ماس الإسكندرية .. يعود


في تمام الثانية، من ظهر الجمعة 25 ديسمبر 2015، قررت على غير العادة أن أنزل وكلي نشاط وحيوية مبكرًا ساعة عن ميعاد اللقاء حول برنامج ماس الإسكندرية لدراسة الفنون للعام 2016، وأتوجه من أبي قير حيث أسكن، إلى مقر "ماس الإسكندرية" دون سؤال أحد من أصدقائي - الطلبة السابقين في برنامج ماس لدراسة الفن - وأن أعتمد على نفسي، وعلى العنوان المبيّن في خريطة جوجول الموجود على صفحة "ماس الإسكندرية" على فيسبوك.. (شارع المدينة المنورة.. المنشية البحرية).

ما أسمعه دائمًا أن مقر "ماس" يقع في شرق المدينة، في أول ميامي - عبدالناصر، لكن مؤخرا نما إلى علمي أنهم يعتزمون الانتقال إلى مكان جديد أكبر وأوسع؛ فخمّنت أن هذا العنوان الموضح على خريطة جوجل هو عنوان المقر الجديد.

ركبت (مشروع) المحطة، ونزلت آخر شارع 45، وسألت هناك كيف أذهب إلى المنشية البحرية التي لم أسمع بها من قبل كإحدى مناطق الإسكندرية قبلي أو بحري! ثم ركبت تاكسي ووصلت المنشية البحرية.

المنشية البحرية.. عزبة أو ضاحية بين القرية والمدينة، شوراعها بين التراب والطين والإسفلت، مليئة بالتكاتك ومبانيها غابة عمرانية بين العمارات الطويلة والمباني القصيرة الريفية من الطوب الأحمر.

ظللت أمشي في شوارعها باحثا عن (شارع المدينة المنورة) وكلي أمل وشك وسؤال "هل يمكن أن توجد مساحات للفن (معاصر أو غير معاصر) والثقافة في العزب والضواحي؟".. أسأل الناس والمحلات وأتوه، وتذكرت فالتر بنيامين وفن التيه في الشوارع والمدينة وذم الـ (جي بي إس GBS).

أخيرا، رضخت واتصلت تليفونيا بصديق؛ فقال لى أنه لا يعرف سوي عنوان ميامي.

وصلت اللقاء متأخرا على عكس ما كنت أطمح، مقر " ماس الإسكندرية" في 2 شارع المدينة المنورة متفرع من شارع جمال عبد الناصر، يعتبر في أول ميامي شرق الإسكندرية.

هو عبارة عن جراج في إحدي الأبنية السكنية في الشارع، مساحته 440 م2 جاري إعداده لكي يكون مساحة للعرض، واستوديو للعمل، ومكتبة للبحث والقراءة مثل مساحات الفنون المعاصرة المختلفة التى تضم برامج عروض ودراسة فنون في مصر والعالم.

الجزء الأول من اللقاء كان مخصصًا للرد علي الأسئلة والاستفسارت والنقاش بين "بيريت شوك" مديرة البرنامج الدراسي لـ "ماس الإسكندرية" للعام 2016 وبين المهتمين والراغبين في التقدم للالتحاق بالبرنامج، واطلعوا على دعوة الالتحاق واستمارة الاشتراك على صفحة "ماس الإسكندرية" على فيسبوك.

بيريت شوك مديرة البرنامج لهذا العام، كانت قد أتت إلى الإسكندرية عام 2012 لكي تعمل على تنسيق المشروع الصوتي "شوارع الإسكندرية" الذي كان تعاونا بين راديو ترام وعدد من فناني المدينة مثل علاء خالد وأسامة حلمي، حيث قاموا بعمل خريطة صوتية لأماكن ومناطق مختلفة في الإسكندرية. بيريت حصلت على ماجستير من جامعة برلين الحرة في الأدب المقارن وفلسفة اللغة ودراسات الفيلم والمسرح، كما عملت كدراماتورج ومنسقة فنية مقيمة في أشكال ألوان( الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية) عام 2011.

أوضحت بيريت أنه على حد علمها أن "ماس الإسكندرية" منذ تأسيسه وهو يسعي أن يكون مركزا ومساحة للممارسات الفنية المعاصرة والبحث متعدد التخصصات والإنتاج والتعليم.

منذ البداية، استطاع مؤسس "ماس الاسكندرية" الفنان ذو السمعة العالمية وائل شوقي بمساعدة آخرين من منسقين فنيين مصريين ودوليين تطوير برنامج متكامل لدراسة الفنون المعاصرة، واستوديو مستقل لإنتاج الفن؛ لاستكمال ما يقدمه تعليم الفنون الرسمي في مصر.

دفعة 2013

كما يسعي إلى أن يكون منصة دولية للأساليب الجديدة المختلفة في إنتاج وتعليم الفن، والتي تحاول أن تصل إلى صورة الفنان المعاصر العالمي، والتي تشبه إلى حد كبير فكرة "الأدب العالمي" مع الفارق الواضح بالطبع في الوسائط. تضيف بيريت أن البرنامج هذا العام مثل الدورات السابقة، يستهدف بشكل أساسي الفنانين المبتدئين، وطلبة الفنون من صانعي الأفلام والفيديو، والفنانين البصريين وفناني الصوت على عكس برامج دراسة الفنون المختلفة في أنحاء مختلفة من العالم، والتي تسعى إلى أن يدرس جميع المهتمين بالفنون سواء كتاب أو نقاد أو منسقين فنيين أو فنانين نفس المنهج والمحتوي والأساليب، في حين أنه يُطلب منهم مشاريع تخرج مختلفة كل حسب اهتمامه.

هذا التوجه العالمى في دراسة الفنون أصبح لديه أصداء عربية تدريجيا وعلى استحياء، وذلك من خلال برنامج "أشغال داخلية" لدراسة الفنون في مؤسسة "أشكال ألوان" في دوراته السابقة.

أعتقد أن توجه "ماس الإسكندرية" للاهتمام بطلبة الفنون والفنانين المبتدئين كأولوية لبرنامج الدراسة – وربما يكونون على حق - يرجع بالأساس إلى سوء وفقر وعقم المناهج البالية والخدمة التعليمية الرسمية التى تقدمها الدولة من خلال كليات الفنون الجميلة، ذات القدرة الفائقة علي التمسك بأساليب وتصورات عن الفن تقليدية ومحافظة وفاشلة تماما في تلبية حاجات الحياة المعاصرة، والتعاطى والتفاعل مع الواقع المعاش المركّب والمعقد.

تقول بيريت أن مدة البرنامج هذا العام ستكون 9 أشهر، تبدأ من آخر يناير وحتى آخر أكتوبر، تسعي من خلالها إلى تبني منهجية تعليمية غير سلطوية قدر الإمكان، يكون المحاضر فيها ميسّرا للنقاش أكتر من كونه مدرسا يملك المعرفة، وذلك عن طريق المحاضرات والندوات، وورش العمل والحلقات الدراسية والنقاشية، واللقاءات الفردية مع الفنانين والمنسقين الفنيين والكتّاب والمنظّرين والعلماء والمفكرين الزائرين المدعوين؛ بهدف تدريب الطلبة على نظريات الفن المختلفة، والتحليل النقدي لتاريخ الفن، وكذلك متابعة الممارسات الفنية عمليا داخل الاستوديوهات.

يستضيف البرنامج هذا العام الكثير من الفنانين والمنسقين الفنيين والمنظّرين والكتاب من مصر والعالم، من أجيال مختلفة، حيث ستكون الدراسة باللغتين العربية والإنجليزية، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:-

بسام الباروني (منسق ومنظّر فني) وسارة رفقي (منسقة فنية وطالبة دكتوراة في MIT) وكريستين طعمة (مديرة أشكال ألوان والمنسقة الفنية لبينالي الشارقة القادم) وطارق أبو الفتوح (منسق فني) وماجدة مجدي (كاتبة وباحثة ومترجمة) وصلاح حسن (أستاذ تاريخ الفن) وملحق غروب على النيل ( مساحة فنية ومبادرة نشر) ومحمود خالد (فنان) ومنيرة الصلح (فنانة).

وعلى هامش البرنامج الدراسي، سوف يدعو "ماس الإسكندرية" الجمهور المهتم بالفنون إلى محاضرات وندوات عامة مع الفنانين والكتّاب والمفكرين والمنسقين الفنيين خلال هذا العام.

كما يقدم البرنامج هذا العام فرصة عظيمة للدراسة في الخارج والتدريب الدولي، مثلما سافر بعض الفنانين من دفعة 2013 إلى بينالي الشارقة، وكذلك سافر البعض من دفعة 2012 إلى دوكيومنتا 13 (دوكيومنتا: حدث عالمي كبير للفنون المعاصرة يحدث كل خمس سنوات في مدينة كاسل الألمانية) من خلال (سيمينار القاهرة) وهذا العام ستكون فرصة السفر للاحتكاك والتدريب والتفاعل والنقاش والعمل مع فنانين عالميين من جميع أنحاء العالم من خلال (منافيستا).

دفعة 2012

في الجزء الثاني من لقاء الجمعة 25 ديسمبر، جرى النقاش بين بيريت والفنان محمود خالد (المولود في الإسكندرية ويعيش حاليا في تروندايم - النرويج لنيل درجة الماجستير) حول مدارس الفن وتدريس الفنون.

تحدث محمود خالد عن أن فكرة مأسسة الفن في العموم سواء مؤسسات تعليم أو غيرها لا تخلو من سلطوية، وعلى القائمين على العمل في المؤسسات الفنية وطلبة الفنون أن يعوا ذلك، وأن يحاولوا باستمرار "تثوير" الأفكار والمناهج والأساليب ونقدها وتطويرها.

كما ذكر أن تجربته في الإسكندرية - سواء عندما كان طالبا في كلية الفنون الجميلة، أو حتى عندما أصبح فنانا وزار مكتبة الإسكندرية بغرض بحث يعمل عليه - كانت سلطوية وتقليدية إلى حد كبير. في الكلية، كان الأساتذة تقليديين ومحافظين ويُسيّدون أفكارهم وتصوراتهم وأذواقهم على الطلبة، وفي المكتبة يُترك الأمر للموظفين والبيروقراطية.. يسألون كيف لفنان أن يجري بحثا؟ البحث للباحثين والفنان يرسم .. يصوّر .. يُمثّل .. عليك استخراج كارنيه باحث لتطلّع على تلك المصادر .. لماذا تريد تلك المصادر تحديدا؟!

ثم تأتي معضلة هامة فيما يخص مدارس الفن وهي: هل يجب على مدرسة الفن أن تكون معملا معزولا أو "غواصة"على حد تعبير بيريت لاتبالي بالبحرن أم أنها جزء من البحر أو السياق الأوسع الذى خرجت فيه؛ مثل المدينة / المجتمع / العالم حولها؟

يري محمود أن مدرسة الفنون يجب أن توفر مساحة هادئة ومعزولة للبحث والعمل والإنتاج، والمصادر لذلك كجزء أساسي من برنامجها الدراسي، لكن ذلك لا يعنى الانفصال عن السياق الأوسع، وبالأخص على سبيل المثال المدينة التي يعمل ويعيش فيها الفنان، وشهد تغيراتها وتحولاتها وعلاقات الناس المعقدة فيما بينهم بها، وعلاقة الناس بتطوراتها السكانية والعمرانية.

كما أكد على أهمية الرحلات الدراسية، والإقامات الفنية للفعاليات والأحداث الفنية الكبرى في العالم، وشدد على أنه يجب على كل فنان أن يدرك ما الذي يريد أن يحضره؟ ولماذا؟ ومتى وأين؟

تحدثت بيريت كثيرا عن أهمية نموذج المدرس/ الميسر لتفادي أو تقليل سلطوية فكرة المدرسة، وضرورة تنوع المحاضرين والطلاب من خلفيات مختلفة؛ لخلق أجواء جماعية وحيوية للمدرسة.

كما استعرضت تجارب ملهمة من تاريخ المدارس الفنية في العالم من الباوهاوس أثناء جمهورية فايمار الألمانية قبل النازي، حيث خلطوا الحياة بالفن والتصميم وكذلك كوميونة " بلاك مونتن" في نورث كارولينا بالولايات المتحدة، والتي هرب إليها الكثير من أساتذة الباوهاوس وفيها قدم جون كايدج (الأب الروحي لفنون الصوت) أول عروضه التجريبية حيث كان يعيش الأساتذة والطلاب حياة جماعية يتريضون معا ويرقصون ويستمعون إلى الموسيقى، وكذلك يدرسون الفنون التحررية.

وختمت بنموذج من التجارب المعاصرة، وهي تجربة "مركز الدراسات الممكنة" في إحدى أركان الهايد بارك في لندن، والذي قدم فيه الكثير من الفنانين من أنحاء العالم عروضا فنية وسط الناس والجمهور.

الملصق الدعائي لمعرض 2

تأسست "ماس الإسكندرية" عام 2010 بمبادرة من الفنان وائل شوقي، واعتمدت على رأس ماله الرمزي في جلب التمويل إليها، وهناك مجلس استشاري لتحديد أطر العمل بها يضم وائل شوقي وسارة رفقي وصلاح حسن وحور القاسمي (منسقة فنية، مؤسسة الشارقة للفنون) وآخرين.

بدأت "ماس الإسكندرية" ببرنامج دراسة تجريبي عام 2010، وانتهى في مايو 2011 متأخرا ثلاثة أشهر بسبب قيام ثورة يناير، وكان بتنسيق فني من وائل شوقي وسارة رفقي مع اثنين آخرين، حضره 12 فنانا عرضوا أعمالهم في نهاية البرنامج الدراسي في المعرض الأول في "ماس الإسكندرية".

البرنامج الثاني كان عام 2012 لمدة 6 أشهر حضره 21 فنانا ( 15 دائمين و6 بشكل جزئي) وكان بتنسيق فني من دانيلا روز كينج، وقام 18 فنانا بعرض أعمالهم في نهاية البرنامج في المعرض الثاني.

البرنامج الثالث كان عام 2013 لمدة 7 أشهر، وحضره 19 فنانا، وكان بتنسيق فني من سارة رفقي وملك حلمي وبسام الباروني وأوسونسيون مولينوس جوردو، وكانت مصادر التمويل المخصصة لتطوير وإنتاج المعرض النهائي قليلة إلى حد كبير، وتعذر التواصل مع المنسقين والفنان وائل شوقي لكثرة أسفاره وسفر المنسقة المفاجئ، كل ذلك أدى إلى أن الطلاب قاموا بتجهيز وتنسيق ستوديو مفتوح لعرض أعمالهم في شهر رمضان من ذلك العام.

سؤالي المُلّح الآن: أين ذهب هذا العدد الكبير نسبيا من الفنانين خريجي الدفعات المختلفة؟ أين هم؟ أين هي أعمالهم ومعارضهم بصرف النظر عن سؤال الجودة؟

باستثناء فاتن الدسوقي (في متحف الفنون الجميلة) وإسراء النجار (رأيت لها معرضا) وسارة نبيل (رأيت لها معرضا في مؤسسة مدرار – القاهرة) ومخرجي السينما وصانعي الأفلام مارك لطفي ومحمد زيدان، تقريبا لا نعرف عن الباقيين شيئا يذكر.

الملصق الدعائي للاستوديو المفتوح

يبدو هذا العام أن التمويل بحالة جيدة من مصادر خاصة، ومن مؤسسات أوروبية بشكل يكفي لأن يصبح البرنامج لمدة تسعة أشهر بدلا من سبعة، و لكي يعمل الطلاب على تطوير أعمالهم وأبحاثهم ليقدموها في صورة نص أو عرض أو محاضرة أدائية ( مثل أعمال الفنان المسرحي ربيع مروة) من خلال معرض في نهاية البرنامج.

بعد تلقي عدد كبير من استمارات وطلبات المشاركة وفرزها وعمل مقابلات شخصية مع الفنان وائل شوقي، تم اختيار 28 مشاركا ليكونوا طلابا في البرنامج الدراسي هذا العام؛ كثير منهم من الإسكندرية والبعض من القاهرة وحوالي 6 من خارج مصر.

يوم الجمعة 29 يناير 2016، ستبدأ الدراسة في أول أيام البرنامج في مقر "ماس الإسكندرية" في ميامي، وهذا حدث كبير ومهم للفنون في الإسكندرية ومصر والعالم العربي، خاصة الفنون المعاصرة بعدما أغلق " منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة - أكاف" أبوابه في عام 2011، كما يُعد بارقة أمل وطموح في بلد تدَّعي أنها تحارب الإرهاب عن طريق الغلق والتهديد الأمني للعديد من مساحات الفنون والثقافة لأسباب واهية وغير مفهومة!

ملحوظة:- جميع الصور مأخوذة من علي صفحة " ماس الإسكندرية" على فيسبوك

#فاعلياتثقافية #عليحسينالعدوي #ماسإسكندرية #فنونبصرية #وائلشوقي