التنزه في حدائق رمادية


في صباحات الإسكندرية، هويت السير بمحاذاة المتنزهات المطلة على شارع أبي قير حيث يمتد الشريط الأخضر العريض الموسوم بربوة رحبة متحدرة؛ ليسكن في النهاية ناصية شارع فؤاد حيث متنزه الشلالات الهائل، وصار شارع أبوقير بمثابة ضاحية للبساتين. وليس محض مصادفة أن تتناثر الحدائق في الإسكندرية. لكن انتشارها ظل مشروطًا بغايات ترويحية وصحية.

حديقة الاسبتاليا

دائما تحوطني طمأنينة وسكينة غامرة حينما أهبط حديقة الاسبتاليا (هكذا يرددها البسطاء من الناس) المسكونة بسكون يخيم على أنحائها. الحديقة أشبه بدائرة كبيرة يحاصرها سور حديدي، تطل على شارع أبي قير الصاخب بالعربات والناس، مداخلها ذات أعمدة أسمنتية ضخمة تماثل هيئة أعمدة مصر القديمة، غير أنها تتسم بعمارة فقيرة في آن. أعبر الحديقة عبر سلالم محطمة، بأنحاء الحديقة أشجار شامخة، تناثرت على عشب ذابل، تحوطها مقاعد خشبية خضراء، حديقة غابت عنها العصافير وسكنها نعيق الغربان التي تحلق من شجرة لأخرى، وطائر الهدهد الذي يعبر عن خفته ورشاقته عندما يحط على العشب.

خلفها، تطل على الحديقة المستشفى اليوناني "كوتسكا" سابقًا (الآن مستشفى جمال عبد الناصر)، واجهة المستشفى شاحبة الطلاء، رغم تفرد طرازها المعماري. الأفنية والممرات يشغلها مرضى يمضون في بطء، دائما يمزق سكون المستشفى صرخات وأنات تهشم نوافذ بعض الحجرات معلنة موت مريض. كثيرا، يحتل المقاعد الخشبية العجائز من الرجال والنساء في استراحة وجيزة، ومن ينتظر موعد الفحص الطبي، يتجاذبون البوح وأطراف الحديث، في ساحتها يضطجع وفد من سفر طويل. ويكدح البستاني، ويتلصص عابرو السبيل وراء السور، يزورها بعد مغيب الشمس عائلات من الأنحاء المجاورة، يستروحون نسائم الحديقة حتى مقبل الليل.

يتحلق بميدان الحديقة زوار المرضى، وباعة العصائر والفاكهة. يجاور الحديقة مسجد المواساة العتيق والذي تميز محيطه بعربات "تحت الطلب" لحمل الموتى إلى مقابر المنارة المقابلة لمقابر الكومنولث لقتلى الحرب العالمية، والتي تقع على مقربة من حديقة الاسبتاليا.

حديقة مختار

اتسمت حديقة المثَّال محمودمختار بتفرُّد خاص، حيث تلاصق الحي اللاتيني بالأزاريطة وحدائق الشلالات أيضا، وإطلالتها على مقابر اليهود الفقيرة من ناحية، وشارع السلطان حسين من ناحية أخرى.

الحديقة مستطيلة التخطيط على نمط الحدائق الفرنسية، ذات سور معدني خفيض وممرات واسعة تكسوها قطع البلاط العريض، وبأطرافها تتناثر مقاعد رخامية واطئة، وبعض جرار رخامية قديمة، يتوسط الحديقة أحواض العشب والزهور، وتمثال المثَّال محمود مختار (1891 – 1934) "كاتمة الأسرار" والذي صار شاحبًا مهملا حيث أغفلته العناية، مُدوَّن على قاعدة التمثال "نحت المثَّال مختار في العام 1926" وفي ناحية أخرى "العدل أساس المُلك" إشارة لتمثال نوبار باشا الأرمني الذي اعتلى تلك القاعدة سابقا. يجاورها المستشفى الأميري. الحديقة هادئة وساكنة دومًا، أشبه باستراحة للروح أو تماثل كائنا يبعث النشوة والوداعة. صهريج النبيه الأثري بأحد أطرافها، وقبالتها مقام العارف بالله سيدي مفرح، وعلى مقربة من جمعية بطليموس الأول رجال العلم اليونانيين بالإسكندرية، ومجاورا لعمود أثري من زمن البطالمة أقيم تذكارا لاستراجاع الخرطوم سبتمبر 1899.

تمتعت الحديقة بنضارة وثراء عامر، أشجار ضخمة هائلة وعتيقة، كثيفة أوراقها، فتبدو أشبه بمظلة خضراء أكثر رحابة واتساعا، وتتوارى أغصانها، وتبدو جذوعها أشبه بأعناق ضخمة قصيرة مكتظة بأغصان سميكة خفيضة ومترامية، تخالط أوراق الأشجار باقات من الزهور الحمراء والبيضاء الفاتنة والبديعة.

حديقة السلسلة

اكتسبت حديقة السلسلة معنى تاريخيا لموقعها الكائن بالحي الملكي زمن البطالمة، ولإطلالتها على مكتبة الإسكندرية بالشاطبي، ومجاورتها لإفريز البحر ولتمثال الأميرة أوروبا (الأشرعة المنطلقة)، ومقاربتها لمنطقة حرس الحدود. الحديقة ذات هيئة بيضاوية، تكتظ بأشجار النخيل، وأشجار عتيقة كثيفة، متنوعة الفصائل، تترامى بعض أغصانها حتى تلامس الأرض، أشجار نافرة جذورها ومائلة جذوعها، ومتكسرة أغصانها المتناثرة بالأرض. يتوسط الحديقة ممرات فسيحة رصفتها قطع البلاط ذات الحصى البارز والملون، تجاور الممرات مساحات العشب الخضراء الذابلة الجرداء يغرقها صنبور مياه بقصد بعث نضارتها.

وتتراص بها مقاعد إسمنتية مهشمة الحواف، تحمل نقوشا ورسوما أشبه بمصاطب أثرية، وبأطراف الحديقة عمود أثري شاهد على تاريخ المكان، يسود الحديقة بعض من ضجة وصخب، وسكون غامر أيضا حيث تتناثر عربات الآيس كريم، الخروب ومنصة الشاي، وبائع الترمس واللب، أطفال لبيع الورود والفل، بضعة كلاب تسكن الحديقة، عشاق وشبان يهبطون الحديقة في زيارة وجيزة، ويمضون في هدوء، وكأن السام طالهم.

حدائق الشلالات

أعلن نهر طريق أبي قير في نهايته عن قسمة الشارع إلى ضفة الشلالات المطلة على شارع السلطان حسين والكائنة بالبرج الغربي الذي يمثل أحد الأبراج الدفاعية التي كانت تشكل جزءا من سور الإسكندرية القديم خلال العصر الإسلامي، وبقايا من السور الروماني، وطابية النحَّاسين إحدى الطوابي البحرية من عصر محمد علي حيث كان يتم تصنيع الأدوات الحربية النحاسية، وملاصقة للحجر الصحي آنئذ، صارت تلك البنايات أشبه بحطام قلاع مهجورة مهملة. تتصدر تلك البنايات أطراف حديقة الشلالات ذات الهضاب الخضراء الرحبة العالية. تتناثر بها أشجار النخيل، وعناق أشجار أخرى كثيفة الأغصان ضخمة ومتنوعة، تترامى بها مظلات "البرجولا" ذات المقاعد الخضراء. حديقة ذات ممرات ترابية واسعة، وتمثل الحديقة مهبطا لعديد من العشاق لكازينو الشجرة المندثر والعائلات وعابري السبيل. يشق أحد أطراف الحديقة مجرى مائي طويل اتصف بالجدب والنضوب، تحوطه أحجار صخرية مهشمة، ليفضي عبر نفق صغير إلى بحيرة ساكنة ذات مياه آسنة.

يتوسط الحديقة الآن حوض إسمنتي دائري، حيث كانت بحيرة يسبح بها البط والأوز ذات يوم، والآن صارت مهملة، هجرتها كافة الصور الفاتنة والأخاذة. وبالضفة الأخرى، شلالات رحبة منبسطة ولكنها أكثر قبحا، كائنة بالسور الشرقي للإسكندرية، تواجه استاد الإسكندرية، يجاورها ضريح سيدي محمد الزهري وسيدي أحمد المتيم، وعلى مقربة من الحي اللاتيني، خلت من كل مظاهر النضارة؛ عشب ذابل وأشجار ذابلة، وليس سوى قليل من مقاعد رخامية مترامية متكسرة خاوية من الزائرين، وتحمل طلل الحصون والقلاع المحطمة، تميزت بشجرة ضخمة هائلة، أغصانها المترهلة الغزيرة تكاد تلامس الأرض، صارت تلك الأغصان كأرجوحة يلهو بها الصبية والأطفال وأطلقوا عليها "شجرة طرزان".

حديقة أنطونيادس

حينما أجتاز البوابة الحديدية الهائلة، فأبلغ الممر الضيق، يشملني سكون غامر يسكن الحديقة، وأصادف بضفتي الممر نباتات وأشجارا وزهورا وورودا يانعة ذات ألوان فاتنة، تراوحني استدعاءات آسرة تردني للعام 1860 عندما عهد جون أنطونيادس التاجر اليوناني الذي سكن الإسكندرية إلى الفنان الفرنسي "بول ريتشارد" بإنشاء حدائق حول قصره، يماثل قصر فرساي بباريس، فصارت متحفا مفتوحا للنباتات النادرة والمعمرة؛ أشجار نخيل السيكاس وشجرة التين البنغالي.

الحديقة ذات مساحات رحبة أشبه بالمروج، تتميز بالصوبة الملكية ذات الأسقف المكسوة بالزجاج الملون، علاوة على الدرج الرخامي والصخري وهضاب عالية، تترامى أصص الزهوروالورود الرخامية الكبيرة والكائنة في فسقيات زرقاء مهجورة المياه. تتناثر أشجار كثيفة أشبه بأكواخ صغيرة متناثرة تجاورها تلال الأواني الفخارية المترامية.

الحديقة موسومة بالتماثيل الإغريقية التي تتراص بها. فينوس إلهة الجمال، وتماثيل أخرى ذات لوحات رخامية يضمها بستان المشاهير، فاسكو داجاما، كولومبس، ماجلان، الأدميرال نلسون، وتمثال طفل في هيئة ملاك يربض فوق طائر صغير ومدون بلوحته "إلى مدينة الإسكندرية، تذكار للمرحوم أوزوالد فيني من زملائه وموظفيه".

يحتل الحديقة مسرح أنطونيادس ذو الأعمدة المرمرية، يماثل أعمدة الأكروبول، تحوطه أسوار مشيدة من جذوع الأشجار الضخمة كحصون تصون ما يتهدد ذاكرة المدينة من فناء.

#عبدالعزيزالسباعي #عمرعادل #حدائق #محمودمختار #الشلالات #أبيقير #شارع

423 views