كفافيس يعود لمدينته


بعد اثنين وثمانين عامًا من وفاة قسطنطين كفافيس "كونستانتينوس بترو كفافيس" (باليونانية: (Κωνσταντίνος Π. Καβάφης) يظهر ابن الإسكندرية البار مرة أخرى في مدينته الأثيرة، لكنه لا يعود وحده بل يعود مصطحبًا معه (فن الكوميكس)؛ ذلك الفن الذي بدأ في أمريكا قبل ثلاثة وثلاثين عامًا على ميلاد كفافيس.

مازال الكثيرون في مصر يخلطون ما بين (الكوميكس) أو فن الروايات المصورة وبين الكاريكاتير، أو رسومات وقصص الأطفال ويندهشون من أن يكون (ميكي) و(تان تان) و(سوبرمان) وغيرهم من أبطال قصص طفولتنا هم في نفس الوقت صناع فن موجَّه للكبار. وحتى لا نتوه في مقدمات تاريخية سنحاول فقط أن نضع رواية (حين تخلت الآلهة عن كفافيس) الصادرة في منتصف عام 2015 عن دار (فابريكا) بالإسكندرية في مكانها وسط إصدرات فن (الكوميكس) الذي لم تتعدَّ عمر انتفاضته الأخيرة أكثر من سبعة أعوام.

الكوميكس المصري (محاولات أولى)

عرفت مصر – التي تعود بدايات فن الكوميكس إلى رسومات قدمائها – فن الكوميكس الحديث منذ أربعينات القرن الماضي على يد مجموعة من الرواد الأوائل الذين عرفتهم مصر كرسَّامي كاريكاتير، وأضع في مقدمتهم الفنان "حسين بيكار" صاحب مجلة (سندباد) عام 1952 التي رمت البذرة الأولى لفن القصص المصورة عن طريق رسومات حسين بيكار. أبدع فيها شخصيات مثل سندباد وقمر زاد والكلب نمرود كأولى الشخصيات المصرية المصورة التي تظهر في قصص مرسومة وليس في رسومات كاريكاتير (ظهرت شخصيات أخرى في تواريخ معاصرة لذلك أو سابقة عنه مثل المصري أفندي لفنان الكاريكاتير صاروخان وغيرها...) من بعد "بيكار" توالت كتيبة الرواد الأوائل ومنهم "حجازي"، "محيي الدين اللباد"، "بهجت عثمان" وغيرهم، وظهرت شخصياتهم المصورة الجميلة مثل (تنابلة السلطان) للفنان "حجازي" في مجلة (سمير) في ستينات القرن الماضي وغيَّر "حجازي" اسمهم إلى (تنابلة الصبيان) عندما جمعهم في عمل واحد.

كذلك أبدع الفنان "بهجت عثمان" شخصية (بهجاتوس) وإن كان استخدامها في الكاريكاتير أكثر من استخدامها كشخصية كوميكس، إلا أن قصصها الواردة في كتاب (الديكتاتورية للمبتدئين .. بهجاتوس رئيس بهجاتيا العظمى) يجعلها بالقطع ضمن شخصيات الكوميكس المصرية.

وأخيرا كان الفنان "محيي الدين اللباد" وهو الأب المؤسس والراعي الرسمي لجيل فناني الكوميكس المصري الحديث، واللباد يصنفه البعض على أنه فنان كاريكاتير ومصمم أغلفة لكنه من المساهمين الأوائل في تجربة الكوميكس المصري الحديث، ويُعد من أهم فناني جيل الرواد ليس فقط بأعماله؛ بل باحتفائه وتبنيه لعدد من فناني الكوميكس الذين صنعوا الانتفاضة الحديثة لهذا الفن في مصر والعالم العربي، ولنراجع في ذلك كتابه (نَظَر 4 .. يوميات المجاورة) الصادر عن دار العربي للنشر والتوزيع 2005.

أبدع اللباد شخصية (زغلول أفندي) التي كان يرسم حلقاتها على مدار ما يقرب من الست سنوات تقريبًا في مجلة (سمير) في ستينات القرن الماضي.

الانتفاضة الحديثة للكوميكس المصري

تظل رواية (مترو) للفنان "مجدي الشافعي" الصادرة عام 2008 هي ملهمة الجيل الثاني لفناني الكوميكس؛ فقبلها كان فن الكوميكس المصري خافتا تماما لدرجة عدم الوجود، ورسم القدر عودة مهيبة لهذا الفن بمصادرة دولة مبارك البائدة لـ (مترو) بدعوى تحريضها على الفسق والفجور، ومازالت الرواية ممنوعة حتى الآن على الرغم من صدور طبعتين لها بعد الثورة، إحداهما صدرت عن دار (فابريكا) التي سنتحدث عنها لاحقًا.

ثم توالت تجارب الكوميكس المصرية – التي صارت الآن عصية على الحصر – بداية من (مغامرات الأمير سيف بن ذي يزن) الصادرة عام 2002 وتضم تجربة لـ 16 فنانا رسموا قصة سيف بن ذي يزن من جوانب مختلفة بتمويل من المركز الفرنسي للثقافة والتعاون. وشهد عام 2011 ثورة الكوميكس الخاصة؛ ففي يناير منه (وقبل الثورة) كان إطلاق مجلة (توك توك) المستمرة حتى الآن، وهي أهم تجارب الكوميكس المصرية، ومنها انتشر فنانو الكوميكس (التوك توكيون) أمثال شناوي وأنديل ...

وقد ظلت جريدة التحرير التي صدرت بعد ثورة يناير (وتوقفت منذ أشهر قليلة) تحرص على نشر حلقة كوميكس في صفحتها الثانية، وأحيانا حلقة أخرى في صفحتها الأخيرة، ونشرت في ملاحقها رواية (18 يوم) لمحمد هشام عبية وحنان كرارجي، ورأينا بعد ذلك تجارب عديدة مثل مجلات (دشمة)، (التحويلة)، (الفن التاسع) وكتب عديدة تُرجمت للعربية وأخرى كُتبت مباشرة للعربية ومنها روايتنا التي نحن بصددها في هذا المقال.

(حين تخلت الآلهة عن كفافيس)

قبل أن نتحدث عنها لابد وأن نتحدث عن الدار التي أصدرتها: (فابريكا..مصنع الفن) التي قررت أن تصبح متخصصة فقط في الكوميكس، يعود إنشاء دار (فابريكا) إلى عامين مضيا، في محاولة جريئة من الفنان أحمد سالم والكاتبة الشيماء حامد أن يفتحا نافذة جديدة للنشر، ومساحة تحولت إلى مقهى ثقافي حقيقي. لم تصدر (فابريكا) كتبا كثيرة قبل تجربتها (الكوميكسية). وقد كان لأحمد سالم تجربة عام 2011 في إصدارات الكوميكس عندما أصدر – في نشر خاص قبل إنشاء الدار – كتاب (لاعبيني وألاعبك) للشاعرة أماني سعيد محفوظ وهي تجربة لتحويل الشعر إلى رسومات كوميكس، جمعها أحمد سالم في (كولاج فني) من رسومات متعددة لفناني كوميكس عالميين، أعادت هذه التجربة الكوميكس إلى الإسكندرية، بعد محاولة وحيدة – في ظنّي – كانت في تسعينات القرن الماضي من خلال مجلة (تون تن) التي ناقشت قضايا الخيال العلمي من خلال حلقات كتبها المخرج المسرحي رمضان عبد الحفيظ ورسمها الفنان أحمد حسن المناويشي في تجربة لم يُكتب لها الاستمرار أو التأثير. ثم قدم أحمد شلتوت في 2012 كتاب (بالتوقيت المحلي) فكرته ورسومه وقصة سارة سويدان .. حتى كانت (حين تخلت الآلهة عن كفافيس) كتجربة هامة في تاريخ الكوميكس المصري عن دار نشر سكندرية، وبرسوم فنانة سكندرية شابة وواعدة "ميّ كُريِّم"، وإعداد لكاتبة سكندرية مخضرمة "الشيماء حامد" فكان لابد أن يكون البطل هو الفتى اليوناني الذي منحته الإسكندرية كل أسرارها فصنعت مجده وصنع مجدها، إله محبي الإسكندرية الشاعر قسطنطين كفافيس الذي وُلد بالإسكندرية في 17 إبريل 1863 وعاش بها ولم يغادرها إلا أربع مرات: في 1871، وفي 1882، وفي 1903، وفي 1932، ومات بها في إبريل 1933، يحكي الكتاب قصة حياة كفافيس من خلال 20 مشهدا، ويبدأ من الوقت الحاضر ثم يرجع في فلاش باك أول إلى وفاة كفافيس، ثم من خلال فلاش باك رئيسي يستعرض حياة كفافيس منذ الميلاد وحتى الوفاة. ويركز الإعداد على دور الأم أركيليا في حياة كفافيس، والسرد يأتي على لسان الراوي البطل مستخدما شخصية شاعرة شابة تزور كفافيس في آخر أيامه، وتجيء هذه الشخصية كمفتتح وخاتمة للرواية فيقول كفافيس في بداية الرواية: (الآن ستكتب الشاعرة الشابة عن زيارتها لي..ستحاول أن تبدو حيادية، لكن اللغة ستخون حياديتها؛ فالكلمة في غرفتي قد غزت روحها بالفعل) لكن الراوي البطل يظل هو المتحكم في السرد حتى النهاية، حينما تعود الشاعرة الشابة لتقول: (أنا هنا كي أتمكن من الكتابة عنك بعد أن قرأت قصائدك، فهل تسمح لي بالكتابة؟)..بينما لم تسمح الرواية للشاعرة الشابة بالتداخل وتجعلها فقط كقوسين لجملة طويلة.

ويستعرض الكتاب حياة كفافيس من البداية للنهاية دون أن يتوقف عند نقاط نراها هامة في حياة كفافيس سوى علاقته بأمه (ماتت أم كفافيس عام 1890 وعاش بعدها 44 عاما في الإسكندرية!) وقد استخدمت رمز خيوط عرائس الماريونيت للدلالة على سيطرة الأم على كفافيس، وهي دلالة متعسفة وغير مفهومة، وتورد "المُعدَّة" العديد من قصائد كفافيس في الكتاب منها قصائد (المدينة) و(إيثاكا) (عندما تخلت الآلهة عن أنطونيو)، كذلك كان يلزم أن تُعرِّف المصادر التي استقت منها المُعدِّة تلك الترجمات للقصائد، وأعتقد أن الإشارة إلى المصادر يظل أمرا مهما طالما نحن بصدد ذكر وقائع تاريخية.

لا تستخدم المُعدّة عناوين أو ترقيما للمقاطع، واستغنت عن ذلك بالرسم، لكن يمكن أن نتوقف عند ضرورة وجود بعض المقاطع مثل المقطع السابع الذي يصور كفافيس وهو شاب ويأتي مقحما بين مقطعين كان يلزم وصلهما، كذلك المقطعان 12 و13 اللذان لا أرى مبررا لفصلهما، أو المقطع 9 الخاص بجلسة صديقات الأم، وهو مقطع يؤكد على ما تم تأكيده بالفعل، وكان من الممكن اختصار هذا المقطع أو إلغاؤه بالكامل.

في أعمال الكوميكس يلزم أن يكون هناك تعاون كامل ووثيق بين الكاتب والرسام من حيث عدد الكادرات وترقيمها ومساحات الشخصيات؛ لذلك عادة ما يشكل الاثنان فريقا واحدا يعملان معا، فمن الصعب العثور على شريك مثالي في الكوميكس، والعمل الذي نحن بصدده لكاتبة ورسامة يعملان لأول مرة معا (وهو بالمناسبة أول عمل لكلتيهما في مجال الكوميكس) وهو ما يجعل التناغم بين الكتابة والرسم غير مكتمل؛ فكثيرا ما تشعر أن الكتابة تمت على رسم مسبق، وفي الكوميكس عادة ما تسبق الكتابة الرسم أو يتمان معا، أما الكتابة التالية على الرسم فهي أضعف اختيارات فنان الكوميكس.

وبلا شك فإن الرسم هو بطل الكوميكس الأول، والرسام هو صانع المشهد البصري وخالق الشخصيات، وهو يحل محل المصور وصانع الديكور والممثل في الفيلم السينمائي، وأحيانا كثيرة هو المخرج أيضا. وفي عملنا هذا نكتشف معا فنانة جميلة هي (ميّ كُريّم) تملك حسا فنيا عاليا وخطوطا معبرة ومغايرة، وتملك تكنيكا خاصا في صناعة الكادر، وهي ميزات لا غنى عنها لفنان الكوميكس، فالرسامة استخدمت خلفيات من ورق قديم ومكتوب عليه لبالونات السرد مما أعطى إحساس القِدم وهو الأمر المناسب لأحداث تقع في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكان استخدام التفاصيل الصغيرة (تماثيل المتحف – زجاجات الخمر – حذاء الخادمة ...) فأعطت المشاهد حميمية لطيفة، أو عندما استخدمت تكنيك تقطيع الصورة الواحدة على عدة كادرات (الأب في المقطع 4) أو الأم وهي تنظر من النافذة قبل أن تقرر مغادرة الإسكندرية في المقطع 11، وهو استخدام أعطى هذه المشاهد ثراء وزخما. وهي تعرف جيدا أن استخدام الأبيض والأسود قد يبدو أكثر فقرا في صناعة تعتمد على الإبهار والفخامة، فكان الاستخدام الذكي للظلال والخلفيات المحتشدة ليصبح العمل مكتملا، ولا نشعر أبدا أننا كنا بحاجة لأن يكون العمل ملونا.

لكن يبقى تكرار استخدام مساحات واسعة لرسوم الشخصيات كأحد الحلول الفقيرة التي كان يجب التخلص أو على الأقل التقليل منها.

ملاحظات شكلية

على الرغم من الجهد المبذول في العمل فإننا نشعر أن إنهاءه تم باستعجال غير مبرر، ويتضح ذلك من خلال عدة ملاحظات هامشية أخذت من العمل ولم تعطه وكان يمكن تجنبها بقليل من الجهد، منها:

  1. الأخطاء اللغوية الكثيرة التي احتشد بها النص مما يدل على قدر من التسرع في المراجعة، ومنها مثلا خطأ في عنوان الرواية (حين تخلت الآلهة عن كفافيس) فكتبت الآلهة بدون همزة المد.

  2. عدم ترقيم الصفحات وهو أمر غريب أكاد أزعم أنني أراه لأول مرة، وأتساءل ما هي وجهة النظر الفنية في عدم ترقيم الصفحات؟!

  3. خطأ غريب في ذكر اسم الشارع الذي يقع به منزل كفافيس، فقد كان يحمل اسم شارع (شرم الشيخ) وليس (كفر الشيخ)!

ويبقى هناك تساؤل عن سبب ذكر مصطلح (إعداد) وليس (كتابة) فإذا كانت الكاتبة لا تعتبر أن ما قامت به تأليفا فكان يلزم لكي يكون إعدادًا أن نعرف المصدر الذي تم الإعداد عنه؛ فالإعداد هو نقل من نوع إلى نوع آخر وإلا فالأمر يلزم أن يكون تأليفا أو كتابة أو أي شيء آخر غير الإعداد.

أخيرا فإننا يجب أن نحتفي ونسعد بهذا الكتاب الذي يدعم المحاولات المصرية الدؤوبة لجعل الكوميكس فنا تاسعا بحق، وتزداد سعادتنا لكون الإسكندرية وجدت مكانا لها في عالم صناعة الكوميكس، وهو المكان الذي وفرته دار (فابريكا) التي لها في النهاية كل التحية والعرفان.

#ماهرشريف #الكوميكس #مترو #محيالديناللباد #كفافيس #فابريكا