رصيف صيام .. الثقافة والفن يشربان معك الشاي على المقهى


فوتوغرافيا/عمر عادل

على مدار ما يزيد على ثلاثة أسابيع، وتحديدًا منذ السابع من ديسمبر 2015 وحتى التاسع والعشرين منه أقيمت في مقهى صيام – بشارع شريف بالعطارين – فاعليات ثقافية وفنية ضمها برنامج (رصيف صيام) الذي نظمته مؤسسة انعكاس للفنون والتدريب والتنمية؛ وهي منظمة أهلية سكندرية غير حكومية تعمل في مجال الفنون البصرية والأدائية منذ تسجيلها عام 2007، وذلك ضمن مبادرة تحمل اسم (مبادرة رصيف). تنوع برنامج الفاعليات ليشمل حفلات موسيقية وعروض أفلام، ومعارض رسم وفوتوغرافيا، وعروض مسرح وحكي، وندوات أدبية، وجلسات استماع موسيقية. ولظروف خاصة تم إلغاء الفاعليتين الأخيرتين اللتين كان من المفترض بهما أن يختتما برنامج الشهر، ويختتما العام بأكمله.

سألت المخرج المسرحي أحمد شوقي – صاحب فكرة الفاعلية والقائم على إخراجها – عن الفكرة وخلفيتها وآفاقها، كنا نجلس على رصيف صيام – بالفعل وليس مجازًا– وفي مواجهتنا فندق الدستور العتيق ذو الواجهة العريضة المقشرة بنوافذه القديمة ومظهره الفقير والحميم، بيننا مائدة صغيرة عليها صورة قديمة للمقهى وجملة صغيرة عن تاريخه الذي بدأ في ثلاثينات القرن العشرين، وفوق المائدة صينية عليها كوبان من الشاي بالنعناع يتصاعد بخارهما ويتلاشى سريعا في برد ديسمبر. كعادته وبعد لحظة صمت متروٍ اندفع شوقي يحدثني بحماس متزن عن طموحه وطموح فريقه وأصدقائه في إيجاد مساحة ثقافية وفنية مختلفة قادرة على التواصل مع قطاع بعيد بطبعه عن المشاركة في الفاعليات الثقافية وتلقيها، مساحة مفتوحة بالفعل "لمن لا مساحة له" من الفنانين والمبدعين لتقديم أعمالهم، سألته إذا كان ذلك يعني عدم وجود معيار لاختيار التجارب الفنية المقدَّمة فأكد على أن المشاركة مفتوحة لجميع التجارب، وأن الجمهور من الحاضرين – وفيهم قطاع لا بأس به من المهتمين – هو المعيار وهو القادر على تقييم التجارب. سألته عن كيفية إقناعه لصاحب المقهى (المِعلّم حمدي صيام وهو صديق قديم لعدد من المثقفين والفنانين) فأكد أن الرجل رحب بالفكرة، خاصة وأن شوقي سبق وقدم برنامجا من الفاعليات هناك خلال رمضان الماضي بالتعاون مع مؤسسة انعكاس كذلك، وأنها لقيت نجاحا معقولا وترحيبا من صيام؛ خاصة وأن المقهى لا يكون مزدحما عادة في المساء، وقد استطاعت تلك الفاعليات أن تجتذب عددا أكبر من الحضور سواء من الفنانين والمهتمين أو من العابرين الذين تجتذبهم أصداء الفاعليات.

هذا الطموح في أن يكون الفن والثقافة قريبين من الناس ومتفاعلين معهم كان سمة لمشروع شوقي المسرحي الذي بدأ في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهو بعد طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية، واستمر خلال الألفية وإن بدا أكثر إحباطًا ويأسًا قبل أن تمنحه ثورة 25 يناير دفعة قوية جعلته يعود لفكرة العروض المسرحية في الشارع والفاعليات الفنية المتعددة، وكان الوضع خلال السنوات الأولى يسمح بذلك، وربما اتخذت التجربة لديه طابع المغامرة عندما أسس مبادرة (فول تانك) في عام 2012 والتي لم يُقدَّر لها الاستمرار، في محاولة طموحة ومغامرة لربط الثقافة والفن بفعل يومي هو الأكل – وأكل الفول تحديدًا – على عربة مجهزة بشكل فني على كورنيش البحر أمام جامع المرسي أبو العباس، وتقديم الطعام جنبا إلى جنب مع بعض العروض الفنية والموسيقية، أو توزيع نشرة أدبية وثقافية (كان اسمها الفول المصري). طموح شوقي هذه المرة وجد مساندة من عدد من أصدقائه المسرحيين، ومن مؤسسة انعكاس التي تبنت المشروع وأشرفت على تنظيمه.

فوتوغرافيا/عمر عادل

انضم إلينا في جلستنا الكاتب والمخرج والفنان المسرحي أسامة الهواري منسق برنامج الفاعليات وأحد أعضاء فريق مبادرة رصيف. بادرته بالسؤال عن رؤيته للمشروع وطموحه وأهدافه، فاسترسل أسامة يحدثني بداية عن وجاهة اختيار المكان؛ المقهى كمكان طبيعي للتجمع، وكجزء أساسي من روتين التحرك اليومي للفنان – هو شخصيًا كنموذج وعدد كبير من المسرحيين وغيرهم – بالإضافة إلى كونه منطقة تقاطع مع آخرين، هؤلاء الذي ينظرون إلى وجود الفنانين وتجمعاتهم ونقاشاتهم وحتى أشكال ملابسهم وتصرفاتهم أحيانا كثيرة باستغراب قبل أن يتقبلوا وجودهم دون احتكاك حقيقي بهم. وكان اختيار صيام كذلك لطبيعتها الخاصة كمكان وسط: ليست معروفة ومكرسة كمقهى للمثقفين وحدهم، ولا هي رافضة لوجودهم ومقصورة على جمهور عام محدد. وكانت تجربة رمضان مهمة في رسم مسار وشكل الفاعليات في (رصيف صيام)، إذ تم الالتفات لشكل التنظيم وأخطائه ونقاط قوته وضعفه، وكان لفريق العمل المساعد كما يقول الهواري دور كبير في تنظيم واقتراح وإدارة الفاعليات، وقد شمل الفريق العديد من المتطوعين المتحمسين منهم الشاعر الشاب أنطون عياد، والممثلة المسرحية منة ماهر ومساعدة الإخراج المسرحي مروة عامر – والأخيرتان طالبتان في قسم المسرح بكلية الآداب – وشادي عماد منسق برنامج السينما، وقد روعي في بناء البرنامج التوازن سواء في أنواع الفنون والفاعليات المقدمة، أو في أسماء من يقدمونها لتشمل تجارب شابة واعدة وتجارب أقدم وأكثر رسوخا وتحققا.

فوتوغرافيا/عمر عادل

سألت أسامة إذا كان الموضوع سيستمر في صيام فقط؟ فأكد أن التجربة مخطط لها أن تعاد في أماكن مختلفة، وربما بفريق مختلف حتى لا تفقد سمت التنوع والابتكار أو حالة الحماس الموجودة.

ترددت على صيام بعدها تقريبا بشكل يومي وإن منعتني ظروف العمل من حضور الكثير من الفاعليات، إلا أنني في كل مرة كنت ألاحظ ازدياد أعداد الحضور واستمرار وجودهم لفترات أطول من الليل، كما بدأت تظهر وجوه كانت قد اختفت منذ فترة طويلة، كان ذلك شيئا مبهجا لي خاصة وأنني كنت قد هجرت الجلوس على صيام لسنين طويلة، الجدير بالانتباه في التجربة أنها لم تقتصر على الفاعليات الفنية والثقافية بل امتدت لتعيد تشكيل المكان نفسه، فتم دهان المقهى من جديد وازدانت حوائطه بكتابات مختلفة وعـُلـِقت على مراياه بوسترات الفاعليات المختلفة التي تجرى في الإسكندرية، والأهم هو تغيير الحمام القديم المتهالك للمقهى، والذي كان دخوله لسنين طويلة يتطلب قدرة تحمل ومهارات خاصة بأولي العزم أو ذوي الحاجات المُلّحة.

بقي لي أن أسأل المخرج المسرحي أحمد أبو النصر أحد مؤسسي انعكاس ومديرها، ورغم أني قابلته كثيرا خلال زياراتي المتكررة، إلا أني فضلت أن أرسل له أسئلتي مكتوبة، وقد كانت إجاباته – كعادته – منظمة ومنهجية.

فوتوغرافيا/عمر عادل

ردًا على سؤال حول دور انعكاس وطموحها من برنامج (رصيف صيام) قال أبو النصر أن :"انعكاس تتحرك نحو تحقيق عدد من المشروعات، بعضها نرى أنه قادر على إيجاد الموارد اللازمة له من طرق تشغيله، وهو أمر صعب لكننا في انعكاس نسعى لتحقيقه في إطار سياستنا العامة التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل في إطار الالتزام التام بالأطر القانونية العاملة حتى وإن لم نتفق معها أو مع آلياتها، ومشروع "رصيف" هو أحد تلك المشروعات التي يمكن تسميتها بالمكتفية ذاتيا ولو نسبيا. ومشروع "رصيف"‘ بدأ من مقهى "صيام" بحي العطارين بالإسكندرية؛ لكنه ليس - كما ظن البعض - مشروعا مرتبطا بالمقهى ارتباطا مكانيا، بل هو مشروع متنقل فهو لا يسعى فقط لتقديم خدمات ثقافية خارج المساحات التقليدية؛ بل هو ضمنا وبالأساس يفتح أبوابا أمامنا وأمام غيرنا لإعادة التفكير في إمكانات مساحات أخرى لم تكن مخصصة مسبقا لتقديم خدمات أو منتجات ثقافية. لذلك بعد شهر وبعد أن ترك مشروع "رصيف" مقهى "صيام" فقد ترك المشروع بصمته على المقهى ووضعه في دائرة الاحتمالات أمام آخرين، وأمامنا أيضا مرات أخرى، وهكذا ننتوي أن نتحرك في أماكن أخرى نضع عليها بصمة تسمها بالقدرة على تقديم خدمات ومنتجات ثقافية لم تكن معهودة. ونحن نرى تداعيات "رصيف" بما فاق توقعاتنا إذ بدا لنا الآن أن المشروع يتحرك وكأنه قافلة من الموالين للفكرة الذين تنامى ولاؤهم وعددهم عبر وقت قصير. ويكمن دور مؤسسة انعكاس في إضفاء الصبغة القانونية للمشروع، فضلا عن إضفاء بعض الضمانات الاستراتيجية بما يكفل استدامة للمشروع."

بشكل شخصي أعتقد أن الخمس سنوات التي تلت يناير 2011 بكل أحلامه وإحباطاته، شهدت حركة كبيرة بين الفنانين والمثقفين في الإسكندرية، خاصة الشباب منهم لخلق مساحات ومبادرات فنية مستقلة، بعضها اتخذ شكل المشروع التجاري وفشل في الغالب، وبعضها تمسك بالنقاء الفني وفشل أغلبها في البقاء لقلة الموارد، وحاول بعضها أن يقيم علاقة واقعية متوازنة بين الطرفين، وأعتقد أن (رصيف صيام) كان مثالا ناجحا إلى حد كبير في ذلك. يبقى أن ننتظر ونرى أين سيكون الرصيف القادم.

#عبدالرحيميوسف #صيام #انعكاس #أحمدابوالنصر #أحمدشوقي #فنفيالشارع #فاعلياتثقافية #عمرعادل

38 views