على الكورنيش ... كل صباح


في الصباح –قبل الثامنة– يمكنك أن ترى اختلاف ما يمثله الكورنيش لكل من يسيرون عليه في هذا الوقت. ترى الكثير من النماذج المتكررة والمتقاربة في أغراضها – يريدون المشي في خط مستقيم لا ينتهي، ويريدون المشي في هدوءٍ وسلام. بعض النماذج تجدها في كل مكان. و البعض الآخر تراهم في الأغلب في أماكن بعينها... دون سابق اتفاق.

في كل مكان ترى:

الراغبات في إنقاص أوزانهن؛ ترى القليل من الفتيات اللاتي يسرن بمفردهن، و الكثير من المجموعات المكونة من فتاتين، وقليلا جدا من المجموعات المكونة من أكثر من ذلك، وتتراوح الأعمار من الثامنة عشر حتى ما بعد الخمسين. وعلى اختلاف أعمارهن، تختلف سرعة السير... لكن أبداً لا تراهن يحاولن الجري أوالهرولة، فقط يحاولن السير بخطوات أوسع من خطواتهن العادية. يرتدين أحذية رياضية تحت عباءات طويلة ترى من فوقها أنهن غير بدينات بالمقاييس العادية . لكن لكل منهن هدفا ما... رقما تود أن تراه على الميزان ربما.

السائرات بمفردهن ترى أسلاك سماعات الأذن خارجة من تحت الحجاب، والموبايل أو جهاز الـ MP3 في أيديهن... حيث لا توجد جيوب في العباءات. ولا ينظرن لأحد سوى مرة واحدة. أما المجموعات، في الأغلب يتابعن جيداً من يمرون حولهن، يتحدثن سويا... يشجعن بعضهن البعض.

الراغبون في إنقاص أوزانهم –دائما يتحركون بمفردهم. ترى الفتى البدين بالفعل مخلص تماما لإنقاص وزنه... و تراهم يعرقون بغزارة، و يهرولون وعلى وجوههم نظرة من يشعر أنه في مأزق. يضعون السماعات في آذانهم، والطرف الآخر من سلك موجود في مكان ما في جيب من جيوب البنطلون الرياضي أو "بدلة التخسيس" و التي شيرت فوقه مبلول بالعرق الذي يرسم شكلا يشبه دلتا النيل في منتصف الصدر، ومنتصف الظهر. ورغم الإرهاق الواضح عليهم، إلا أنهم بالكاد يتحركون... تسمع أنفاسهم المتلاحقة وأنت تمر بجانبهم بخطواتك العادية.

"الحَبـِّيبة" –وهم غير الحبيبة الذين نراهم طوال اليوم في كل مكان على الكورنيش. ففي مثل هذا الوقت المبكـِّر من اليوم ترى معظهم الفتيات في زي المدرسة، وشباب في ملابسهم العادية. يسيرون بحرية و سعادة. لا ينظر الشاب لأي شخص حوله، بينما الفتاة تبادل من يمرون حولها النظرات، تتجاهل نظرة من ينتقد كونها "مزوَّغة" من المدرسة، و تستحي من نظرة من يبتسم بسعادة إلى قصة حبهما البريئة التي لا تجد مكانا لها إلا على الكورنيش. و هناك نموذج آخر من الحـَبِّـيـبة...

أصحاب الكلاب –كلابهم صغيرة و كبيرة، لكن من حركتهم و حماسهم تعلم أنهم حديثو السن. مربوطون بحزام في يد من يسير معهم، يدورون حوله في نطاق طول الحزام. الكلاب تسعد بالسير على الكورنيش، تتحرك بسعادة و تتنفس ملء رئتيها، وتقفز بشقاوة وقت ارتطام موجة بالبلوكات تدفع بالمياه إلى أعلى. لكن في حالة مرور أحد بالقرب منهم، يشد صاحب الكلب الحزام... تحسبا لما قد يبديه الكلب من رغبة في التعرف عليهم أو اللعب معهم... و أحيانا لأن صاحب الكلب يرى من بعيد قلق شخص قادم نحوه... والغالب ما تكن فتيات من النموذج الأول.

و يمكنك بسهولة أن تعلم ما إذا كان هذا الشخص هو صاحب الكلب، أم شخصا يزاول هذه المهنة الاّخذة في الانتشار. فصاحب الكلب في الغالب يشارك كلبه هذه السعادة، و ترى أنه –وإن كان لا يفعل شيئا سوى السير بجوار كلبه– لكنه مستمتع بالوقت الذي يقضيه. و في الغالب يرتدي ملابس ملائمة لهذا النوع من اللعب، بنطلون قصير يبدو عليه أنه قديم، وتي شيرت من أي لون سوى الأبيض... كي لا تتسخ ملابسه من اللعب مع الكلب. أما من يزاول هذه المهنة، فترى أنه يبدو وكأنه يرتدي الملابس التي يرتديها في يومه العادي، وفي الغالب حذاء جلدي وقميص. وغير ذلك ترى أنه غير مستمتع وغير سعيد... وغير مرحب بهؤلاء الذين يودون اللعب مع الكلب. وعادة ما تكون مهنته الأساسية هي سائق سيارة صاحب الكلب.

الرياضيون في جليم وسبورتنج و لوران – من يحترفون الرياضة أو مخلصون للحفاظ على صحتهم... شباب ورجال و فتيات... لا ترى سيدات. منهم من يركبون عجل السباق والخوذة ويسرعون في المرور بجوارك، إما من على الرصيف أوعلى الإسفلت، ومنهم من يجرون على أقدامهم بسرعة، و المصطلح الدارج هو "Sprint" أومن يققون في مكان ما أوسع ربما من باقي الكورنيش كما في سبورتينج أو لوران أو جليم، يسخنون ويقفزون ويشدون عضلاتهم؛ إما في مجموعات كبيرة تزيد عن خمسة أفراد، وهنالك أيضا من يقفون ويفعلون ذلك بمفردهم.

ترى كبار السن في المنطقة خلف نافورة الدرافيل الثلاثة في جليم، يشدون ذراعاتهم و أكتافهم، أو يمارسون تمارين البطن. يرتدون ترينينجات ألوانها متناسقة، و يضع كل منهم كابا على رأسه لا ترى أحدا بدونه. ودائما ما تجد أحدهم شديد الألفة، وتسمعه يشجع من يجرون أمامه ذهابا وإيابا. أما في لوران، فترى عددا كبيرا من الشباب تحت العشرين يسخنون ويجرون في أماكنهم ويقفزون... وبعدها بقليل يبدأون ماتش كرة قدم على مناطق النجيلة أمام المقاعد الموجودة بجوار كافيتيريا "Coffee beans & Tea Leafs" التي تكون مغلقة في مثل هذا الوقت من الصباح. وفي سبورتج، ترى مجموعة من الشباب في أوائل العشرينات يقومون بالضغط أو بتمارين أخرى أكثر قسوة... وأخمن من حركات وملابس بعضهم أنهم قد يكونون راقصي "Hip Hop".

صانعو الشاى في ستانلي ولوران وميامي – وهم بالضرورة باقون منذ الليلة الماضية بنفس أماكنهم. على كوبري ستانلي، وخلف نافورة الدرافيل الثلاثة في جليم، و قرب نفق المشاة في جليم أيضا... ثم لا تراهم بعد ذلك سوى في لوران أو بعد ذلك. دائما ترى أن من يقف على "نصبة الشاي" شخصان يجلسان بالقرب من الأكواب والإبريق الموضوعين على أحد المقاعد تحت المظلات الإسمنية... يضعان أكوابا فارغة و"كانزات بيبسي" على المقاعد كنوع من أنواع فرض السيطرة، كأنهما يقولان أن هذا المقعد ملك لهما، و أن على من يريد الجلوس على المقعد أن يطلب أن يشرب شايا.. وهما في الغالب يتحدثان بصوت مرتفع لا يخلو من السباب أبدا.

النموذج الآخر من الحـَبِّـيـبة تراهم في سيدي بشر وكليوباترا وكامب شيزار – ويسهل التعرف عليه... في الغالب جالسون على تلك المقاعد العلوية التي يمكنك أن تصعد لها بسلم... وهي مقاعد قليلة على الكورنيش، وهي موضوعة بهذا المكان المرتفع لأن الغرف المبنية تحتها بنيت لتكون حمامات عامة. ومع الوقت أغلقت كحمامات، لكن الناس في الشارع استمروا في التبول على أبوابها باعتبارها مكانا مستورا عن العيون على الكورنيش هذا المكشوف. و تجد اثنين من هذه المقاعد في سيدي بشر، و اثنين في كليوباترا، و اثنين في كامب شيزار. والحـَبـِّيبـَة الذين تراهم هناك هم الحـَبـِّيـبـَة الساهرون في الشارع من الليلة السابقة وطلع عليهم النهار. إن كنت سائرا على الممشى الممهد القريب من البحر، فسترى بوضوح شاب بمظهر يوحي بالخطر وفتاة تضع الكثير من الماكياج وترتدي ألوانا عديدة سواء في ملابسها أو في ألوان طرحتها، وتجدهما غائبين في قبلات قوية لا يقلقهما المارة. أما إن كنت سائرا على الرصيف الخارجي العادي أومارا بالسيارة... فلن ترى شيئا.

في العموم أي مدينة ستراها مختلفة في الصباح الباكر. ليست الإسكندرية فقط؛ فالناس صباحا أكثر هدوءا وأقل عددا... لكن بوجود الكورنيش، ترى أن تلك المساحة المفتوحة من البحر والسماء تـُشعر كل هؤلاء بالراحة والسلام. وتفك عنهم حصار المدينة. حينما يتحدث أي محب للمدينة وهو ليس من أبنائها عن الإسكندرية وعن حبه للكورنيش قد يبدو الأمر موسيقيا وشاعريا... إلا أنه بالنسبة لنا... يقينا بأن المدينة مهما اختنقت وتغيرت وازدحمت، فهناك طرف منها مفتوح على الهواء الطلق، وهذا في حد ذاته يمنحنا الهدوء... حتى وإن لم نكن نعي ذلك.

#سارةسويدان

15 views