فيلم حاجة ساقعة .. واقعية سكندرية تمتزج فيها مشاعر الألم بالحيرة


فيلم حاجة ساقعة إخراج عمروش بدر، إنتاج أفلام الإسكندرية المستقلة 2015 الذي عُرض ضمن العرض الأول لأفلام الدورة السادسة لمشروع بلازا في مكتبة الاسكندرية.

4 قصص طويلة تشتبك مع بعضها في حبكة مركزية عن الحيرة والتوتر والألم، تتفرع منها 4 خطوط درامية تشتبك مع صراع الشخصيات الداخلي النفسي، حيث نجد عم عزت الرجل الذي يعيش مع وهم أن زوجته مازالت حية، ويتصرف علي هذا الأساس، وسائق موتوسيكل ومطلقته - علي ما يبدو- الكوافيرة دنيا، وولد يعيش معه لكنه متعلق بأمه مما يجعلهم في حيرة. كذلك شاب نوبي يسعي إلي التحقق من خلال محاولات لكسب الرزق.

تدخل قصتهم في إطار تشويقي ليتضح لنا الجانب الاجتماعي البسيط من خلال سرد الحكاية. من أول لقطة في الفيلم، يشتبك عمروش مع الواقع والشخصيات، ويشتبك المشاهد معهم في حياتهم وظروفهم الاجتماعية. من خلال نظام سرد سينمائي سلس، نبدأ في التعرف عليهم. نتعرف أيضًا علي إسكندرية حارة اليهود، حيث صوّر المخرج عمروش بدر في الأزقة الضيقة، وعلي المقاهي ووسط البيوت القديمة في حارة اليهود، ليدخلنا إلي عالم سكندري شعبي حقيقي، بدون ديكورات أو اصطناع، نستطيع أن ننفذ من خلاله إلي الجانب المُهمَل دائما توثيقيًا وبصريًا في مدينة الإسكندرية

اعتمد المخرج عمروش بدر علي 3 أساليب أساسية في رسم حركة الكاميرا، فكان يستخدم في التركيب الهندسي لمعظم لقطات الفيلم نظاما بصريا يعتمد علي لقطة واسعة تأسيسية للشخصيات أو العناصر التي سوف تتحرك داخل الكادر، ثم لقطة متوسطة أو متوسطة قريبة لنفس العناصر وهي تبدأ في الحركة داخل الكادر بفعل معين، وأخيرا حركة تتبعية حرة للشخصيات، بحيث تتحرك الكاميرا محمولة لتتابع الشخصية، والملفت للنظر أن المخرج استخدم طريقة تواصلية وليست انفصالية في عرض وتعريف الشخصيات، حيث كنا نري الكاميرا متتبعة عم عزت، ثم تتركه لتتابع الرجل علي الموتوسيكل وابنه، ثم يقطع بسلاسة لنتعرف علي شخصية الكوافيرة دنيا، وفي لقطة أخري نرى عم عزت وهو ينظر من خلال فتحة صغيرة من فتحات ديكور عربية الفول بعين واحدة؛ فنشعر أنه ينظر إلى العالم نظرة ضيقة من خلال حواجز كثيرة تمنعه من أن يرى الصورة كاملة، فيما رأينا عدم القدرة علي التحكم الكامل في الفوكس في لقطات كثيرة، خاصة في محل الكوافيرة، وكانت الكاميرا تهتز كثيرا في متابعة الرجل علي الموتوسيكل.

وإذا انتقلنا إلى الإضاءة في الفيلم فسوف نجد أن التكوين والحالة اللونية في الفيلم يسيطر عليهما اللونان الأزرق والأصفر، مما أعطانا إحساسا بالبرودة والحيرة والانتظار، وكان مفيدا لدراما الفيلم التي تسير في نفس الاتجاه، أيضا لاحظنا ذلك عندما كان عم عزت ينزل من السطوح؛ فنجد الفرق واضحا بين اللون الأزرق في المشهد الأول، واللون الأصفر الطاغي في المشهد الثاني.

بالنسبة لعملية القطع والمونتاج في الفيلم فقد وجد عمروش سهولة في التواصل بين لقطاته؛ فكان يبدأ الحدث باللقطة التأسيسية الواسعة، ثم ينتقل بالمونتاج إلى اللقطة المتوسطة أو المتوسطة القريبة، ثم يرجع مرة أخرى إلى اللقطة الواسعة وهكذا، كانت الكاميرا تتحرك دائما بسبب أن الموتوسيكل يتحرك طوال الوقت، وعندما يتوقف الموتوسيكل كانت الكاميرا تتوقف معه؛ فظهر إيقاع المونتاج متوسطا ويخدم عملية الانتقال بين أحجام اللقطات بنظام معين يشبه إلى حد كبير النظام في الأفلام المصرية الكلاسيكية. هناك عملية أخرى ظهرت كعنصر جيد في الفيلم وهي الصوت، حيث كان تسجيل الصوت مميزا، خلافا لمشكلة ضبط الصوت المستمرة التي تواجة صناع الأفلام في الإسكندرية وفي نفس الوقت جاءت الموسيقى التصويرية كأجمل عناصر الفيلم من وجهة نظري، فهي تعبر عن حالة التخبط وعدم الوضوح والحيرة التي تغرق فيها الشخصيات طوال مدة الفيلم، كما كانت اختيارات توقيتات وضع الموسيقى علي اللقطة صائبة ومناسبة.

في حين جاء السيناريو واقعيا، و كان الحوار مناسبا للشخصيات، وغير مبتذل، اختار عمروش أن يعبر عن الحالة النفسية والمزاجية للشخصيات في مواقف مختلفة بعناصر أخرى كالإضاءة والتمثيل، وتعابير وجه الممثلين، وليس فقط الحوار.

كما لاحظت وجود شخصيات غير مجسدة في الفيلم تسبب الحيرة والقلق لشخصيات الفيلم الرئيسية مثل زوجة عم عزت، كما كان متوقعا أن تجتمع الشخصيات في مكان واحد في نهاية الفيلم، وهذا ما أجده غير مبرر دراميا، حيث يتضح أن ثمة خلل ما في النهاية، وظهر بوضوح عيب أن الفيلم انتهى هنا لأنه فيلم قصير. لاحظت أيضا عدم قدرة الرجل علي أن يتحكم بشكل احترافي في الموتوسيكل؛ فكان يقف ويتحرك كثيرا، كذلك ظهور ممثل واحد مرتين في شخصيتين مختلفتين، حيث ظهر في البداية في شكل الشاب الذي يتحرش بدنيا (الكوافيرة) في المواصلات، كما ظهر في نهاية الفيلم كشاب يوزّع الحاجة الساقعة علي الحاضرين في الزفاف، وكان التمثيل متوسطا أو أقل من المتوسط علي مستوي الأدوار الثانوية، ولكنني وجدت حرفة وخبرة في تمثيل، نبيل نور الدين، وعبير علي ومحمد خميس ومحمد حسن.

#نورالملاح #عمروشبدر #مشروعبلازا #أفلام