المعمورة: معمورة أم خرابة؟


الخرابة القديمة بشرق الإسكندرية أصبحت منطقة المعمورة الراقية حينما اهتم بها الخديوي عباس حلمي الثاني فأنشأ قصر وحدائق المنتزة، واهتم بتطوير المنطقة وتعميرها لتكون مقرًا لصفوة المجتمع والأمراء والملوك. في منتصف الخمسينات من القرن الماضي وبعد قيام ثورة يوليو تم فك حصار الطبقة العليا من المجتمع عن المعمورة لتكون متاحة للمواطنين السكندريين والزائرين؛ فبدأ العمل على بناء المعمورة الشاطيء على مساحة تزيد على الـ600 فدان لتكون أول قرية سياحية متكاملة بالإسكندرية. وظلت لسنين عديدة منطقة راقية ومقصدا للمصطافين رأيناها دائما في أفلام سعاد حسني والعديد من الأفلام القديمة. المعمورة طالما تميزت بطابع خاص تفتقده باقي مناطق الإسكندرية التي تُنشأ بناياتها كل على حدة ، ذلك الطابع المميز أبقاها على قمة مصايف الإسكندرية لسنين طويلة تمتد حتى الآن.

ربما يذهب البعض منا إلى المعمورة لركوب العجل أو نزول البحر أو لمجرد الفسحة، ونعتبر المكان مريحًا دون التفكير في

المقومات التي تدفعنا إلى الذهاب إليه. تلك المقومات لا تنحصر في الشاليهات والبحر لكن في عوامل كثيرة أدت إلى جعل المعمورة نموذجا لمدينة حضرية متناسقة بداية من تدرج ارتفاعات المباني والمسجد الكبير -الذي يُعتبر من المعالم الرئيسية- والأسواق التي تخدم المناطق المحيطة بها وتخطيط الشوارع والمعارض والملاهي وانخفاض كثافة السكان عن باقي الإسكندرية، وانتهاءً بعوامل غير مادية مثل الأمان وقلة نسبة التلوث والراحة البصرية وما إلى ذلك. بينما تفتقد الإسكندرية كل هذه العوامل لانعدام الرؤية التخطيطية الشاملة التي تنسق بين عناصر المدينة واحتياجات الفرد.

المعمورة ظلت صامدة أمام عوامل التأثير الخارجية لسنين طويلة، واكتفت بتغييرات بسيطة في الأسواق ونشاطها وممر الكورنيش وبعض البنايات المركزية الرئيسية. لكنها لم تعد قادرة على الصمود؛ فازدياد الكثافة السكانية في الإسكندرية ولجوء الكثير من السوريين للسكن في المعمورة إضافةً إلى العامل الاقتصادي والحاجة إلى دخل أكبر دفعت شركة المعمورة الاستثمارية إلى البدء في تغيير بعض الأمور التي ستؤدي بدورها إلى تغيير طابع المعمورة بشكل عام وسيجعلها تندرج تحت طية التجمع السكني أكثر من السياحي، لنجد المعمورة أصبحت رقعة سكنية ذات بنايات مرتفعة قميئة مثل باقي الإسكندرية لكن تتحلى بمساحات شوارع أكثر رحابة ما لم يتم التدخل في الشوارع أيضا.

أولى أشكال التغيير بدأت بالمعمورة بلازا الواقعة على الشارع الرئيسي؛ شارع النصر، تلك البناية الجديدة نسبيًا الضخمة التي تشبه بنايات سموحة للون الواجهات وتصميمها. لكن هذا ليس الأسوأ، القادم هو الأسوأ. حديقة مثلثة مهملة بجوار المدخل الرئيسي للمعمورة ستتحول إلى مول تجاري ترفيهي، لنجد أن المساحات المفتوحة تبدأ في التآكل الواحدة بعد الأخرى، والعوامل الاقتصادية والتجارية تنطلق لتقضي على الأخضر واليابس. أيضًا البنايات السكنية يتعرض بعض منها الآن للهدم مقابل إنشاء بناية أعلى ارتفاعًا تحتوي على وحدات أكثر و"ترى البحر". فتلك البناية ذات الستة طوابق ستصبح غدًا ذات إحدى عشر طابقًا، ومثلها كثير. بعض البنايات تعرضت للهدم وإعادة البناء أيضًا لكنها نجت من زيادة عدد الطوابق فصُمِمت بشكل معاصر ومواد بناء جديدة لكن بنفس الارتفاع في تناسق مع ما حولها. أغلب الناجي هو البنايات القريبة من البحر، أما ما بعد الشارع الرئيسي فلا أحد يعلم كيف ستبدو هذه المنطقة من المعمورة بعد الإنشاءات الجديدة.

الضغط على الإسكندرية في زيادة مستمرة دون الامتداد والتوسع بعيدًا عن مركز المدينة. هذا الضغط يقضي على كل ما هو باقِ وجميل سواء كانت مبانٍ تراثية أو فيلات قديمة أو حتى تجمع كامل مثل المعمورة. استبدال البناء الحالي بمبانٍ سكنية أكثر تعددًا في الطوابق والواحدات لن يحل المشكلة بل بالعكس سيجعلها تزداد سوءًا، ويزداد الضغط على البنية التحتية للإسكندرية حتى تنهار المدينة. كل تلك الاستثمارات والعقارات مكانها ليس هنا، والأحرى بشركة كبيرة مثل شركة المعمورة أن تنشيء تجمعا جديدا بنفس مقومات الجذب التي تحظى بها المعمورة على الساحل الشمالي أو في كينج مريوط أو برج العرب بدلاً من أن تشوه المعمورة دون أي عائد حقيقي على المكان أو الأفراد. فهل تصبح المعمورة خرابة عمرانية أم نجد الإسكندرية تمتليء بنماذج أخرى منها؟

#غادةعصام