مينا البصل ... كفرعشري


"وقبل أن يصل الترام إلى الترعة مباشرة، نجد -يمينا- بورصة القطن بمينا البصل، وزيارتها شيقة، ولكن من الضروري التعريف بها، فهذه البوررصة تقع أمام ساحة رائعة في وسطها نافورة، وفيها تعرض بعض العينات، حيث تم تخصيص كل ما حولها لهذه الصناعة الرئيسية بالإسكندرية، مخازن القطن، وآلات خشبية رائعة لتنظيفه وضغطه في بالات، وفي الموسم تكون الشوارع المجاورة زلقة من جراء الزغب المشحم.

ونعبر الآن ترعة المحمودية، ومازالت ضفـَّتاها تحتفظان بأحجارهما وبانحدارهما الأصلي، وهي تذكرنا بمشروع محمد علي التجاري. والسير علي الضفتين جذاب علي الرغم من القذارة، ويمكن له أن ينتهي عند مقابر كوم الشقافة. وتنعطف الترعة يمينا إلي الميناء الغربي .( هذا ما كتبه فورستر في رحلته من الميدان إلي الأحياء الجنوبية ، في الفصل الثالث من كتابه الشهير "الإسكندرية تاريخ ودليل" الذي صدر عام 1922م في الإسكندرية )

مينا البصل

إذا كنت قادما من ميدان الشهداء بالمنشية عبر شارع شريف (الخديوي سابقا)، متجها إلي غرب المدينة، تجد ذلك النسيج العمراني المميز علي جانبي هذا الشارع العتيق؛ فترى تجانسا بديعا بين الكتل السكنية ذات الطراز القديم، المباني الخدمية ذات الطابع الفريد، والمباني الصناعية ذات العبق الوردي. أما إذا كنت قادما من ميدان النصر عبر شارع الباب الأخضر، ستري تلك المباني السكنية القديمة ذات المحال التجارية الجميلة، يتخللها بعض المشاهد للميناء الغربية من نهايات بعض الشوارع الجانبية، وعندما يتقاطع الشارع متجها إلي اليسار، تنفتح أمامك الصورة علي المباني الصناعية القديمة - شركات كبس القطن تحديدا - إلي أن ينتهي الشارع ويكتمل المشهد بمبنى بورصة مينا البصل العتيق. وإذا كنت قادما من منطقة المكس متجها إلي وسط المدينة، ستعبر ذلك الكوبري القديم - كوبري التاريخ - فتري ترعة المحمودية متدرجة من اليمين حيث كفر عشري، حتى اليسار حيث الميناء الغربية. إنها منطقة مينا البصل بغرب الإسكندرية، وحدها من تملك كل هذه الدلالات التاريخية، المفردات المعمارية والبيئة العمرانية المتكاملة.

بنيت منطقة مينا البصل حوالي 1810م، يرجح سبب تسميتها إلي طبيعة عملها حيث تصدير الحبوب والبقول والخضروات وأشهرها البصل. في ظل اهتمام محمد علي بالإسكندرية، نالت مينا البصل اهتماما خاصا، حيث أريد لها أن تكون المنطقة الصناعية الأولي بالمدينة؛ فأمر محمد علي بحفر مجرى ملاحي نيلي يمتد بطول المدينة ليربطها ببعضها البعض، والذي اكتمل في 1820م، وأصبح ترعة المحمودية؛ شريان التجارة الذي يربط المدينة بباقي محافظات مصر. أيضا تم ربط الإسكندرية بالسويس عن طريق خط السكة الحديد الذي تم الانتهاء منه في 1858م. ومشروع الترسانة البحرية الذي تم إتمامه في 1831م حيث كان دارا كبري لصناعة السفن. كما كان لإنشاء بورصة مينا البصل في 1872م عظيم الأثر في ازدهار تجارة القطن في المنطقة حيث كانت ثاني بورصة في المدينة بعد بورصة العقود، وتخصصت في بيع القطن تحديدا بالإضافة إلى باقي المحاصيل، وكانت تحتل موقعا متميزا عند مصب الترعة بالقرب من شون القطن - التي وزعها محمد علي في أماكن مختلفة من محافظات مصر بالقرب من مجري النيل والترع- لتسهيل حركة التجارة ، بالإضافة إلي الميناء الغربي(ميناء البصل) الذي كان الميناء البحري الوحيد آنذاك، وكان من أهم عوامل ازدهار منطقة ميناء البصل لتصبح منطقة صناعية كبري تطل علي ساحل المدينة.

كفر عشري

علي بعد أمتار من الميناء الغربي، وقبل أن تصب ترعة المحمودية عند الهاويس وتلتحم مع الميناء الغربي، تنحني يمينا ثم يسارا لتحتضن ذلك المكان القديم في حميمية بالغة. إنه كفر عشري، ذلك الحي الذي تكون في منتصف القرن التاسع عشر؛ ليصبح مكانا لشون القطن التي تراصت علي أطرافه مطلة علي الترعة، بالإضافة إلى بعض المباني السكنية التي بنيت بطريقة غير رسمية، والتي يرجح أنها كانت مساكن للعمال. ومع نهاية القرن التاسع عشر، وازدهار منطقة مينا البصل، زادت الرقعة السكنية تدريجيا إلي أن أصبح كفر عشري مكانا مأهولا بالسكان والمباني السكنية غير الرسمية.

يرجح سبب تسمية كفر عشري إلي ارتباط كلمة (الكفر) بأماكن كثيرة في شتى محافظات مصر؛ فهي كلمة مألوفة تعني القرية الصغيرة، تطلق علي الأحياء السكنية، وتحديدا ذات الكثافة السكانية المنخفضة نسبيا. بينما الطابع العام للمكان الذي ارتبطت به هذه الكلمة غير متشابه وربما يعكس بعض المفارقات أحيانا. فعلي سبيل المثال، كفر عشري التابع لحي غرب بالإسكندرية، الطابع العام له تسيطر عليه ملامح الفقر والتدهور؛ فنري بنايات سكنية، أغلبها عمارات متعددة الطوابق ومتوسطة الارتفاع، تسكنها الطبقات الفقيرة، تم بناؤها بطريقة غير رسمية، متراصة بشكل عشوائي، وتفتقر لمعايير التصميم السليمة بغض النظر عن النواحي الجمالية. بينما كفرعبده التابع لحي شرق بالإسكندرية، يعتبر أرقى أحياء المدينة. فهو سكن الطبقات الغنية في المجتمع، تكثر به الفيلات والقصور، به العديد من القنصليات، الشركات الأجنبية والبنوك، كما يتسم النسيج العمراني له بالتخطيط الجيد بغض النظر عن بعض التعديات العمرانية.

الأهمية التاريخية

منطقة مينا البصل لها قيمة تاريخية مهمة شأنها في ذلك شأن معظم مناطق/أحياء تلك المدينة القديمة. كما أن منطقة مينا البصل لها مكانة خاصة من حيث القيمة التاريخية، لما لها من شأن خاص متعلق بطبيعتها كمنطقة صناعية كبرى على ساحل المدينة. وقد تم إعداد مجلد الحفاظ على المباني التراثية لمحافظة الإسكندرية عن طريق أحد المكاتب المتخصصة في حصر المباني والمناطق التراثية - "مركز الحفاظ على تراث الإسكندرية" بالتعاون مع المحافظة، وتم تشكيل لجنة من أجل توثيق القيمة التاريخية للمدينة، والحفاظ عليها عن طريق إصدار التشريعات اللازمة لضمان استدامة ذلك. وقد تم توثيق مناطق الحفاظ في منطقة مينا البصل لتشمل؛ ترعة المحمودية، منطقة الهناجر - منطقة ذات طابع عمراني متميز ونسيج عمراني يمثل أحد مراحل النمو العمراني- وكوبري التاريخ. بينما تم توثيق مباني الحفاظ وترقيمها بأكواد لتسهيل عملية الحصر، فشملت؛ منزل عبدالله النديم (8006) - مبنى مرتبط بشخصية تاريخية - وبورصة مينا البصل (535) - مبنى يمثل حقبة تاريخية- كما انتهت اللجنة بوضع الاشتراطات الخاصة لكل منطقة، فكانت الاشتراطات الخاصة بمنطقة ميناء البصل والشون؛ الاحتفاظ بالشون والمخازن التي تحتويها قوائم الحصر دون المساس بالطابع العام للمنطقة. بالإضافة إلى توظيف المنشآت القائمة في الأنشطة المرتبطة بالميناء والتجارة والنواحي السياحية. وبالنسبة لمنطقة ترعة المحمودية، اشترطت اللجنة الحفاظ علي المجري المائي والمسطحات الخضراء حوله. بالإضافة إلى اعتبار حرم للمجري المائي بواقع 25م على جانبي محور المجرى المائي، وعدم البناء داخل هذا الحرم، وتفريغه من أية مباني موجودة حاليا.

عوامل / أسباب تدهور منطقة مينا البصل

المباني الصناعية في المناطق الحضرية من المدن، قلما تحظي بالاهتمام. وبحلول أوائل التسعينات، اتبعت الحكومة المصرية سياسية جديدة نحو التحرر الاقتصادي. فتقلصت مساحات المناطق المزروعة بالقطن تحديدا وباقي المحاصيل عموما، مما أدى إلي تدهور حركة التجارة في منطقة مينا البصل بشكل خاص،وتأثر النمو الاقتصادي في المدينة بشكل عام. ومنذ ذلك الحين، ازداد التدهور تدريجيا إلي أن أصبحت منطقة مينا البصل مهددة بظاهرة الاستطباق -إحلال الطبقة المجتمعية في تلك المنطقة بطبقة أرقى منها لعدم قدرتهم علي تحمل تكاليف المعيشة بعد ما طرأ علي المنطقة من تغيير.

الجوانب الإشكالية والإيجابية

المدينة بوجه عام تتعرض منذ فترة لحالة من غزو التعديات العمرانية علي معظم الأحياء. وزادت هذه التعديات في الآونة الأخيرة -بعد الثورة تحديدا- في ظل غياب دور الدولة. منطقة مينا البصل -حتى الآن- لم تمتد إليها يد المستثمرين، فلم يحدث تعديات إلا القليل في كفر عشري. لذا فمن المهم أن ينصب الاهتمام الآن علي تلك المنطقة ذات الامكانات الجيدة، قبل فوات الأوان. كما يجب أن نتطرق إلي جوانبها الإشكالية والإيجابية حتى نخلص بطرق أكثر استيعابا للمشكلات وسبل أفضل في إيجاد الحلول وضمان استدامتها.

عن الجوانب الإشكالية والإيجابية؛ ترعة المحمودية رغم أنها تعاني من العديد من المشاكل مثل: القمامة، انخفاض مستوى المياه وعدم توفر أماكن عبور كافية للمشاه ، إلا أنها في بعض الأماكن حالتها جيدة. حرم الترعة يمتاز بعروض جيدة، يتخلله بعض الأشجار وأماكن جلوس المشاه إلا أنه يفتقر للنظافة والصيانة. وجود دوكات/أماكن نزول للمشاه إلي ممشي الترعة تحتاج إلي بعض التحسينات.

السكة الحديد تحول عائق أمام مستقبل المنطقة؛ فلا هي مستغلة في مشاريع تنفع المجتمع -مثل حاجة أهالي كفر عشري لمشروع إسكان رسمي كما وصفت الحكومة- رغم احتلالها مساحات كبيرة، ولا يتم استغلال معداتها القديمة من عربات نقل لم تعد مستخدمة.

ميناء البصل، ذلك الميناء الغربي الذي كان الميناء الوحيد في المدينة وقتما كانت مينا البصل منطقة صناعية كبري، لم يعد يعمل بكامل طاقاته رغم فرص تطويره إذا توفر مخطط جيد. به العديد من الحاويات الفارغة غير الصالحة للنقل، والتي يمكن إعادة استخدامها.

العديد من مكابس مصانع وشون القطن تحتل مكان حيوي عند مطلات الترعة، ولكنها تركت مهجورة غير مستخدمة. ملكية معظمها للبنوك دون الاستثمار الفعلي ومهددة بخطر الهدم رغم قيمتها التاريخية وطابعها المعماري. معظم الشون تمتاز ببحور/ مساحات جيدة، كما أن عروض الشوارع المؤدية لها تعتبر كبيرة نسبيا - حيث أنها كانت مخططة بشكل جيد يسهل دخول عربات نقل الحاويات إليها - ويمكن إعادة استخدامها وتوظيفها بأنشطة مختلفة تنعش المنطقة وتخدم أهلها.

المباني السكنية بكفر عشري تواجه خطر الزحف العمراني، كما أنها لم تعد قادرة علي استيعاب الزيادة السكانية للمنطقة مع الأخذ في الاعتبار أن النسيج الحضري لم يعد به فراغات لاستيعاب مباني جديدة. إلا أنها تمتاز بارتفاعات متوسطة نسبيا، تعتبر مساكن اقتصادية تلبي حاجات الطبقة الاجتماعية الفقيرة، كما أنها محاطة بالشون مما يصنع حالة من الخصوصية مناسبة للمباني السكنية.

الأماكن المفتوحة قليلة جدا، حالتها سيئة، لم تسلم من التعديات لا من عربات نقل الحاويات التي تقف أمامها، ولا من الباعة الذين يحتلون المكان. إلا أنها مع القليل من الصيانة، بعض الضوابط وزرع عوامل جذب يمكنها من تلبية حاجات المجتمع وخدمته.

البنية التحتية متدهورة نسبيا خاصة في حالة المباني السكنية التي تعاني من مشاكل في الصرف الصحي، إلا أنها يمكن تطويرها وتحسينها بسهولة خاصة في حالة الشون والمباني الصناعية التي تمتاز ببنية تحتية جيدة.

المنطقة كانت ولاتزال بها شبكة مواصلات مصممة جيدا، وتشمل تنوع في أنواع المركبات وسبل النقل، إلا أنها تعاني من بعض المشاكل مثل نقط التقاطع المعقدة بين خطوط الترام وطرق المركبات، والتي يمكن حلها بطرق بسيطة فقط إذا توفرت الإرادة السياسية والمخطط الجيد.

المخططات المستقبلية لمينا البصل

الرؤي المستقبلية لتلك المنطقة الحيوية تأخذ أنماطا مختلفة، فبعضها توجهات رسمية من هيئات حكومية، والبعض الآخر أطروحات تنموية من المنظمات غير الحكومية أواجتهادات فردية. إلا أن هذه الأطروحات/ المقترحات الحكومية منها وغير الحكومية -رغم جدية الطرح- إلا أنها لاتخلو من العبث وغياب المشاركة المجتمعية.

فعلي سبيل المثال للتوجهات الرسمية/الحكومية؛ مخطط الإسكندرية 2017 والذي يفتقر للحلول البديهية لمشاكل المنطقة والمدينة ككل، حيث كانت رؤية الحكومة لحي غرب: "مناطق سكنية قديمة سيئة تحتاج إلي إحلال وربط بمحاور حركة وتنمية" وعليه كان التوجه التصميمي في المخطط لمنطقة مينا البصل بأن تتم إزالة المباني السكنية والصناعية علي حد سواء وإحلال " سكن فخم" بدلا منها، بالإضافة إلي منتجعات/ فنادق سياحية بالقرب من الميناء، مما يعكس غياب تام لمعرفة الدولة بمشاكل المدينة الحقيقية.

أما بالنسبة لتوجهات المنظمات غير الحكومية والمقترحات غير الرسمية؛ فربما نجحت ورش العمل والنقاشات المجتمعية في التعرف علي مشاكل المنطقة الحقيقية ،واحتياجات الناس الضرورية، إلا أنها مازال ينقصها المشاركة المجتمعية في صياغة الحلول الفعالة، المرنة ،والأكثر قدرة علي الاستدامة.

رأي

أرى أن منطقة مينا البصل في حاجة ماسة إلي الاهتمام من المجتمع المدني لا بهدف التطوير -الذي لا يمكن أن يقتصر علي الجهود الفردية، بل يتطلب إرادة سياسية في نهاية المطاف- بل بهدف التحفييز وتوعية المجتمع بالأهمية التاريخية لتلك المنطقة ولفت الانتباه للفرص الممكنة، والتي من شأنها أن تكسر الجمود وتنعش هذه المنطقة وتغيرها رأسا علي عقب. كما يجب التنويه بأهمية اتباع النهج الاستباقي في التدخل السريع للبحث عن حلول لمشاكل هذه المنطقة -وهي ما زالت تحت التطوير/ فرصها أفضل في التطوير- بدلا من التدخل المتأخر الذي لا يؤثر بشكل فعال ولا يملك سوى أن يكون مجرد رد فعل. كذلك لا يمكن أن نغفل أهمية المشاركة المجتمعية في صنع القرار، فلا يمكن أن ندعي تقديم حلول لخدمة الناس دون الأخذ بالاعتبار آراء الناس ومقترحاتهم في تطوير مجتمعاتهم.

#محمدنبيل