. وهذا المقوم الموروث –الذي يقدره الناس لأسباب تتعدى مجرد المنفعة الوظيفية– يمثل ثروة كبيرة يتشارك فيها أفراد المجتمع ، والاهتمام والعناية به من الأولويات الملحة نظرا لقيمته المعنوية.

"أفضل الطرق للحفاظ على مبنى هي إيجاد وظيفة له، ثم تحقيق الاحتياجات التي تمليها هذه الوظيفة بطريقة جيدة بحيث لا يكون هناك أي حاجة أخرى لعمل أي تغيير آخر بالمبنى" – فيوليت لودوك

يمكننا بناء على ما سبق اعتبار المباني ذات القيمة التاريخية إرثا يتشارك فيه المجتمع والمالك سويا، حيث يكون للمالك حق الحيازة والانتفاع ويكون للمجتمع حق تحديد كيفية التعامل معه بهدف حمايته والحفاظ عليه. هذه القيمة التراثية تمثل مصلحة عامة في المبنى بغض النظر عن ملكيته، مما يبرر استخدام القانون والسياسات العامة لحماية تلك المصلحة (ويلزم هنا تطوير إطار قانوني يوازن بين الملكية الخاصة والصالح العام ويضمن ألا يمثل عبئا على المالك بل يكون قيمة مضافة وميزة) وفي المقابل يجب على المجتمع تقديم المشورة والدعم لمساعدة صاحب الملكية في الحفاظ على هذا التراث.

والحفاظ هنا لا يعني التجميد وترك المبني بعد ترميمه خاويا مغلقا. الحفاظ المقصود هو عملية إدارة التغير التي تحدث للمبنى بأفضل الطرق التي تضمن استدامة قيمته التراثية، بل وإدراك فرص لتعزيز وكشف هذه القيمة للأجيال الحالية والقادمة. فالحفاظ هنا يستهدف موطن القيمة في المبنى، ويعمل على استدامة هذه القيمة وتعزيزها . ومن أفضل هذه الطرق هو الحفاظ من خلال إشغال المبنى باستخدام مفيد اجتماعيا ويحترم شخصيته التاريخية وطابعه المعماري في نفس الوقت، بحيث تضاف للقيمة العمرية والمعنوية للمبنى قيمة أخرى وظيفية ونفعية تضمن له الحيوية والاستمرارية والفاعلية. هذا الإتجاه الذي يعتبره الكثيرون أحد أهم طرق الحفاظ يعرف بإسم إعادة التوظيف“Adaptive re-use” وهو عملية تهيئة وإعادة استخدام مبنى أو موقع قديم لغرض غير الذي بنى أو صمم من أجله. يمكن اعتباره حلا وسطا يوازن ما بين احتياجات النمو العمراني والتنمية العقارية والمنفعة الاقتصادية استجابة لمتطلبات الحياة العصرية واشتراطاتها والاستخدامات وبين الحفاظ لأسباب جمالية وتاريخية ورمزية. بل ويضيف إلى ذلك بعدا اقتصاديا بالاستفادة من البنية القائمة لتوفير النفقات ولتعزيز التنمية المستدامة (في عالم الإنشاء هناك قول: "أكثر المباني تواءما مع البيئة هو مبنى منشأ بالفعل")

طريق ثالث؟

من أهم ما تفتقر إليه الدراسات التراثية في مجتمعاتنا بصفة خاصة هو المنهج السليم للتعامل مع التراث دون إفراط في الرومانسية والتبجيل والتقديس، أو في الإزدراء والاستهجان وعدم التقدير. ويأتي في مقدمة متطلبات هذا المنهج ربط التراث بمشكلات الحاضر وتطلعات المستقبل قدر اهتمامنا بماضويته. تدفعنا هذه الطريقة في التفكير إلى تصور أن الجدل حول أي مبنى تراثي لابد له أن ينتهي بحل من اثنين؛ إما الإبقاء عليه كما هو أو هدمه. في الوقت الذي تقدم فيه الدراسة المتأنية لأساليب واستراتيجيات وتطبيقات الحفاظ وإعادة التوظيف طيفا واسعا من الحلول التي قد تنجح في الجمع بين ما يبدو مقاصد متناقضة.

فمن الممكن أن يتم الحفاظ على المبنى من الخارج والداخل كما هو تماما أو تجديده وترميمه، وفي بعض الأحيان إعادة بنائه كما كان، عدا بعض التدخلات البسيطة التي تهدف إلى تهيئته للاستخدام الجديد مثل العديد من منازل بعض المشاهير والشخصيات التاريخية التي تحولت إلى متاحف تعرض مقتنياتهم الشخصية. ومن الممكن الحفاظ على المبنى القديم (كله أو جزء منه) مع إضافة امتداد جديد له يستوعب المزيد من الحيزات المطلوبة للاستخدام الجديد. ومن الممكن استبقاء الواجهات الخارجية للمبنى والتعديل الجزئي أو الكلي في الفراغات الداخلية مثلما حدث في متحف أورسيه الشهير في باريس والذي كان في الأساس محطة نهائية للقطارات في القلب التاريخي للمدينة عام 1900 ثم تم تحويلها لمتحف تم افتتاحه عام 1986 أصبح من أهم وأشهر متاحف الفنون في العالم.

وفي المقابل يمكن الحفاظ على العناصر الداخلية للمبنى من حيزات أو هيكل إنشائي مع تغيير الواجهات القديمة. ومن الممكن استبقاء الواجهات والمظهر الخارجي مع إضافة امتداد للمبنى مثل برج هيرست بمدينة نيويورك، وهو مبنى إداري تم إنشاؤه في العشرينيات من القرن الماضي على ستة أدوار أصبحت الآن بمثابة قاعدة للبرج وتم عمل امتداد رأسي عام 2006 من تصميم المعماري البريطاني الشهير نورمان فوستر.

أي أن الفكر المعاصر للحفاظ على المباني التراثية من خلال إعادة التوظيف يستوعب أنماطا عديدة ومتنوعة من الاستخدامات وطرق التدخل المعماري. هذه المرونة والتنوع يؤكدان على اتساع دائرة فرص استغلال هذه المباني بدلا من تركها خاوية مهجورة أو هدمها. ويوجد على المستوى المحلي بالإسكندرية العديد من الأمثلة لمبان قديمة يمكن أن يتم إحياؤها بإعادة تشغيلها وربطها بأنشطة المجتمع إما بنفس الاستخدامات القديمة أو فى استخدامات أخرى. بعض تلك المبانى مسجل كأثر، والبعض الآخر مسجل في قائمة المباني التراثية، والبعض مباني قد تكون عادية جدا. كل هذه المباني على اختلاف قيمتها تمثل فرص يمكن اقتناصها لتحقيق هذا الغرض بإعادة توظيفها بالطريقة التي تتلاءم مع طبيعة وقيمة المبنى ولا تضر به.

فهناك بعض الوكالات التجارية التاريخية التي تصلح تماما لإعادة استخدامها كفنادق للسائحين مما يعني إنعاشا حقيقيا لمنطقة وسط المدينة التاريخي مثل الشوربجي ومنفراتو. كما يمكن تحويل بعض الفيلات والقصور السكنية القديمة إلى فنادق من نوعية "فنادق البوتيك" Boutique hotel والتي تقدم مفهوما جديدا في مجال الضيافة والفندقة. ويمكن توظيف بعض هذه المباني لأغراض ثقافية كالمكتبات أو المتاحف أو المراكز الثقافية والفنية كما هو الحال في قصر الأمير طاز وقصر وكالة الغوري بالقاهرة الإسلامية اللذين تقام بهما عروض فنية ومنتديات ثقافية ومعارض للأطفال الموجودين في المنطقة المحيطة مما يساهم في خلق رابط معنوي مع المبنى يدعم فكرة الحفاظ عليه. كما أن هناك مناطق بأكملها لها خصائص عمرانية مميزة مثل الحي التركي ببحري ومنطقة كوم الدكة. ومدينة "فاس" المغربية العتيقة نموذج يحتذى به في هذا السياق حيث تم ترميم وتجديد البيوت وإعادة تسكينها وفندقة عدد من مبانيها الأثرية مع توعية السكان بطرق صيانتها والحفاظ عليها . كما توجد بالإسكندرية عدة مبان ومنشآت تنتمي لما يمكن أن يطلق عليه "التراث الصناعي" مثل المصانع والشون والمخازن القديمة التي فقدت أهميتها النفعية والاقتصادية لسبب أو لآخر. والعديد من الدول الأوروبية لها تجارب ناجحة في إعادة توظيف مثل هذه المباني والمناطق يمكن لنا الاستفادة منها. لعل من أشهرها متحف التيت للفن الحديث فى لندن الذي تم افتتاحه عام 2000 والذي بنى داخل محطة سابقة لتوليد الكهرباء توقفت عن العمل فى 1981.

تراث فاعل أم تراث خامل؟

هذه دعوة إلى تفعيل التراث المعماري والعمراني وتوظيفه بصورة تنسجم مع واقع الحياة العصرية، وتسعى لمخاطبة ومواجهة التحديات المستقبلية ، من غير أن تعرضه للهدم أوالمسخ أوالتشويه، فهو في المقام الأول جزء من إرثنا الثقافي على مر الأجيال، وسوف تساءلنا الأجيال القادمة إن لم نكن على قدر المسئولية في إعداد أنفسنا الإعداد العلمي والفكري والثقافي الواعي الذي يمكننا من تفعيل هذا التراث وتوظيفه والحفاظ عليه؛ ليقوم بدوره في تشكيل الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي لمجتمعنا في ذلك الظرف الدقيق من عمر مدينتنا.

لا تزال الفرصة سانحة لذلك ..

#أحمدحسن