بناء سكني معاصر


"العمارة هي فن كيفية إهدار الفراغ" هكذا يصف المعماري الشهير فيليب جونسون العمارة، في تأكيد منه على ضرورة أن تأتي راحة المستخدم بالمقام الأول. بطبيعة الحال؛ العمارة هي أحد أهم المنتوجات الثقافية للمجتمع؛ فهي تشكل بشكل رئيسي حياة الأشخاص اليومية، بل وحالاتهم المزاجية أيضا، فما طبيعة المنتج الذي ننتظر إفرازه من مجتمعنا المعاصر بكل توجهاته النفعية القائمة على الربح السريع دونما أي التفات لأصول صناعة أو ضوابط مهنة.

"البراح" كلمة توارت في العامية المصرية، ويبدو أنه تواري معها الكثير، لتصبح "شقة برحة" من الكلاسيكيات وتحل محلها "شقة ع القد" حيث تسيطر فكرة "التسكين" بدلا من "السكن" على السواد الأعظم من أشكال البناء السكني المعاصر، وتصبح المقاولات هي "طريق الثراء السريع، والمؤكد"

لعقود طويلة ظلت الإسكندرية مثالا يحتذى في العمارة والعمران، أدت فكرة شريطية المدينة إلى حالة من السلام بين قاطنيها والمسافات الطولية التي يقطعونها فهي لا تزعجهم -عكس حال قاطني المدن المركزية بصورها المختلفة– حيث اعتادوا التنقل ما بين أطرافها في حالة من الراحة والحب للمدينة، قد يفضلون السكن في بناية أبعد من أخرى لأنها أكثر راحة وجمالا، لكن يبدو أن ذلك كله تغير الآن، فلم يعودوا يجدون تلك البناية الجميلة البعيدة بل لم يعودوا يجدون إلا علب الثقاب المتراصة، إن أحد أهم مسببات مأساة البناء السكني المعاصر اليومية بالإسكندرية هو غياب البديل فنحن بصدد مدينة تدار لعقود عديدة بمنهجية رد الفعل دونما رؤية لأهداف، ليس هكذا تدار المدن.

الوضع أسوأ مما تظن، فأنت تمر الآن على واجهة إحدى العمارات بعرض ستة إلى ثلاثة أمتار -بعض الأحيان- في الأحياء "الأكثر حظا"، تلك الأمتار الستة هي كل ما يربط أكثر من مائتي شخص بالفراغ الخارجي للمدينة، ترتفع العمارة لبضع وخمسين مترا فيما يزيد عن العشرين طابقا بشارع لا يتجاوز الستة إلى ثمانية أمتار، لم يعد هذا حتى تسكينا بدلا من سكن، إنه أقرب إلى التعليب والتعبئة!

ماذا ننتظر من ناطحات السحاب تلك التي تخدمها شبكة طرق دقيقة أصبحت الأن أشبه بالممرات مع تشاهق أبنيتها -لتشعرك فقط بالضآلة في مدينتك –ناهيك عن احتجاب الشمس وكارثية التهوية الطبيعية بل واستحالتها في بعض الأحيان لأكثر من ثلثي الوحدات السكنية. تلك الممرات "الشوارع سابقا" التي لم تعد ترى الضوء تقريبا بدورها بسبب تلك البنايات القاتلة التي لا نستطيع حتي أن نعاير معامل الأمان بها؛ فلا يسكن قلوبنا إلا الرعب تجاه سقوط إحداها في أية لحظة ودونما مقدمات كما حدث كثيرا من قبل، حتى وإن صح بناء بعضها إنشائيا فإن هذه الارتفاعات الشاهقة دون أي دراسة ستؤدي لكارثة محققة بمجرد خلل إحداها، أومع أول كارثة طبيعة محتملة لتتضاعف الخسائر عشرات المرات. شبكة المرافق أيضا لم تُعد لكل هذا الضغط الرهيب من صرف صحي وكهرباء وإمداد بالمياه؛ فقد تم تصميمهم تبعا لقوانين تخطيط المدينة وتنظيم البناء، يفترض أن يتم توزيع الخدمات من مناطق تجارية ومدارس ومستشفيات وجامعات إلى آخره تبعا لتعداد السكان بكل منطقة مما أدى لحالة عبثية في تقديم الخدمات؛ فكل هذه التكتلات البشرية يجب أن تلبي احتياجاتها بشكل أو بآخر.

إننا أمام انهيار كامل لكل أسس التصميم الحضري والعمراني، انهيار لكل المقاييس والأبعاد الإنسانية للمدينة والسكن؛ فقد توغلت المصلحة الشخصية، والتي اختزلت بدورها في جني الأموال الطائلة –سريعا- ثم جني المزيد منها في غياب كلي للضمير؛ ليصبح ذلك الصنف من المقاولات تجارة أرواح مقنعة ليس إلا. فهم يسلبون الناس أرواحهم مقابل تلك القبور المعلقة.

#محمدأبوالخير