صباح الجمعة


فوتوغرافيا/غادة عصام

تقبع في أعماق ذاكرتي مشاهد صباحات الجمعة: الاستيقاظ متأخرًا قليلاً - أو جدًا، ماما عائدة من السوق، كلنا على مائدة الإفطار؛ إفطار حقيقي بتعريف الكتاب -أطباق من الطعام وخبز ومشروب وفاكهة- وليس ساندويتشات أو شاي بلبن ومعه بسكويت كباقي أيام الأسبوع، أمامنا بعض الوقت كأسرة قبل صلاة الجمعة.

الجمعة هو اليوم المفتوح لبابا، فرصة للطلبات والمناقشات، وهو طبعًا يوم قراءة الجرنان بالتفصيل حيث بريد الجمعة والملحق.

أما في محرم بيه حيث تيتا وجدو فيجئ الجمعة بإفطاره "الملوكي" كما كان يسميه أبي، وبجمعٍ من الأطفال-أولاد وبنات خالاتي وأخوالي- يعلن جدو بحزم مرارًا وتكرارًا أننا هنا على راحتنا "محدش يزعق لحد م العيال هنا"؛ فنأخذ أجازة مؤقتة من المذاكرة والاختبارات الأسبوعية التي تنتظرنا يوم الأحد، ونذهب إلى حفلة 10 في سينما أمير قبل أن تنقسم إلى 6 صالات عرض، أو نزهة صباحية في الشلالات، أو النزهة حين كانت بحق حديقة للحيوانات، وبها بحيرة للبجع وجبلاية للقرود.

في صيف طفولتي يرتبط الجمعة طبعًا بالبحر. إعداد الساندويتشات والكولمان والتُرمس، لعب البحر والفوط والكاش مايوه. كراسي البحر والشمسية، المايوه تحت ملابسي وشرائطه الملونة مربوطة أسفل عنقي. ثم نحن جاهزون للانطلاق.

Pause طويل في ذاكرتي. أنا الآن كبيرة بما يكفي لأن تتوقف "سفرة الملك": لقيمات صغيرة من أنواع مختلفة من الطعام متراصة أمامي في طبق وما عليّ سوى وضعها في فمي ومضغها، وأن تتوقف الشواطئ عن استقبالنا بالكراسي والشمسية، ثم تتوقف عن استقبالنا تمامًا، وأن يغيب جدو وتيتا أعقبهما بابا نفسه، وأن يتوقف إفطار الجمعة بدوره، من يستيقظ يعد لنفسه شيئا ما وهو يشاهد التلفزيون، أو يتفقد أحد أجهزته الإليكترونية.

Pause قصيرة. الجمعة يوم المظاهرات.

فوتوغرافيا/غادة عصام

أتذكر في منتصف 2011 عندما قررنا -أو بالأحرى قررت مجموعة ما ممن نصبوا أنفسهم متحدثين رسميين باسم الثورة- أنه لا مظاهرات اليوم، وجدت صعوبة شديدة في تذكر ماذا كنت أفعل يوم الجمعة قبل عدة أشهر. كنا مشغولين بصنع المجد والتاريخ -أو هكذا كنا نقول لأنفسنا- فاضطررنا إلى إفساح مكان في الذاكرة لذلك. هل جاء هذا على حساب ذكريات أخرى؟ فتحت حسابي على فيسبوك؛ لأنني للحظة خفت أن يكون قد تغير القرار-أو لم يلتزم به الجميع- فتفوتني مظاهرة من تلك التي نقطع فيها شارع بورسعيد من امتداده عند القائد إبراهيم حتى نهايته في سيدي جابر، حيث مقر المنطقة الشمالية العسكرية، وأشعر بالذنب. وجدت الهوم بيج هادئة وحميمية، ويشاركني عدة أصدقاء في السؤال الذي أصبح محيرًا، وماذا كنا نفعل يوم الجمعة؟ يجيب أحدهم على صديقة بعد أن رد عليها عدة أشخاص بأنهم محتارون كذلك "روحوا اتغدوا عند جدتكم يا جماعة، وريّحوا شوية مالكم! "حسنًا، لا جدة لدي. شاهدت فيلمًا أبيض وأسود وحولت تلك الجمعة إلى ظهر جمعة من طفولتي بامتياز لا ينقصها سوى بابا عائدًا من الصلاة بعيش وسمك مشوي وفاكهة. سأستعيد مجدي الشخصي مؤقتًا حتى نستعيد مجدنا الجمعي التليد.

Pause أقصر. الجمعة يوم الاشتباكات.

أستيقظ صباحًا وأدعو الله بصدق ألا يموت أحد اليوم برصاص أو أي سلاح، وأسترجع "الزمن الجميل" حين كان الناس يموتون لأنهم وصلوا إلى أرذل العمر، أو بمرضٍ أو حادث يحكي عنه الجميع لمدة طويلة. أدرك أن هذا تفكير وخطاب عجائز لا فتاة في أواخر العشرينات، أنحي أفكاري جانبًا وأكثف الدعوة بأن "يارب مشفش حد وهو بيتضرب، ويارب ميبقاش فيه اشتباكات في سيدي بشر". أتذكر الجمع ذات المظاهرات المهيبة في "الأيام الخوالي" حين كان "العدو" واضحًا؛ فأشعر باختناق وأكتم بكائي بدعوة إجمال بعد تفصيل "يارب عدي النهارده على خير" تتحول بعدها إلى "يارب عدي النهارده بسرعة طيب".

اليوم أغادر منزلي صباح الجمعة. أرى مشاهد لم أرها منذ ما بدا كدهر: شوارع مشمسة ومشرقة وغير مزدحمة، وأشخاص يمشون بخطى "طبيعية" وعلى وجوههم بدايات ابتسامة-لا يلهثون وغير متجهمين- الروقان سيد الموقف. على الكورنيش شباب وبنات ورجال وسيدات وأطفال وكبار يتريضون، يجرون أو يمشون بخطى سريعة منتظمة. سيدات وبنات بملابس رياضية وعباءات وملابس حديثة، وبمختلف مظاهر الحجاب وأشكال الشعر. عدد لا بأس به على دراجات، ومجموعة على دراجات بخارية. مدرب حوله عدد من الأطفال والمراهقين بملابس رياضية متواضعة فيما يبدو أنه فريق لأحد مراكز الشباب أو المدارس الحكومية. مجموعات من الشباب والبنات يلتقطون صورة جماعية ربما لنشاط جامعي أو شبابي أو دفعة دراسية. ومجموعة أخرى، أولاد وبنات أيضًا يلعبون الكرة في باركينج سبورتنج.

أشاهد الكورنيش يعج بالجميع من كل الطبقات والفئات. لا يسألك عن تذكرة دخول أو مينيمم تشارج، ولا يتطلب دريس كود أو نيم تاج. يرحب بساكني الظاهرية وكفر عبده على قربهم وبعدهم. ويستوعب المنقبة وذات البوني تيل على حدٍ سواء. مساحة عامة وخاصة في ذات الوقت بدون توتر أو أحكام أو صخب. أبتسم، وأتمنى أن تكون صباحاتي كلها مثل هذا الصباح رغم أنني غادرت المنزل بدون إفطار. لا أتمكن من خداع الذات وقتا أطول؛ فأفكر فيه كوقت مستقطع صباح الجمعة في محرم بيه.

خلود سعيد

16-5-2014

#خلودسعيد #ذاكرة #غادةعصام #البحر

149 views