داء الحنين .. داء الـ حماده


الحنين، النوستالجيا... هي السمة الغالبة في كل ما يكتب عن الإسكندرية والزمن الجميل والعصر الكوزموبوليتان وزمن التعايش والتسامح الديني والعرقي إلى آخره... هذه هي فحوى أغلب الكتابات، إن لم تكن كلها عن الماضي البعيد والقريب أو الإسكندرية بشكل خاص.

أولاً دعونا نفسر معنى الحنين أو النوستالجيا، أو بالأحرى لنا أن نعود إلى أصل الكلمة اللغوي. كلمة نوستالجيا أصلها يوناني Νοσταλγία وتنطق باليونانية "نوستالغيَّا" وهي موجودة في لغات أخرى بنفس المنطوق تقريبًا، نوستالجيا، نوستالجي إلخ... وهو لفظ مركب من كلمتين Νόστος (وتنطق nostos) وتعني "الألم" و άλγος تنطق "ألغوس" algos وحرف الـ g باللاتنينة ينطق "غ" باليونانية أو غاما كما هو معروف للبعض، وتعني "العودة إلى الوطن" ــ إذن فالمعنى الأصلي الحرفي هو ألم العودة للوطن، ويأتي الوصف في أغلب معاجم اللغة اليونانية كالتالي (ألم روحي، مشاعر حلوة ومريرة تسببها لهفة الإنسان واشتياقه إلى شيء مستحيل، مثل العودة إلى الوطن أو الحبيب أو إلى لحظات سعيدة عشناها في زمن الطفولة).

وبناءً عليه:

أرى أنه عندما يتم الحديث عن الإسكندرية الهلينية والهلينستية والكوزموبوليتانية من أبناء جيلي فهناك ثمة افتعال واستعارة مشاعر مزيفة؛ لإضفاء ثقل على النصوص المكتوبة أيًا كان نوعها، ومنحها بُعدًا إنسانيًا كاذبًا... وهو أمر أشبه بتسول شاعر لصور غريبة فقط ليضفي على نصه شيئًا من الرطانة والجزالة الفائضة، فببساطة نحن أبناء هذا الجيل لم نعش تلك الفترات، وليس لدينا أي مخزون من المشاعر الحقيقية عنها. كل ما لدينا هو بعض الصور والكتابات والحكايات على اختلاف أنواعها سواء أدبية أو تاريخية غير محققة، وليس فيها ما هو مؤكد بالطبع، فلو أنها من مؤرخين فليس هناك ثمة مؤرخ محايد أبدًا، ومن يدعي هذا فهو أفَّاق. فكل ما جاءنا أو أغلبه، وما هو مدون من التاريخ، وما تم تحليله من أحداث تاريخية وسياسية لم يكن فيها أي نوع من الحياد أو التحليل العلمي المنهجي ــ وليس لدينا الكثير من الباحثين المتميزين والمتمرسين الذين يمكن الاعتماد على ما يقومون به من أبحاث إلا من رحم... إذ أن الباحث هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يكون محايدًا؛ لأنه يسعى إلى الحقيقة، نعم، الحقيقة، مرة أخرى، الحقيقة... وكلمة الحقيقة كما جاءت على لسان آبائنا اليونانيين القدماء ــ في اللغة اليونانية Αλήθεια وتنطق Αlithia وتعني (الشيء العصي على النسيان، الشيء الذي لا يُنسى) فهي عكس كلمة λήθη وتنطق Lithi أي النسيان ـ غياهب النسيان.... فإذا كنا نبحث عن الحقيقة في التاريخ والتراث فليس هناك متسع للتعامل الصبياني مع الأحداث والتاريخ، ونزف مشاعر مستعارة ومتكلفة عن شيء لم نعشه، وليس لدينا معلومات صلدة وحقيقية عنه. هذا لو كنا نبحث عن /أو في "الحقيقة". لذا فإن وجب الحنين فليكن لفكرة الحقيقة ذاتها، هذا وإن كنت أعتقد أن الأفكار والمشاعر هما ذات الشيء. وربما يأتي هنا دور الأدب، كتابات البشر، الشعوب، الناس، البسطاء، تلك التي تُخلد أفكار الناس ومشاعرهم، تلك التي تصف لنا الحياة اليومية للبشر... (سيأتي الحديث عن هذا باستفاضة!)

أحب أن أُعرِّف الوطن بأنه "فترة الطفولة"، كل مايعيشه المرء في طفولته، هذا هو الوطن الكامن في نفوسنا، وهذا النوع من الحنين مبرر وهو ما أفهمه. أما أن يكون الحنين إلى عصور وذكريات آخرين، وكتابات وتوصيفات لأحداث تاريخية بشكل منتقص ومجتزأ فقط لتبرير رأي سياسي، أو فرض قناعات المستعمرين والمحتلين والمنتفعين، والحكام وزبانيتهم على اختلاف مللهم وألوانهم ومصالحهم الشخصية والعرقية إلخ... فإلى ماذا تَحن عزيزي الــ (حماده)؟ إلى زمن العظمة والأناقة والشياكة والنظافة والرقي الكوزموبوليتاني؟ هل تَحنُ إلى زمن الحريات وتعدد اللغات في شوارع الإسكندرية؛ فتفتنك المشاهد في الروايات المسموعة والمقرؤة أن فلانًا كان يسير في شوارع الإسكندرية في أوائل القرن العشرين وسيل من اللغات ينهال على أذنيه، وهو يدخل إلى أحد محال الأثرياء ليشتري لوحة لرسام عالمي، يدفع فيها جنيهات قليلة بالنسبة لك الآن، وبالنسبة لعصره كانت ثروة قرية بأكملها؟ هذا الحنين عزيزي الــ (حماده) هو محض هراء، محض ضراط خيالاتك الجامحة للهروب من الحقيقة، ومن واقعك البائس...

هذا الحنين هو فشل التعامل مع الواقع، الحاضر، بل هو بالأساس فشل في التعامل مع الماضي ذاته.

الحنين بالنسبة للكثيرين هو العيش في خيالات ماضٍ لا توجد عليه شواهد مؤكدة، ودلائله هي محض إرهاصات وتفسيرات ملفقة لأوضاع تاريخية في الأصل لا نعرف عنها الكثير؛ فيلجأون إلى ملء فراغاتها بمشاعر صبيانية؛ لنسج صورة شبه كلية تميل إلى الكمال.

لو كنت تعاني من غازات الخيالات يالــ (حماده)، فحنانيك، أمسك عليها قليلاً وتخيل نفسك في ذلك المشهد السابق وحدد موقعك، هل أنت صاحب المحل؟ أم الزبون؟ أم البائع؟ أم السائر المتفرج على السيدات الأنيقات الملتفحات بالفرو والسواريهات، وفصوص الألماس تشير إلى نهودهن ورقابهن البيضاء، والرجال بالحلل الثمينة؟ تخيل نفسك يا ابن الأرض السمراء، وحدد موقعك من الإعراب في هذا المشهد، ربما تسير أو تقف تخبئ نفسك بين زمرة من الأصدقاء على أحد النواصي المظلمة، تلملم جلبابك الوحيد المتسخ، وتجرجر أقدامك على الأرض كي تواري ثقوب حذائك، (إن كنت ترتدي واحدًا)...

هل تعلم أيها الــ (حماده) كم كان عدد أبناء جلدتك في الإسكندرية آنذاك؟ ماذا كان وضعهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟ هل تعلم كيف كانت أوضاع الجاليات الأجنبية في مصر؟ هل تعلم شيئًا عن المعاملات الخاصة والمحاكم المختلطة؟ هل كانت الجاليات الأجنبية المكون الأساسي لكوزموبوليتانيتك الحمقاء حليفة للاستعمار مثلاً؟ ربما لا... لكن هل كانوا منتفعين بتلك الأوضاع؟ مثل القوانين الخاصة؟ هل تعلم يالــ (حماده) أنهم على الأرجح لم يكونوا من دافعي الضرائب للدولة المصرية؟ هل تعرف أن كل إسهاماتهم الحضارية كان مردودها آنذاك حصريًا لهم، ولا تهدف غالبًا إلا إلى زيادة أرباحهم؟ كيف كانت أوضاع أجدادك المصريين على مر العصور الكوزموبوليتانية؟ هل فكرت يومًا في الفقراء آنذاك يا حماده؟ ضع نفسك وأهلك ومعارفك في الصورة آنذاك وحدثني... أنت فقط تحلم وتهذي بالمستحيل، وأن جميع أبناء هذه الجاليات كانوا منخرطين في الحياة مع المصريين، ويعيشون حياتهم ويأكلون من طعامهم، ويهتمون بهمومهم، وتسول لك غازات خيالاتك أنهم كانوا جميعًا مصريين، ولا ضير في أنهم كانوا يتحدثون لغات أخرى ولا يتعاطون مع المصريين... تخيل نفسك، لا؛ لا تتخيل... ضع نفسك في الصورة وصف لي حنينك يا حماده! وإذا لم تعجبك تلك الصورة فأطلق بعضًا من غازاتك نحو عصر آخر اختره أنت بدقة، عفوًا؛ فليس للدقة هنا مجال. اختره أنت بحنين الـ (حماده) إلى حواديت قبل النوم. هكذا وأنت تسير في شوارع الإسكندرية على ضفاف أكوام القمامة، وتشعر أنك تسير في الغابة وتنتظر ست الحسن والجمال أن تدلي لك شعرها لتتسلقه وتغرقا في غرام أسطوري. أو دعني أؤجج غازات خيالاتك وأقول أنك تنتظر ست الحسن والجمال الأرمينية أو اليونانية أو الإيطالية، يهودية كانت أو مسيحية، تغمز لك أنت المصري السكندري الوسيم الأسمر بجلبابك المتسخ وحذائك المثقوب، تغمز لك ثم تذوب في عشق رائحة عرقك وجسدك الذي لم يعرف الماء والصابون سوى في الحمامات العمومية مرة كل شهر. هل لديك المزيد من الغازات؟ أطلقها واسترح يا حماده!

لا أريد أن أحبطك أيها الــ (حماده) ولا أن أحطم معابد أساطيرك التي بنيتها على سحابات من غازات خيالاتك، أعلم أن الإسكندرية حالة خاصة في التاريخ وحوض المتوسط وعبر القرون حتى القرن العشرين، لا أريد أن أفتت مفهومك للكوزموبوليتانية، تلك الكلمة التي تعشق رنينها، والتي تخلق كل هذه الغازات لخيالاتك وتطلق لها العنان بسخاء. الكوزموبوليتانية يا عزيزي الــ (حماده) هي "المواطنة العالمية"، المحايدة، هي فقط مصطلح "عادم" كما تقول أمك القروية، إن كنت نسيت منشأها؛ فأخرج من جيبك هاتفك الذكي الحديث "الهاي كوبي" لماركة عالمية لا تقوى جنيهاتك على اقتنائها ــ واسألها ماذا حكت لك جدتي يا أمي عن الكوزموبوليتانية؟ إن لم تسبك فربما قد تحكي لك ما حكته لها أمها عن أقاربها الذين كانوا يعملون بالسخرة، أو بشريحة خبز لدى الأغنياء الكوزموبوليتانيين على اختلاف مللهم وأديانهم، ستحكي لك الكثير مما سمعته من أمها وجدتها، وأنا على ثقة أنك ستصم آذانك، وإن سمعت ستتهمها بالجهل سرًا أو علانية، أنت يا خريج الجامعة وقارض الأوراق المتثاقف، وهذا لأنك تعبد ما غزلته لك غازات خيالاتك عن وطن أو مدينة كوزموبوليتانية، هي بالأساس صورة "هاي كوبي" ليست أصلية لصورة أخرى لوطن تحلم به.

إن أحزنتك كلماتي عزيزي الــ (حماده) فلا تعرها أي انتباه وأطلق العنان لغازات خيالاتك وعش سعيدًا. لكن ثق أنني لا ألومك أبدًا. فكلنا نعيش على أرض الــ "هاي كوبي" وفي زمن الــ (حماده).

#خالدرؤوف #شارع #تاريخ #اليونانية

114 views