تقاطعات المجال العام والمساحات العامة


عندما خرجت الملايين إلى الشوارع في مظاهرات 25 يناير 2011، كان بشكل أساسي اعتراضًا على التعذيب الممنهج الذي يمارسه النظام ووزارة داخليته ضد المواطنين، وما لبثت أن تحولت إلى ثورة كبيرة ألقت بظلالها على المستوى الإقليمي والدولي. ولكنها كانت أيضا مطالبة بالحق في المجال العام والمساحات العامة. ولذا كانت رمزية استدعاء "الشارع لنا" واستخدامه كأحد الشعارات الثورية، وهو الشعار المأخوذ من أغنية لماجدة الرومي من تأليف صلاح جاهين من فيلم "عودة الابن الضال" إخراج يوسف شاهين - إنتاج 1976، معبرًا بصدق عن هذه الحالة.

في القاهرة كانت المعركة الأبرز يومي 25 و28 هي الوصول إلى ميدان التحرير واحتلاله. وتشهد معركة كوبري قصر النيل حكايات كثيرة عن أشخاص عاديين أصبح جل أملهم أن يصلوا إلى الميدان. يتجلي هذا في معركة ربما أكثر وضوحًا، ليلة 2 فبراير التي أصبحت معروفًة باسم "موقعة الجمل" حين هوجم الميدان من قِبّل قناصة أسلحة متطورة وعناصر أمنية بزي مدني وعصابات الحزب الوطنى.

عندما أصبح ميدان التحرير اسمًا على مسمي وبسط الثوار سيطرتهم عليه أصبح احتلال الميادين كلمة المرور السحرية في كل الحركات المعارضة، وتعدى ذلك الحدود الإقليمية . بعد تنحي مبارك بقليل، أعلنت حركة "احتلوا" Occupy Movement عن نفسها ، متخذة احتلال ميدان التحرير نموذجًا يحتذى به، وتبع ذلك حركات مماثلة في مختلف دول أوروبا بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. وجاءت الاحتجاجات العارمة في ميدان تكسيم بأسطنبول مؤخرًا (بدأت أواخر أيام مايو 2013) لتؤكد على مركزية رمزية ميدان التحرير حيث رفع المتظاهرون شعارًا أنهم سيحولون "تكسيم إلى تحرير"Turn Taxim into Tahrir" وكان العلم غير التركي الوحيد الذي تم رفعه هو علم مصر.

كان ومازال الوضع في الإسكندرية مغايرًا تمامًا . لم يكن هناك ميدانًا للثورة، ومحاولة الإعلام غير الدقيق تصدير القائد إبراهيم على أنه الميدان المقابل للتحرير في الإسكندرية خطأ فادح وما يدل إلا عن جهل. فهو أولا ليس ميدانًا أصلا، ولم يقم فيه أوبالقرب منه اعتصامًا قط . كان فقط نقطة بداية بعض المسيرات، وليس كلها، وشهد خلال الثمانية عشر يومًا الأولى للثورة وما تلاها عدة أحداث فيصلية.

جغرافيًا وتخطيطيا، تختلف الإسكندرية كليةً عن القاهرة. فالإسكندرية التي اختار الإسكندر الأكبر موقعها وحملت اسمه هي أقرب للوحة الشطرنج: بضع شوارع رئيسية عرضية ومتوازية تصل شرق المدينة بغربها وبطول كورنيش المتوسط، يتقاطع معها الكثير من الشوارع الطولية المتوازية بدورها. مفهوم الميدان إذا غير موجود بشكل كبير، الموجود بكثرة هو تقاطع لعدة شوارع. حتى الميادين الموجودة هي إما صغيرة من حيث المساحة (كل الميادين تصبح صغيرة بالمقارنة بميدان التحرير) أوغير ملائمة لأغراض الاعتصام. ميدان المنشية مثلا، أشهر ميادين المدينة على الإطلاق، يطل على الكورنيش بمعني أن أي هجوم مباغت من جهة واحدة يعني محاصرة المعتصمين. ميدان محطة مصر بدوره هو فعليًا مبنى محطة القطار الرئيسية بالمدينة بالإضافة إلى موقف وسائل نقل عام و سوق كبير.

يرى البعض بأسى أن هذه الطبيعة الجغرافية أدت إلى فشل الاعتصامات في الإسكندرية، في الحقيقة كانت هناك محاولتان للاعتصام أحدهما في محطة مصر لمدة لم تزد على يومين وقرر النشطاء فضه لعدم الصدام مع التجار والمترددين عليه حيث استاءوا منه، والآخر كان في حديقة سعد زغلول (المطلة على الكورنيش) في يوليو 2011 تزامنًا مع اعتصام المصابين وأهالي الشهداء في التحرير.

ربما الإسكندرية ليست مدينة اعتصامات، لكن خريتطها أهلتها لتكون بامتياز مدينة المسيرات. لم تعرف أي من المدن المصرية مظاهرات بالشكل الذي حدث في الإسكندرية: مسيرات متوازية من عدة نقاط في المدينة وتلتقي في منطقة محورية عند نهاية اليوم. لهذا عدة مزايا: فالمواطنون ممن لا يشاركون في المظاهرات يرونها بأعينهم. المظاهرات ليست شيئا معزولا يحدث في مكان ما بعيد عنهم. إنها هنا حيث يسكنون، والمتظاهرون هؤلاء أشخاص مثلهم ينادونهم "يا أهالينا ضموا علينا" فينضم البعض أويشجعهم بحماس. هذه المسيرات هي أفضل تجسيد لشعار "الشارع لنا".

في حوالي الرابعة من يوم 28 يناير 2011، انسحب الأمن تمامًا من المدينة وكان هذا أول انسحاب للجهاز الأمني في الجمهورية. حينها شعر الجميع بأن "الشارع لنا" عن حق، وكانت صيغة المتكلم هنا هي "نحن الشعب" في مقابل "هم الحكومة" وهي الكلمة الدارجة في العامية المصرية والدالة على النظام الحاكم. في القاهرة تم احتلال ميدان التحرير، في الإسكندرية تم احتلال المدينة بأكملها.

كان طبيعيًا إذا أن يسيطر شعور عام أن المدينة محررة. وعمت حالة عارمة من التصالح مع المكان بشوارعه وجدرانه وأزقته. مجموعات كبيرة تضطلع بتنظيف الشوارع والميادين. دهان للأرصفة ومحطات الترام. الفنانون والهواة يضعون بصماتهم على الجدران والأسوار والحوائط وكل ما هو قابل للكتابة والرسم. في الحقيقة كان كل هذا متاحًا قبل التنحي وقبل الثورة، ولم تكن القبضة الأمنية التي يتحجج بها البعض لتمنع أي من هذه الأنشطة، باستثناء ربما الجرافيتي. كان الأمن ليرحب بمجموعات من الشباب تكنس الشوارع وتدهن أرصفتها بألوان علم مصر. ولكن هؤلاء الشباب لم يفعلوا ذلك من قبل، ليس فقط لأنهم لم يمتلكوا الدافع والحافز وجاءت الثورة لتقدم ذلك، بل لأنهم لم يكونوا يشعرون بملكية كل هذا أصلاً. هذه الشوارع والساحات والأرصفة والجدران لم تكن ملكنا. الآن أصبحت في حوذتنا. الآن فقط.

وقد ساهمت السياسيات المحلية والقومية المتتالية في تأجيج هذا الشعور لدي عموم المصريين بعدم الامتلاك. يتذكر السكندريون فترة المحاقظ الأسبق عبد السلام المحجوب كبداية عصر خصحصة الشواطئ وتأجيرها لمنتفعين يتحصلون على تذاكر مقابل السماح للجمهور بدخول الشاطئ. ليس هذا فحسب، ولكن ما سمي بالطفرة والتطوير الذي شهدته المدينة كان أيضًا بشكل كبير على حساب المجال العام حين تحالفت المحافظة والإدارات المحلية المختلفة مع كبار رجال الأعمال بحيث يتولون أمور تطوير المساحات العامة من شوارع وميادين ونافورات وكباري ومحطات أتوبيس بمعرفتهم ، وفي كتير من الأحيان حسب ذوقهم، مقابل كتابة أسمائهم على هذه المساحات العامة سابقا، بالإضافة إلى مزايا أخرى كثيرة.

كذلك شهدت فترة ما قبل الثورة، بداية التأسيس لفكرة الحق في المساحات العامة والمجال العام، فمثلما كانت للثورة إرهاصات كان هنالك إرهاصات عدة على هذا المنوال. شهدت صخور الكورنيش مثلاً، وتحديدًا المنطقة بين سيدي جابر وكامب شيزار والتي تستخدم كمصدات للأمواج، معارك كتابية يتذكرها السكندريون بين المنتمين للتيارات السلفية ومعارضيهم حيث ملأوها باقتباسات وعبارات دينية بنبرة تهديد مما أثار حفيظة البعض وقرروا إزالتها. مقاهي وسط البلد في محطة الرمل والمنشية أيضًا شاهدة عيان. لفترة طويلة كنت تلك مساحات حصرية للذكور فقط، وتم فتحها بعد ذلك للسيدات. أما بالنسبة للفتيات والشابات فكن غير مرحب بهن. ويتذكر روادها صراعات كثيرة خاضها جيل من الفتيات في فترة التسعينات لانتزاع حق الجلوس في تلك المساحات وتغيير الصورة النمطية للفتاة التي ترتاد المقاهي، وأصبح هذا بعدها بسنوات أمرًا عاديًا لا يتوقف عنده الناس.

ربما المعركة الأقرب إلى الذهن هي تلك التي دارت على هامش الحشد لقضية مقتل الشاب السكندري خالد سعيد في يونيو 2010. قبلها، كان النشطاء من السياسيين الشباب والمخضرمين يقومون بمظاهراتهم عادةً صباحًا أمام محكمة المنشية التي يعرفها السكندريون باسم الحقانية. ينتهي الأمر بعشرات من المحتجين يهتفون ولا يسمعهم أحد غالبًا، إلا جنود الأمن المركزي المحيطون بهم. مع تفجر قضية خالد سعيد فكر النشطاء الشباب في تنظيم صلاة غائب في مسجد سيدي جابر، وهو أقرب مسجد كبير لمنزل خالد في كيلوباترا حيث قتل في الشارع على مرأى من الجميع. فاجأ هذا اليوم الجميع بنجاحه، وصمم المنسقون على تنظيم وقفات احتجاجية عديدة في دوران كليوباترا بشارع بورسعيد، وسط الأهالي. وجاءت صفحة "كلنا خالد سعيد" على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بفكرة وقفات الحداد الصامتة على الكورنيش. كانت مشاهد مهيبة للآلاف معظمهم يتشحون بالسواد يجلسون في صمت يتأملون البحر أو يقرأون. في يوم الجمعة 23 يوليو كانت ثالث تلك الوقفات، كانت الدولة والإعلام الرسمي تحتفل بذكرى ثورة يوليو بينما كان الشباب ومن انضموا إليهم من جيل الوسط والجيل الأكبر يبكون شهداء التعذيب. أحاطتهم عدة كتائب للأمن المركزي. استشاطوا غضبًا، ومع أول محاولتهم للهتاف تم الهجوم عليهم. عند سيدي جابر، حاولت مجموعة الهرب إلى الناحية الأخرى من الطريق. توقفت السيارات والأتوبيسات وسيارات الأجرة (يطلق عليها السكندريون المشاريع) بشكل عفوي هتف أحدهم وسط الضوضاء "حرية" فانضم كل من في الشارع إلى الهتاف. كان هذا ربما احتلالا للكورنيش، وكان "الشارع لنا" قبل حتى أن نعي.

تلك ال"نحن" الجماعية التي تفجرت مع الثورة ما لبثت أن انقسمت إلى "أنا"/ "نحن" و"هم" منذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011، لتتحول بالنسبة للكثيرين إلى معارك بقاء ووجود مع الاستفتاء على الدستور في ديسمبر 2012. وانعكس ذلك بدوره على المجال العام بمعناه الفعلي (المساحات العامة) والمجازي (الفضاء العام) وأصبح سؤال "من يكسب الشارع" يسأل عن الجماهير، من الحيث المزاج العام والكتلة التصويتية، والمساحات الفعلية.

يتجسد هذا جليًا في شعارات وملصقات الحوائط . في فترة ما، كان الاتجاه العام هو المسح والإزالة. منذ وقت قصير بوسع أي مراقب أن يرى أنه ثمة اتفاقًا ما غير مكتوب بين جميع الأطراف بعدم الطمس. فتجد مثلاً عبارة مثل "أترضاه لأختك ؟" على صخور البحر بجوارها الرد "أيوه أنا حره" أوعبارة مماثلة تحث على العفاف بجوارها "عفاف خلاص اتجوزت" ويتجلى هذا أيضًا في شارع المشير بسيدي جابر حيث يقبع مقر المنطقة الشمالية العسكرية والذي شهد مظاهرات ومواجهات عديدة خلال فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة. كان سور المنطقة الشمالية والمستشفى المواجه لها يعج بشعارات ثورية لسويعات معدودة قبل أن تُدهن الحوائط وتعود كصفحة جديدة ناصعة البياض ثم تدور الكرة وتكتب الشعارات فيعاد دهان الحوائط. مع توقف الشعارات ضد المجلس العسكري وتحول الشعارات ضد مرسي وتيار الإسلام السياسي تم دهان السور مجددًا وعج بشعارات دينية تحث على الأخلاق والفضيلة وما شابه. ولكن أحدهم أراد أن يعبر عن استيائه. فتحت "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" كتب "قول لنفسك".

وأعلنت أطراف أخرى، ربما غير معنية بالثورة بشكل أساسي، عن نفسها من خلال هذه الجدران. جميع من في المدينة يعرفون بلياردو التيتي ودكتور العلاج بالحجامة. وشهدت الإسكندرية معارك على الحوائط بين روابط الألتراس الثلاث: الأهلي (ريد دراجونز Red Dragons) والزمالك (وايت نايتس White Knights) والاتحاد السكندري (جرين ماجيك Green Magic) وفي فترة ما كانت الحوائط مقسمة بينهم وفي بعض الأحيان على حساب جرافيتي للثورة.

بالمثل وربما بشكل أكثر ضراوة، تتخذ الحريات والاختيارات الشخصية مركزية في هذه المعركة الدائرة. ربما نتذكر جماعة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي احتلت حجر الزاوية في جدل مجتمعي وخفتت مع حادث مقتل شاب في السويس اشتبه أحدهم في وقوفه مع خطيبته في حديقة عامة.

مثاليًا ، تجيء الثورات لتعطي صوتًا لمن خفت صوتهم أو لمن لا صوت لهم. ومن هنا انفتح المجال العام وذخر بأفكار كانت بالنسبة لكثيرين صادمة. مع الوقت سوف تخف حدة الصدمات، لكن الغلبة ستكون من نصيب من يثابر ويصر على انتزاع حقه في تلك المساحة المفتوحة.

#خلودسعيد

34 views