مفردات من قاموس تدمير المدينة


تأشيرة السيد المحافظ:

هي توقيع صغير الحجم، كبير التأثير (والثمن؟!)، بيد السيد المحافظ، رأس السلطة التنفيذية في المدينة وحاكمها المحلي، يقوم بموجبه باستثناء منشآت وعقارات بعينها من الالتزام بالقانون (الذي أقسم على الحفاظ عليه) ومن التقيد باشتراطات البناء المقررة في محافظته (والتي وضعتها وأقرتها الأجهزة التخطيطية بمحافظته، بموافقته)، خاصة فيما يتعلق بالارتفاع الأقصى ونسبة البناء المسموح بهما.

يعلق الكاتب يوسف زيدان على أحد أهم أمثلة هذه الظاهرة الفريدة في مقال له نشر في جريدة «المصري اليوم» (١٨/ ٧/ ٢٠١٢)، جاء فيه:

ثم كانت الفاجعة الكبرى فى هذا السياق، عندما استطاعت إحدى شركات المقاولات الكبرى الشهيرة الحصول على تصريح ببناء (مجمع فندقى تجارى وسكنى) وكانوا يملأون المنطقة أثناء إقامته بلافتاتٍ داعرةٍ مكتوبٍ عليها: سان ستيفانو مشروع صديق للبيئة.. والتهم هذا المشروعُ، صديق البيئة، الحدائقَ الواسعة التى كانت تحيط بالفندق القديم المكوَّن من طابقين، فقط، وكانت متنفَّساً لمنطقةٍ سكنيةٍ واسعةٍ تحيط بالفندق القديم ذى الطراز الإنجليزى. وعلى المساحة الهائلة، قام مبنى مهولٌ هو المعروف اليوم بفندق «فورسيزون» ومول «سان ستيفانو» وهو مبنى فاحش الفخامة، قميء العمارة، أسميته سابقاً فى مقالةٍ عنوانها (الوحش) نُشرت لى بجريدة الوفد قبل عدة سنوات.

الكاحول:

الكاحول (أوالكَحول، الجمع: كواحيل!) هو مصطلح سكندري يشير إلى الشخص الذي يوافق على استخدام اسمه في المستندات والأوراق الرسمية مثل عقود الملكية وشهادات الصلاحية وطلبات التراخيص لأعمال البناء المختلفة، كواجهة زائفة يتستر خلفها شخص أو أشخاص آخرون يقومون بمخالفات هدم و/أو بناء، وذلك مقابل مبلغ من المال. من ناحيته يوقع الكاحول على عقود أخرى صورية أو عرفية تضمن للمالك الحقيقي الاحتفاظ بممتلكاته في آخر الأمر (يطلق عليها "ورقة الضد"). بعد اكتشاف المخالفات (ان تم كشفها) قد يحاكم الكاحول ويسجن أو قد يقضي عمره هاربا من السلطات أو قد يمر كل شيء في سلام بعد تقديم الرشوة المناسبة للجهات المختصة، في الوقت الذي يستمر فيه عرض وحدات العقارات المخالفة للبيع بشكل شبه طبيعي ليجني المخالفون الفعليون أرباحا طائلة بعيدا عن طائلة القانون.

ظاهرة الكاحول لا تقتصر على البناء فقط بل هي حيلة موجودة في كل مجال يمكن أن تدر فيه المخالفات أرباحا كبيرة، مثل قطاع التموين أو الوقود أو غيرهما. وهي تكشف عن حجم الظلم الاجتماعي والانسحاق الإنساني الذي يدفع البعض إلى إعلان مسؤوليتهم وتقبل إدانتهم عن جرائم ستصل بهم إلى السجن مقابل المال. غير أن هذا الاستعداد لتقبل الإدانة هنا يدل أيضا على نظرة المجتمع بشكل عام لمفهوم المخالفات البنائية تحديدا، فهو يعتبرها نوعا من التحدي لقوانين واشتراطات أغلبها - في رأيه - متعسف والخروج عليها لن يلحق الأذي بالشرف مثل غيرها من الجرائم. هذه النظرة المجتمعية المتسامحة مع المخالفات البنائية أدت إلى استخفاف السلطات التنفيذية بالمشكلة وإلى تراخيها في تنفيذ الأحكام والقرارات المتعلقة بها، مما أسفر في آخر الأمر عن تفاقم أزمة المخالفات بشكل ربما أصبح مستعصيا على الحل.

الكل يعرف بالطبع مَن هو مالك العقار ومن هو الكاحول، فلماذا إذن تستمر هذه المسرحية؟ ستستمر طالما استمر المناخ الذي تنتصر فيه الحيل القانونية والفساد الإداري على القانون والعدالة. بإسلوبه الساخر، كتب الراحل جلال عامر في إحدى مقالاته عن الكاحول في الحياة والسياسة:

... فكرتنى بالحاج «سعيد» الله يرحمه، خال «التيحى» من أم تانية، كان طول النهار قاعد على ناصية الشارع يسلم على المارة (السلامو عليكو عليكم السلام.. السلامو عليكو عليكم السلام) حتى رشحناه لجائزة «نوبل» فى السلام، وكان كلما حضر الضابط وسأل (عربية مين اللى واقفه فى الممنوع؟) يرد الحاج سعيد (عربيتى)، (شقة مين المخالفة؟) (شقتى)، (الممنوعات دى بتاعة مين؟) (بتاعتى) فيسأله الضابط (هيه كل حاجة هنا بتاعتك؟)، فيرد الحاج سعيد (أصل أنا يا باشا «كاحول» الحارة)، فيهنئه الضابط ويسلم عليه ويقول له (أنت من «الكواحيل» يا سعيد).

#محمدعادلدسوقي