كيف هزم الحراك السياسي في شوارع الإسكندرية جغرافيتها


ثمة "مصادفة" تتعلق بالجغرافيا والتخطيط العمراني حددت الطريقة التي ستنتشر وتتواصل بها احتجاجات الإسكندرية مع بقية المدينة، بطرق أفضل تنسيقا -من وجهة نظري- عند مقارنتها بالفوضى في ميدان التحرير. كانت الأعمال السياسية في شوارع المدينة قد أعاقها لفترة طويلة غياب مساحة عامة كبيرة مثل ميدان التحرير لاستيعاب الجماهير. اختير (مسجد القائد إبراهيم) خلال ثورة 2011 كمركز جاذبية طبيعي. وتدريجيا هُجرت المساحات العامة البعيدة مثل (محطة مصر) و(المنشية) لصالح الجبهة الجديدة.

لكن المنطقة المحيطة بالقائد إبراهيم كان من الصعب اعتبارها كبيرة بشكل كافٍ، وأحبط هذا منظمي الاحتجاجات حتى أنهم –كبديل لذلك– بدأوا أساليب متعددة من المسيرات الاحتجاجية عبر المدينة، مظهرين مساحة متنامية من التعرض السياسي لمجتمعات شديدة الأهمية. هناك إحدى عشر ضاحية تصادف وأن صوتت بـ "لا" في الاستفتاء تعبرها هذه المسيرات قبل أن تصل إلى نقطة النهاية في (سيدي جابر). السياسات الحضرية للإسكندرية لديها ميزة بفضل كونها مرتبطة بشكل وثيق بتقاطع الناس والأفكار، الأمر الذي يمكن القول أنه أسرع في المدن الساحلية – عكس العاصمة– بسبب تكوينها الخطي الأشبه بالشبكة، والتكلفة المنخفضة للمواصلات، ويعني هذا أن تحريك الشارع يكون أكثر ملائمة وعملية منه في المدن الأخرى، وهو الملمح الذي يعمل جيدا لصالح الثوريين والإسلاميين على السواء.

إن الطبيعة الخطية للإسكندرية مكملة إلى حد ما للقوى الاجتماعية/ الثقافية للمدينة. يبدو أن المسيرات الاحتجاجية الطويلة تطلق العنان لإبداع وزخم تدعمهما الأناشيد والقصائد المتعددة في المسيرة. مثلا عند الانطلاق على مراحل من (القائد إبراهيم) يمرون على (مكتبة الإسكندرية) حيث يلقي قادة الاحتجاجات خطبا عن تعليم البلاد. فيما بعد عندما تمر المجموعات بجوار كنيسة فإنهم ينشدون في انسجام تام "مسلم.. مسيحي.. إيد واحده". ولدى وصولهم إلى (كليوباترا حمامات) تشير الهتافات إلى "كلنا خالد سعيد" مُذكِّرة المتظاهرين لماذا بدأت الثورة، ولماذا هي في حاجة إلى أن تستمر. وبعد قليل من الوقت يصلون إلى المقر السكندري للقوات المسلحة (المنطقة الشمالية) وما بدأ على أساس روحي، مرورا بإحدى عشر ضاحية، ينتهي عند حراس بوابات الوطن. تُوِّلد نقطة النهاية تراكما هائلا من المتظاهرين، يتواصل جميعهم وينسقون عن طريق الهواتف المحمولة و(تويتر) في سياق هذه العملية يتم التقاط الآلاف من الصور ولقطات الفيديو ليس فقط من المتظاهرين، ولكن من المتفرجين في الشوارع والشرفات، عدد هائل يتم تحميله بعد ذلك ورفعه إلى الفضاء الإليكتروني.

ما يُقوِّي طريقة العمل الثورية للإسكندرية هو قربها الوثيق من ساحات المعارك الأساسية المتشابكة. يعزز هذا كليات جامعة الإسكندرية: الآداب، والحقوق، والتجارة التي توفر حيوية السياسات الطلابية –في الوقت الذي تبدو فيه ضعيفة تنظيميا لكنها تمد قضاياهم الخاصة بأعداد كبيرة– للثورة الممتدة. فآلاف الطلبة الساخطين –الذين ينقلبون من متفرجين سياسيين إلى نشطاء أشداء– يعززون إبداع وزخم النشاط السياسي في الشارع المتخطي لعتبة عدم التنظيم، والتي تناور ما بين ساحات الحرم الجامعي والمكتبة والمسجد.

يبدو أن مثل هذا الحراك يصهر السياسات الشبابية والسياسات الدينية مع توجيه فكري إبداعي يقوم بتنشيط الشارع ويعمل كمحفز –في أغلب الأحيان– ضد أشكال الاحتجاج العنيفة. باستثناء دور العبادة، يهيمن على تلك المنطقة السكندريون في المؤسسات، والموجودون بشكل بارز في مشهد الشارع الذين يُعرِّفون أنفسهم كمدنيين، وليبراليين، واشتراكيين. هذه هي أكثر منطقة استراتيجية في المدينة لسبب أساسي: يأتي العدد الأعلى من الروايات التي تغذيها وسائل الإعلام من تلك المنطقة. لذلك فإن هذه هي المنطقة التي تتواصل فيها بقية مصر مع الإسكندرية وتلتقط إشاراتها منها.

ترجمة : عبدالرحيم يوسف

#عمروعلي #عبدالرحيميوسف

13 views