الروح الحزينة لمدينتك


فوتوغرافيا/ياسمين حسين

بعد سهرة مع الأصدقاء عدت إلى البيت، أسترجع في هدأة تفاصيل حوار دار بعد منتصف الليل، ونحن نمشي في شوارعها المظلمة الخاوية، حوار بدأته بسؤال: هل تعرفون أكثر ما يؤلمني في الإسكندرية؟ وأردفت: أكثر ما يؤلمني هو الروح الحزينة لهذه المدينة. وانخرطنا نبحث عن ملامح هذه الروح وأسباب حزنها، تدرج الحوار من الماديات إلى المجردات، ومع كل إجابة مفترضة، يولد سيل من الدحض والإنكار، في جدل كانت لانهائيته سببا لعودتي إلى الموضوع وقت اختلائي بنفسي، الروح الحزينة لمدينتك... وقع الكلمة على النفس قادني -عبر تداع حر– إلى ما ساقته الأكاديمية السويدية من حيثيات صاحبت الإعلان بفوز أورهان باموق بجائزة نوبل، قالت إنه –عبر فنه الروائي–أبدع في التعبير عن الروح الحزينة لمدينته، ومن الفور استعدت ذلك الإحساس الغامر الذي ملأني أثناء قراءة مقاطع من القلعة البيضاء، في استنبول القديمة يخرج الغريمان إلى الشوارع الباردة المظلمة الموحلة؛ ليزورا بيوت العاهرات المبالغات في تبرجهن ونظافتهن الجسدية. ومقطع وصفي من رواية الحياة الجديدة لحي سكني راق في استنبول الحديثة، بعد حلول الظلام، يسود الهدوء، لا تعدم عيناك مشهد شرفة نصف مفتوحة، تسمح لنسمة من البوسفور تحريك الستارة الحريرية عن مشهد لأسرة تجمعت في الصالة حول جهاز التلفاز، وقوة إضاءة تثير في النفس تلك البهجة المنزلية! التضاد في مقطع القلعة البيضاء، ومقطع العين المتأملة لمشهد ليلي في الحياة الجديدة يقبضان على الروح الحزينة لمدينة الكاتب، ويأسران القارئ أكثر مما صنعه كتاب كامل وضعه المؤلف عن المدينة ( استنبول المدينة.... حكايات وذكريات) وهذا سر يخص طاقة الأدب وحدها.

في حوار الأصدقاء إجماع على فرضية: أليس لكل مدينة روح حزينة؟ الإشكالية ليست في الإثبات أو النفي، بل في شروط القبض على تلك الروح، ووسيلة ذلك. عند هذه النقطة كان بودلير حاضرا، بكل ما أثقل عليه من سوداوية مدينته، لم يكن شاعرا عظيما فقط بل قوة مشروعه في كونه ابنا استثناءيا لعصره، له من نفاذ البصيرة ما يوقفه على طبيعة ذلك العصر؛ ليرصد برهافة ما يطرأ من تحول، فتوسع المدينة لا يعني ضم الأرياف المحيطة، وزيادة ملفتة في عدد الشوارع الجديدة، بل ثمة حراك فكري، كلما ضجت به الروح الفردية، انطلقت في الشوارع والطرقات ترصد –بلا أي أحكام مسبقة– السامي والمبتذل على حد سواء موسعة آفاق الغنائية، وخاطة لتيار يحفظ للروح الإنسانية كرامتها.. الحداثة التي –على حد قوله– تعصمنا من أن نكون عبيد الزمن البائسين. هكذا عكف بودلير على الروح الحزينة لمدينته مشاءً يرصد ويتأمل بروح وفكر طليقين، فيعي حقيقة الوجود الماضي في طريقه عبر عمليتي الهدم والبناء، بودلير الذي جمع بداخله شتى التناقضات ظلمه اللاحقون حين قصروا مشروعه على البحث عن المقيم فيما وراء العابر غاضين الطرف عن عظمة الروح التي تتبع حراك المدينة عبر جدلية التفاعل بين العابر والمقيم على اختلاف وجوههما والتباسهما... هل كانت الروح الحزينة لمدينة بودلير في الاندياح القسري لمناطق النبلاء وابتلاعها الأرياف المحيطة عبر إجراءات عمرانية وإنشاء شوارع خصيصا لتكون اللُحمة بين الطرفين، في ذات اللحظةالتي كان فيها ماركس عاكفا على بناء مشروعه الفكري لبنة لبنة ( صدر رأس المال يليه البيان الشيوعي بعد أعوام قليلة على وفاة بودلير!)

لكن ماذا عن مدينتي؟ أين تكمن روحها الحزينة؟ هل في نشأتها كفكرة في رأس مغامر مغترب جر عليه طموحه من البؤس أكثر ما منحه من السعادة؟ هل في الجزء العدمي من بنيتها، العدم المطلق الذي يتهدد كل الموجودات، والعدم الخاصإذ قام معظم المدينة على ردم جزء من البحر بين اليابسة وجزيرة قريبة... هذه الأرض التي وُجدت فجأة، وتطلبت بشرا، هل عمَّرها متقاعدون عُينوا في فتوتهم مقاتلين مرغمين؟ هل عمَّرها هاربون تركوا قسرا مدنا أحبوها بعد أن عرفوا سبيلا للتوافق مع روحها الحزينة؟ هل نُفخت الروح الحزينة في مدينتي برحيل الأوروبيين عنها، أم بنظام التفرقة الذي استقر عقودا بينهم وبين المصريين؟ هل تكمن في الفساد الإداري الذي بارك تمددها العشوائي ومحو تراثها المعماري؟ أم تكمن في الوسط الجغرافي المحيط، حيث الشمال بحر يمنعها التواصل مع آخر اكتوت قديما بنيران استعماريته، وأحبت حديثا ما يرسيه عقلاؤه من قيم الاختلاف ورحابة المفهوم الإنساني، وتحدها من الغرب والجنوب الغربي صحراء تصدت لها المدينة بسلاح التجاهل؛ حتى لا تفقد نفسها في مجاهلها! ومن الشرق والجنوب الشرقي حزام زراعي تتعالى عليه وتجافيه إذ طالما شكل ممر هجرة الجنوبيين وأبناء القرى إليها مدججين بإله واحد وفكر واحد ورأي واحد كل ما عداه باطل؟ ما العابر وما المقيم فيما سبق؟ وهل الروح الحزينة في جميع ما سبق؟ أم هي في مكان آخر؟

حدث أن أقمت أسبوعين في مدينة على المتوسط بالجنوب الفرنسي، اسمها سيت، كل ما فيها جميل، بحر في الجنوب، يقابله جبل في الشمال، مرفأ، خلجان، قنوات تشق المدينة، وحزام زراعي رائع عند أطرافها، يقطنها الكثير من المغاربة المرحب بهم من قبل أهل المدينة، ثمة مهرجان شعري والأجواء احتفالية صاخبة على الدوام. شاءت الظروف أن أمكث يومين بعد انتهاء المهرجان، فباغتتني كآبة غامرة، من النوع الزاج بالمرء إلى مرارة البكاء. فسألت فرنسيا من أبناء المدينة، فأجابني بأسى محكوم: مدينتنا حزينة، ونحاول التغلب على حزنها بتنظيم المهرجانات، قبل مهرجان الشعر كان هناك مهرجان للمسرح، والأسبوع القادم مهرجان للموسيقى، صديقتنا التونسية المقيمة هناك كانت حاضرة الحوار وعلقت بلهجتها التونسية المميزة وبصوت غلبه النكد: يااه يا خوي... قدر جمالها.. قدر حزنها.

#منتصرعبدالموجود #ياسمينحسين #ذاكرة