عن مرسم فاروق وهبة.. الأستاذ والتلاميذ 1-2


فوتوغرافيا/ياسمين حسين

تصلح الإسكندرية كمدينة لعيش الفنانين، حيث يستطيع الفنان العمل على تطوير مشاريعه الفنية بعيدا عن صخب القاهرة، العاصمة والمدينة المركزية، في عزلة شبه تامة في مدينة ليس بها وسط فني ضخم ولا سوق فن كبير.

لكن الإسكندرية كانت تبدو أيضا معزولة عن تاريخ الفن وتطوراته وحركاته منذ بداية تدريس الفن وحتى نهاية ثمانينات القرن الماضي. لا يخترق تلك العزلة إلا بعض الرسل، يكونون بمثابة حراس البوابات إلى عوالم التجديد والتجريب ومدخلا لأجيال وحركات فنية جديدة تبدأ من الإسكندرية.

عادة، ما تكون تلك البداية أهلية ومدنية بعيدا عن الدولة (الجهات الحكومية و الإدارية) وعن المؤسسة التعليمية والأكاديمية الرسمية، هكذا أنشأ حسن كامل مدرسة الفنون الليلية بمساعدة محمود سعيد عام 1929 والتي أصبحت الجمعية الأهلية للفنون الجميلة بعد ذلك. ثم بدأ المصور الإيطالي بيكي نشاطا تعليميا في مرسمه عام 1930 وفي العام 1935 اتخذ سيف وانلي – الذي تعلم في مدرسة حسن كامل ومدرسة بيكى مع أخيه أدهم والنحات محمود موسي – من مرسم بيكي بعد وفاته مرسما له، و بدأ فيه نشاطا تعليميا هو الآخر. كما أنشأ الفنان محمد ناجي عام 1934 أتيليه الكتاب والفنانين.

واجهة لاتيليه الإسكندرية - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

استمر سيف وانلي في تعليم التصوير والاتجاهات الفنية الحديثة في تاريخ الفن بشكل حرفي ودقيق وصارم، والتي اطلع عليها ربما من خلال السفر إلى أوروبا، أو جلب كتب الفن من هناك، وكان ذلك يحدث في مرسمه أو في الأتيليه أو حتى كلية الفنون الجميلة حتى وفاته عام 1979 ليعود الفن في المدينة إلى عزلته الهادئة.

في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات في الإسكندرية، كان الهاوي الراغب في تعلم واحتراف الفن أو طالب الفن الراغب في التدريب أو الاستزادة أمام الخيارات الآتية:

إما الذهاب إلي قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة الغارقة في البيروقراطية والكسل، تحديدا قصر ثقافة الحرية (مركز الإبداع حاليا) أو قصر ثقافة الأنفوشي حيث لا توجد مساحات للتعليم والتدريب والإطلاع على الاتجاهات الفنية المختلفة الحديثة والمعاصرة، المتاح فقط هو مشرف نشاط فني، غالبا ما يكون خريج فنون جميلة معه بعض كتب فن قديمة جدا للوحات من عصر النهضة أو أقدم، وعليك إذا أردت أن تتعلم أن تحاول رسمها وتقليدها وتجويدها إلى ما لانهاية، وتقريبا لا تنظم معارض ولا يتواجد فنانون ذوو خبرة أكبر للتعلم والاحتكاك.

أو ملازمة الفنان على عاشور(مواليد 1946) – تلميذ سيف وانلي – على مقهي الكريستال حيث كان يرسم البورتريهات وبعض اللوحات في الصباح مع الأصدقاء من مثقفي وفناني ومسرحيي الحلقة الأولى من التسعينات، يرسم ويتناقش في كل شيء، لكن على المقهى لم تكن الفرصة متاحة للتعلم.

أو مجموعة الفنان ثروت البحر(مواليد 1944) في مرسم معهد جوته الألماني مع مجموعة من الفنانين مثل عمرو هيبة (مواليد 1962) وإبراهيم الطنبولي (مواليد 1954) ومجموعة صغيرة من الفنانين، كانت مجموعة قليلة الحيوية والتفاعل وتقليدية إلى حد ما في طريقة التعلم.

أو الدراسة والذهاب مباشرة إلى كلية الفنون الجميلة، والتي كانت تحت أثر الغيبوبة، وتحت سيطرة اتجاهين كبيرين، الاتجاه الأول هو الاتجاه المحافظ المعادي لكل ما هو جديد ومختلف ولا يملك الطاقة والقدرة على مناقشة الاتجاهات ما بعد الحداثية والمعاصرة في الفنون البصرية، ويراها محض هراء وذلك دون حوار. بينما يظل مثلا الفنان (حامد عويس) مدافعا عن الواقعية الاشتراكية في الفنون التشكيلية حتى التسعينات!

الاتجاه الآخر هو اتجاه التجارة والسوق، والذي لا يملك وقتا للتعليم أو الإطلاع على الحديث ومناقشته والاشتباك معه، ممثلو هذا الاتجاه يدرّسون في الكلية لكنهم غارقون إلى أقصاهم في الصراع فيما بينهم حول تجهيز وتعليب لوحات وجداريات إلى الفيلات وقصور الخليج، وكذلك مداخل الأبراج والمستشفيات الفندقية الضخمة والقرى السياحية (تلك الأشكال البنائية العمرانية الجديدة في ذلك الوقت) في مصر.

بدايات ...

في العام 1988، عاد فاروق وهبة (مواليد 1942) من ألمانيا حيث كان يدرس على يد الفنان الألماني جوترد جراوبنر في أكاديمية ديسلدورف للفنون ضمن إجازة "المايستر شولرMeister Schuler". ذلك الحلم القديم الذي طالما حلم به وصار بعيدا عنه سبع سنوات، قضاها في الجيش في أعقاب نكسة 67. أن يعيش حياته كلها في الفن، إما في إنتاج الفن ومتابعته في المعارض والبيناليهات والنقاش حوله، أو التعلم أو تدريس الفن.

حصل فاروق على درجة الدكتوراه في نفس العام عن موضوع "دور الخامة في فن التصوير" ويبدو أن فاروق – في ذلك الوقت – كان لديه طموح تأسيس نشاط للفنون البصرية والتشكيلية في ظل الانحسار الملحوظ للفن في المدينة، وكذلك تأسيس حركة وجيل فني جديد مؤمن بأفكار واتجاهات مابعد الحداثة والمعاصرة والفن المفاهيمي في الفنون البصرية من الإسكندرية يتشكل من طلبة الفن المهتمين أو الراغبين في احتراف الفن.

فسرعان ما توجه إلى بيته – أتيليه الإسكندرية – والذي كان عضوا في مجلس إدارته ليستعيد نشاط المرسم المغلق منذ عام 1956.

مدخل أتيليه الإسكندري - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

استعاد المرسم نشاطه على يد فاروق وهبة في صيف 1988 بخمسة أفراد، ثم أصبحوا ثلاثين ثم تم التقسيم إلى فئات عمرية: أطفال 6 – 9 أعوام وشباب 10 – 15 عاما في مدخل الأتيليه، والكبار 20 – 25 عاما في حديقة الأتيليه، وطلبة الفن المهتمون والراغبون في الاحتراف في البدروم، ووصل عدد المشتركين في النشاط الفني للمرسم لتعلم بدايات الرسم أو الخزف أو النحت قبل الوصول للاحتراف وقبل أن يترك فاروق وهبة منصبه في الأتيليه عام 1995 إلى 400 مشترك.

مرسم الحديقة (الأطفال) - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

التلاميذ

سأتناول هنا المجموعة الأساسية والحلقة الرئيسية التي بدأت رحلتها مع الفن، وتتلمذت على يد فاروق وهبة في الأتيليه في الفترة بين 1988 و1995 حيث كانت تنبعث رائحة الزيت والتربنتين من كثرة العمل والتدريب لفترات طويلة نفاذة حتى تصل إلى شارع فؤاد الكبير في الجوار، كانت المجموعة تنقسم إلى من يدرسون في الأتيليه فقط، أو بين الأتيليه وكلية الفنون الجميلة. المجموعة التي بدأت بطموح فني عالي ونتائج مبشرة؛ فمنهم من أصبحوا أسماء وأركانا مهمة في المشهد الفني البصري المعاصر الحالي في مصر وذوي سمعة عالمية، ومنهم من ترك الفن وتغيرت مساراته لأسباب وإحباطات مختلفة.

السلم المؤدي للمرسم في البدروم - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

منى مرزوق (مواليد 1968): في صيف العام 1988 ذهبت منى مرزوق – طالبة كلية التجارة – إلى أتيليه الإسكندرية لتجد فاروق وهبة جالسا في مدخل الأتيليه، سألته عن دروس الرسم والفن؛ فأجاب "هنا، اتفضلي" وبدأت رحلة منى مع مرسم الأتيليه والتعلم والتركيز الشديد مع دروس وتعليمات فاروق وهبة حتى أصبحت ذات موهبة وحرفية ومهارة عالية، ودقة شديدة في التصميم والمشغولات اليدوية، وواحدة من أفضل تلميذات فاروق إلى الحد الذي مكنها من أن تكون مساعدته الوحيدة من المجموعة التي دخلت مرسمه الخاص في الأتيليه، وقامت بمساعدته في أعماله الفنية تحت إشرافه حتى تركت الأتيليه.

أحد أركان مرسم الأتيليه (البدروم) (ركن الفنانة مني مرزوق) - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

علياء الجريدي (مواليد 1968): طالبة كلية الأداب – قسم التاريخ في جامعة الاسكندرية – من إحدى عائلات الطبقة المتوسطة التي تحب الفن وتقدره، خالها الفنان سعيد حداية والذي لم تعتمد عليه يوما ليفتح لها أي باب وآثرت أن تعتمد على نفسها، حاولت الالتحاق بكلية الفنون الجميلة لكنها لم تستطع بسبب فرق ضئيل جدا، كما أنها لم تنجح في امتحان قدرات الفنون رغم موهبتها الكبيرة في الرسم!!

لأنها عاشقة للفن وبدأب كبير، حاولت الالتحاق بمرسم كلية آداب لكنه لم يعجبها، ولم تستطع تعلم شيء؛ فذهبت إلى أتيليه الإسكندرية في يوم ما في عام 1989 ووجدت فاروق وهبة، ولم تكن تعرفه، سألها إذا كان معها "عينة من شغلها" وبالصدفة كان معها سكتش بسيط فأطلعته عليه، قال "مش بطال" ثم طلب منها أن ترسم "بورتريه فتاة السين" فرسمته وأعجبه وطلب منها أن تلتحق بمرسم الفنانين في البدروم؛ حيث أظهرت مهارة كبيرة في الرسم أثناء فترة دراستها في الأتيليه حتى أصبحت مساعدته في التدريس في مرسم الفنانين ومع الكبار.

أمينة منصور (مواليد 1972): أمينة بنت عائلة منصور الرأسمالية، فاروق كان يعطيها دروس رسم وفن في البيت، ثم التحقت بالأتيليه عام 89 وهي في السابعة عشر من عمرها تميزت كما يقول فاروق بحرفيتها العالية في التصميم وحل مساحة الصورة، وعينها الناقدة بحساسية فنانة كما يقول زملاؤها.

ريم حسن (مواليد 1971): بمجرد علمها أنها ستلتحق بكلية الفنون الجميلة، ذهبت إلى الأتيليه في صيف عام 1990 قبل الكلية لتبدأ دروسها، وكان فاروق وهبة في بعض الأعوام يدرّس لها في الأتيليه والكلية، وكانت تعمل على تطوير مشروعها الفني، تركت الأتيليه والكلية وعادت لهم مرة أخرى كمدرسة في الكلية وعضو مجلس إدارة الأتيليه.

محمد إدريس (مواليد 1970): كان من تلاميذ فاروق وطلبة الفن النابغين في الأتيليه والكلية، ومن أوائل كلية فنون جميلة في بداية التسعينات، ذهب ذات مرة إلى القاهرة حيث منطقة شارع المعز والقاهرة الفاطمية؛ فأخرج الورق الأبيض والاقلام الرصاص وظل يعمل على تحويل كل ماتقع عينيه عليه من مبان أثرية أو عادية أو بشر إلى رسومات كثيرة، وعاد إلى مرسم الأتيليه وعلقها على الحوائط وسط إعجاب وذهول زملائه وفاروق.

ركن الفنان محمد إدريس - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

تحكي الفنانة ريم حسن عن تلك الفترة في بداية التسعينات، سعى الإسلاميون سواء الذين تبنوا العنف، أو السلميون منهم (تحديدا الإخوان والسلفيون) الذين انتشروا في كل الأنحاء إلى تأميم المجال العام وكل المؤسسات لصالح فكرتهم، ومن ضمنها الجامعات والمدن الجامعية الملحقة بها. كانوا يسعون إلى تجنيد وتقريب كل أوائل الكليات والطلبة المؤثرين في كل الجامعات، أو على الأقل تحييدهم بمعنى ألا يكونوا في عداء مع الفكرة أو "السمت" الإسلامي، فبدأوا يطاردون محمد إدريس لتجنيده في الكلية وفي المدينة الجامعية، ومن ناحيته كانت شخصيته تبدو ضعيفة؛ فبدأ يقتنع بكلامهم ويتقرب منهم ويتأفف من الموسيقى اليونانية التي جلبتها منى مرزوق من اليونان – أمها يونانية – وبدأت خلافاته مع فاروق وهبة على إثر نقاشات حادة، ذات مرة، ذهبت منى مرزوق وعلياء الجريدي وريم حسن في سيارة منى إلى المدينة الجامعية في سابا باشا ليأتوا به إلى الأتيليه، ويصلحوا بينه وبين فاروق.

ذهب معهم على مضض وهو لا يعرف أنهم ذاهبون إلى فاروق في الأتيليه، ولما عرف كان يريد أن يقفز من السيارة وهي تسير! في النهاية، وصلوا الأتيليه وكان فاروق موجودا، وحدثت مشادة كلامية حادة جدا، وكفّر محمد إدريس فاروق فطرده وقال له "ماتجيش هنا تانى". أنهي محمد إدريس دراسته في الكلية وسافر إلى السعودية.

وائل شوقي (مواليد 1971): أيضا كان أول دفعته في الكلية، ومن تلاميذ فاروق النابغين في الكلية والأتيليه حيث منحه الدرجة النهائية في مشروع التخرج.

ركن الفنان وائل شوقي - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

خالد البرقي (مواليد 1968): كان يدرس الهندسة النووية في هندسة الإسكندرية، ويأتي إلى الأتيليه ليتعلم ويمارس الفن والرسم، كان أميل إلى الفن وصاحب موهبة خاصة لكنه كان دائم التشكك فيما ينتج.

رحاب الصادق (مواليد 1972): كانت رحاب طالبة في فنون جميلة ذات شغف كبير بالفن ومتابعة المعارض وما يترجمه لها أبوها – أستاذ التاريخ في جامعة الإسكندرية – من مواد عن الفنون البصرية في مجلات النيوزويك والتايمز، تعرفت على الأتيليه من خلال مشاركتها في معرض الأتيليه عام 91 بعمل كولاج تحت إشراف الدكتور عبدالسلام عيد، وعرفت عن نشاط المرسم وفاروق وهبة؛ فآثرت أن تأتي إلى الأتيليه بديلا عن العمل والتدريب في البيت غير الملائم بشكل كبير كمرسم، كانت شديدة المهارة في الرسم، وكانت تساعد فاروق عن طريق التدريس للأطفال.

سامح الحلواني (مواليد 1967): لم يستطع سامح الحلوانى أن يستكمل دراسته في كلية الخدمة الاجتماعية بسبب ولعه الشديد واهتمامه وبحثه عن الفن، حتى وجد ملاذه في صيف 91 وكان يعمل صباحا في أعمال كثيرة، ويأتي مساء إلى الأتيليه حيث بدأ مع الهواة كبار السن، ومكث بعضا من الوقت حتى أجاد رسم المناظر الطبيعية ثم انتقل إلى البدروم في مرسم الفنانين.

ركن الفنان سامح الحلواني - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

معتز الصفتي وأحمد عبدالعزيز (مواليد 1969): من طلبة فنون في الكلية الذين لم يحالفهم الحظ أن يدرسوا في الكلية على يد فاروق وهبة؛ فذهبوا له في الأتيليه لأنهم كانوا لا يتعلمون أي شيء مفيد من الكلية، "كنا بنروح نلعب راكت" هكذا قال لي معتز، لم يستطيعوا توفير خامات طوال الوقت في الأتيليه، وربما فاروق كان يريد أن يؤثر السلامة مع أساطين الكلية فلم يعطهما المساحة الكبيرة في مرسم الأتيليه، لكنهما استطاعا أن يشاركا و يتعلما وظهر ذلك في مشاريع تخرجهما، واستخدام خامات مثل الخشب بطرق غير تقليدية.

كما كان هناك أيضا بين الكلية والأتيليه، هويدا السباعي وجيهان سليمان التي كانت تساعد فاروق في التدريس للأطفال أيضا، وقد أصبحتا مدرستين في الكلية الآن. كما كانت هناك أيضا أسماء أخرى مثل ياسر ندا وإيمان جادو وريهام راسم.

منظر عام للمرسم - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

المنهج

بعد عودته من ديسلدورف، أصبح فاروق وهبة أحد أهم رسل اتجاهات ما بعد الحداثة والمعاصرة في الفنون البصرية والتشكيلية في الإسكندرية ومصر. حيث أراد من خلال مرسم الأتيليه أن يبدأ حركة وجيلا جديدا معاصرا يحمل تلك الأفكار في إطار الحركة الفنية في مصر. كان فاروق وهبة من أوائل من نفذوا فكرة التجهيز في الفراغ أو العمل المركب (installation) وكانت مشاركته في بينالي فينسيا عام 1990 ، والتي تم تقديمها تحت عنوان "فن مصري معاصر" عن طريق مزج أفكار ومعتقدات الحضارة المصرية القديمة بالتكنولوجيا والأجهزة التلفزيونية من خلال عمل أو تجهيز فني مركب. وكذلك أشكال مثل الحدث (happening) والعرض الأدائي (performance). كان فاروق وهبة يعمل على التدريس بمنطق حلقات الدرس و يبدأ بالرسم، إجادة الرسم والتصوير أولوية وشيء أساسي بالنسبة له باستخدام أقلام الرصاص والفحم والزيت، يبدأ بالطبيعة الصامتة ثم المنظر الطبيعي ثم الموديل. كان التلاميذ يتبادلون دور الموديل فيما بينهم حتى يستطيعوا جميعا تعلم رسم الموديل، كان يهتم بالتشريح أيضا، حيث أنه من الممكن أن يعطي تمرين رسم تشريح يد مائة مرة على سبيل المثال حتى يتم إجادة رسم اليد.

"كانت إجادة الرسم والتصوير مدخلا أساسيا لفكرة الفنون التشكيلية والبصرية والموهبة فيه حتى نستطيع التجريب والتجاوز، بما يعنى أننا نحتاج أن نعرف جيدا القواعد كي نستطيع هدمها، ولكي نصل إلى ما بعد الحداثة والمعاصرة، يجب أن نعرف جيدا ماذا أنجزت الأشكال والاتجاهات الحداثية في الفنون."

كان فاروق يهتم بتاريخ الفن ويحكيه كحواديت، يحكي عن فنان أو اتجاه أو مذهب؛ فمثلا يحب أن يتحدث ويحكي عن دافنشي Davinci وسيزان Cezanne ومارك روتكو Mark Rothko وجورجيو موراندي Giorgio Morandi وإيجون شيلي Egon Schiele وجوستاف كليمت Gustav Klimt ولوسيان فرويد Lucian Freud ويحتفي جدا بفرانسيس بيكون Francis Bacon وسخرية بيكون من الأمريكي جاكسون بولوك Jackson Bullock، يحكي عن أنسليم كايفير Anselm Kieferوجيرهارد ريختر Gerhard Richter وصولا إلى حديث طويل ومستفيض لا ينتهي عن جوزيف بويز Joseph Beuys الذي تأثر به كثيرا.

دائما ما كان يتحدث عن كتاب "حول الفن الحديث ?How to understand modern art" لـ جورج فلانجان George Alexander Flanagan وترجمة كمال الملاح، والذي كان يعد كالإنجيل بالنسبة له ولجيله إلى أن أتت أمينة منصور في مرة من ذات المرات ربما من خلال إحدى زياراتها المتعددة إلى أمريكا – أمها أمريكية – بكتاب "art speak" لروبرت إتكنز Robert Atkins عن الحركات والاتجاهات الفنية المعاصرة في العالم، فصار الكتاب من أهم الكتب بالنسبة لمجموعة فناني مرسم الأتيليه. كان فاروق وهبة يدعوهم إلى زيارة مكتبات المراكز الثقافية الأجنبية؛ كالمركز الثقافي الأمريكي والألماني والفرنسي لمطالعة كتب الفن الموجوة بها، وكذلك زيارة المعارض الهامة التي كانت تقام هناك بالأخص في الفرنسي والألمانى.

كثير من التلاميذ كان يقلد فاروق في البدايات وهذا طبيعي وعادي. المشكلة، عندما يستمر ذلك. كان فاروق لا يعجب بمن يقلده ويتأثر به كمعلمي الفن الكبار، وكان يفضل النقاش والجدل ومحاولات إقناعه ليغير رأيه حول الأعمال المختلفة بغض النظر انتهى به الحال مقتنعا أم لا.

المرسم مضيئا - فوتوغرافيا/ياسمين حسين

ورش العمل

استطاع فاروق وهبة عن طريق علاقته الجيدة مع المركز الألماني – جوته الإسكندرية أن يأتي بالبروفيسير والفنان الألماني فريد هيلم كلاين Fred helm Klein، الأستاذ في أكاديمية ميونيخ للفنون، ليقوم بعدة ورش عمل فنية مع تلاميذه فناني مرسم الأتيليه، وكذلك أعضاء مرسم جوته مع الفنان ثروت البحر.

كانت فكرة وشكل ورش العمل شيئا جديد جدا كطريق لتدريس الفن في ذلك الوقت، لم يسمع به الكثير من أساتذة وطلبة في كلية الفنون الجميلة أوغيرها.

تحت إشراف فاروق وهبة، أقام البروفيسير كلاين ثلاث ورش على مدار ثلاث سنوات، بواقع ورشة في السنة، وذلك في معهد جوته بالإسكندرية.

بدأ عام 1992 بورشة عن "الجزء والكل" ثم ورشة عن "الضوء والظل" عام 93، ثم ورشة عن "السكون و الحركة" عام 94. كذلك كانت هناك ورشة عن "عجائن الورق" مع الفنان البلجيكي خورخي سالسيدو Giorgio Salcedo عام 1994.

كان محتوى الورش يتراوح بين المعلومات النظرية والتطبيق في المرسم أو الخروج للشارع، وكان سامح الحلواني يقوم بدور الدليل لتهيئة الأماكن، ومعظمها مناطق شعبية تزورها مجموعة الفنانين المشاركين عن طريق التعرف والتنسيق مع أهالي المنطقة بالجلوس على المقاهي والحديث معهم، حدث ذلك في منطقة كوم الدكة – التي تجاور شارع فؤاد والأتيليه – و كذلك منطقة بناء المراكب والسفن في الأنفوشي وذلك في الورشة الأولى.

كان ينتج عن كل ورشة معرض حول فكرة أو ثيمة الورشة الأساسية، ففي عام 92 وأثناء تجهيز معرض الورشة الأولى مع كلاين عن "الجزء والكل" حدث تكالب وصراع بين فناني المرسم على الخامات سواء عن طريق شرائها أو تجميعها من الشوارع والشواطئ لتجهيز أعمالهم والتي لابد أن تعكس فكرة "الجزء والكل" بشكل ما.

أثناء تجهيز أعمال المعرض في قبو معهد جوته، لم يكن سامح الحلواني قد وجد الفكرة التى سيعمل عليها بعد، وبينما هو يفكر، حدث شئ غريب في قبو جوته، أدى إلى أن يقع لوح زجاج من شباك على الأرض مباشرة، لكن بنفس حجمه وشكله وحدثت الكسور والشروخ في مركز لوح الزجاج، فأعتبره سامح الحلواني بشكله هكذا يعكس فكرة الجزء والكل، وأن لوح الزجاج هذا هو عمله الفني، وقال لهذا لكلاين فأعجب تماما بالفكرة، واندهش فاروق وهبة جدا من ذلك!

كانت علياء الجريدي مولعة بفكرة حركة الجسد والتعبير والأداء بالجسد، وكانت لاتزال هي الأخرى تبحث عن الفكرة التي ستعمل عليها، وكان فاروق يسألها من وقت لآخر عن الفكرة فتجيب باقتضاب "لسه".

وذات مرة، ذهبت مع المجموعة لمنطقة بناء السفن والمراكب في الأنفوشي لكي يبحثوا عن خامات؛ فرأت الهيكل الخشبي الذي ترفع عليه المراكب الكبيرة واليخوت للبناء أو التصليح وكأنها وجدت ضالتها، وبدأت بارتجال حركات عليه تعكس كونها هي الجزء، والهيكل الخشبي الكل، فأخبرت فاروق بفكرتها فأعجب بها، وسألها "لكن هتودي الهيكل ده الأتيليه إزاي؟!"

فكرت في ذلك، وقررت أن تستعين بـ"ترابيزة" من ترابيزات الدرس في جوته، وصار اسم العرض "الترابيزة" واستعانت بمنى مرزوق فقط لتحمل الترابيزة أثناء حركتها عليها، أعجب فاروق وهبة جدا بالعرض أما كلاين فقال " هكذا يكون العرض الأدائي".

* الجزء الأول من بحث تم كتابته من خلال مشروع محاولون mhwln.com

#عليحسينالعدوي #فاروقوهبة #نزيرالطنبولي #جدران #علياءالجريدي #وائلشوقي

567 views