مقهى سيليني .. الكتابة عن مدينة لا نعرفها


* (مقهى سيليني) رواية أخرى تتحدث عن الإسكندرية. "إنها الإسكندرية، رقعة الشطرنج الكبيرة، مدينة الشوارع المتوازية والمصائر المتقاطعة..."

وأسماء الشيخ: كاتبة مصرية من مواليد الإسكندرية، تخرجت من كلية الطب. (مقهى سيليني) هو عملها الروائي الأول، وقد أُنجز في "محترف نجوى بركات" في دورته الثانية (ربيع 2013 – ربيع 2014) التي أقيمت بالتعاون مع وزارة الثقافة في مملكة البحرين، ونشرت الرواية دار الآداب – بيروت 2014، إنها الخطوة الأولى المثالية التي يتمناها أي كاتب، فماذا قدَّمت أسماء وكيف استفادت من تلك الخطوة؟

* إنها الإسكندرية التي كانت، عادت الكاتبة إلى أزهى أيام المدينة، حينما كانت تنعم بذلك الاختلاط الرائع بين الأجانب والمصريين في مجتمع استقبل المهاجرين من الداخل والخارج واحتواهم وصنع منهم تلك النكهة الرائعة التي ميَّزت مدينة الإسكندرية.

عائلتان ومكانان، عالمان كان من المفترض في أي مكان – غير الإسكندرية – ألا يلتقيا، ولكن في هذه المدينة هذان العالمان يصنعان واقعًا واحدًا.

الشيخ القادم من رشيد هاربًا من سيرة أبيه الطيبة المسيطرة والفتاة التي هربت من واقع الفقر المؤلم المسيطر في قريتها الإيطالية النائية إلى روما الرائعة "في ظهر منزل الحجَّام يقع مقهى سيليني الإيطالي" ص 51 من الرواية.

* في هذه الصناعة السيمترية المتوازية تعتمد الكاتبة على (3) أشياء:

- المكان

- الزمان

- الشخصية

أولاً: المكان:- هو المحور الأساسي للرواية، والمكان هنا هو مدينة الإسكندرية التي تصب الأماكن الأخرى فيها.

(مقهى سيليني) هي من روايات الإسكندرية إذا صحت هذه التسمية، ومن الإسكندرية تختار حيّ (العطَّارين)، وهو الحي الذي يمثله شارع العطَّارين الذي يتوسط المدينة رابطًا شقها الثري بشقها الفقير، جزء يسكنه الأجانب بشكل كبير وجزء يسكنه أبناء البلد، فبيت "الحجَّام" الذي يمثل شق أبناء البلد، يستند لظهر مقهى سيليني الذي يمثل شق الأجانب.

اختيار الكاتبة للمكان هو اختيار واع وذكي يُحسب لها، فروايات الإسكندرية دائمًا ما تحظى بالمعجبين، لكن الاختيار هو نقطة البداية فقط، الأهم هو كيف تعاملت الكاتبة مع اختيارها.

اعتمدت الكاتبة على المكان الداخلي وليس الخارجي، فوصفت البيت والمقهى بتأن وتفصيل، ولم تتطرق للشارع من الخارج إلا لمامًا، وحتى عندما وصفت المكان الخارجي راحت للحارة أكثر من الشارع ووصفتها من خلال قاطنيها (القهوجي – اللبان – الكمساري – مبيض النحاس...) ولم تصفها من خلال مبانيها، وكأنها تخشى أن تصف شيئًا تجهله، لهذا فإنك تقرأ الرواية ولا تشعر أنك قد رأيت الإسكندرية. ويزيد من ذلك هذا التخبط الشديد الذي وقعت فيه الكاتبة وهي تتجول داخل المدينة، فالكاتبة سكندرية، وعندما يقرأ سكندري رواية تتحدث عن مدينته، فإن أول ما سيلتفت إليه هو خريطة المكان؛ فإذا جاءت الخريطة مرتبكة فإن القارئ سيفقد ثقته في المعلومة والوصف.

الارتباك يظهر مبدئيًا في الخلط بين (الحارة) و(الشارع)؛ فبيت الحجَّام يقع – حسب وصف الكاتبة – في حارة متفرعة من نهاية شارع العطارين بالقرب من شارع فؤاد، ص 36 تقول واصفة جيران بيت الحجَّام (سكان الحارة) أو (نساء الحارة) أو (أهل الحارة) .. ثم تعود في نفس الصفحة وتقول واصفة المكان (شارعهم الجانبي) .. وهكذا طيلة الرواية تسميها الحارة تارة وتارة الشارع.

ثم تزيد الأمر ارتباكا في ص 45 المقطع الأخير عندما تذكر الترام الأصفر الذي يلتف حول "شارع" بيت الحجَّام، والواقع أن الترام لم يمر أصلا في شارع العطارين أو في حواريه، فالترام يصنع مربعا حول المكان كله ولا يقتحمه.

وسنذكر فقط (3) ملاحظات حول الخريطة المرتبكة للمكان، آخذين في الاعتبار أن الكاتبة اعتمدت التسجيل الواقعي وليس المتخيل للمكان:

  1. الفصل التاسع من الرواية الذي يتحدث عن السيرك الذي نصب خيمته في ساحة "المرسي أبو العباس" في المولد النبوي وأرسل قردا يدور في الحواري راقصا ليعلم الجميع أن الاحتفال قد اقترب. كان من المفترض أنه يدور في حواري بحري القريبة من المرسي أبي العباس، لكن الكاتبة تقول (وقف عبد الله مع رقية أمام منزلهما يصفق للقرد الصغير الدائر في الحواري) ص 81 من الرواية... ولأن المسافة بين العطارين والمرسي أبي العباس بعيدة لدرجة لا تسمح للقرد بهذا التجول فإن الأمر يبدو غريبا، وبالتالي فإن تدفق أبطال السيرك على منزل الحجَّام يصبح غريبا (وامتلأت دار الحجَّام بأبطاله) ص 81 من الرواية.

  2. في الفصل الحادي عشر من الرواية تقول الكاتبة (عند خروجها من العطارين نحو شارع فؤاد كانت السماء قد فتحت صنبورها ... احتمت تحت سقيفة تظلل محل (باتا) للأحذية ... رأت رجلا يخرج مسرعا من سينما ريالتو) ص 100 من الرواية. السرد يعني أن رقية كانت في شارع العطارين ولم تصل بعد إلى شارع فؤاد، والواقف أمام (باتا) العطارين لا يمكنه بالطبع أن يرى سينما ريالتو!!

  3. تقول الكاتبة في الفصل الرابع عشر من الرواية (وجد ماركو نفسه في الشارع مرتديًا بيجامة النوم ولا يستطيع الصعود إلى شقته. سار – هو وبيتا – نحو شارع أبو قير عابرا إلى جوار تمثال الإسكندر الرابض على حصانه في الميدان....) ص 134 من الرواية.. وأي عارف بمدينة الإسكندرية سيدرك على الفور استحالة أن يجد (ماركو) وهو يسكن بمحرم بك نفسه في شارع أبو قير، كما أن تمثال الإسكندر الذي تذكره الكاتبة لم يكن موجودا بالميدان في ذلك التاريخ.

إن الكتابة عن المدينة من خلال الواقع المعاصر تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر ومعرفة بكافة التفاصيل، وعندما تكون الكاتبة سكندرية تنتمي للمدينة وتعرف خريطتها وتتحدث عن وسط المدينة التي لم تتغير شوارعها، فإن الأخطاء البسيطة قد تكون كارثية، وفي رواية تتحدث عن المكان ذاكرة أسماء شوارع وميادين وحواري وترتكب مثل هذا الخلط الغير مبرر، يكون هذا أمرا يصيب الرواية بالعطب في صلب محورها الرئيسي (المكان).

ثانيا: الزمان: -

(مقهى سيليني) يرجع بالزمن للوراء فيتحدث عن الإسكندرية في أوائل القرن العشرين. والاختيار الزمني ذكي، فهذه الفترة كانت تمثل قمة رواج مدينة الإسكندرية كمدينة عصرية تستقبل وتحتضن العديد من الجاليات الأجنبية التي عاشت بالمدينة وشكلت وجهها الحضاري البارز.

وهذه الفترة التي تمتد بين حربين، كانت أيضا تمثل قمة الصراع بين الثراء والفقر وانفتاح سوق العمل وازدياد نسبة البطالة، وبنهاية الحرب العالمية الثانية لم يستمر رواج المدينة الكوزموبوليتاني إلا أقل من عشرين عامًا، عندما بدأت موجة الهجرة الأخيرة للأجانب من مصر في ستينات القرن الماضي.

تبدأ الرواية من تاريخ غير محدد، وقد نما بيت "الحجَّام" وازدادت زبائنه، و(رقية) ابنة الحجَّام فتاة كبيرة ناضجة. وتنتهي الرواية بتاريخ غير محدد أيضا.

هي الفترة التي تبدأ مع نمو منزل الحجَّام وازدياد عمله ومعرفته بـ "صدّيق" شيخ الموالد، ثم مرضه وموته واندماج منزله مع مقهى سيليني.

لكن الرواية تستخدم تقنية الرجوع الزمني (الفلاش باك) كثيرًا، فتعود إلى زمن شراء منزل الحجَّام – قبل زواجه – وقبل ذلك تعود إلى شراء عائلة شندي للمنزل وما حدث لها ورحيلها عن المنزل، بل وتعود إلى فترة وجود الشيخ حسين (الحجَّام) في رشيد قبل مجيئه للإسكندرية.

وفي السرد الزمني لقصة مقهى سيليني فإن الرواية – في الفصل الخامس – تبدأ من لحظة ازدهار المقهى وعودة الخال إليه بعد موت الأم، وترجع أيضا بالفلاش باك لفترات من وجود العائلة في إيطاليا حتى قدومهم لمصر وشرائهم المقهى، وفترة ما قبل المقهى (ستوديو سيليني)، فتبدو الخريطة الزمنية لمصائر وتاريخ المكانين واحدة.

وفي الحالتين هناك ما قبل النشأة (عائلة شندي بالنسبة لبيت الحجَّام وستوديو فنجلي لمقهى سيليني) وأحيانا ما يتطرق السرد لذكر تواريخ زمنية وكثيرًا ما لا تُذكر، والحقيقة إن ذكر التواريخ الزمنية هو الذي أحدث تشوشًا في السرد الزمني وليس العكس، فلم يكن يهمنا متى اشترى الحجَّام المنزل، أو متى اشترى (ألبيرتيني) المقهى، طالما أن الكاتبة تعمدت تجهيل الزمن، والوقوع في شرك ذكر التاريخ جاء بشكل كبير في رسائل الأم (سيلفانا) إلى أخيها (بيلوتشي) والتي جاءت كلها مؤرخة باليوم والشهر وليس فقط بالسنة، ومنها عرفنا أن شراء مقهى سيليني تم عام 1922 و(جابي) ابن (سيلفانا) يبلغ من العمر سنتين فقط ص 153 من الرواية ..

والوقوع في شرك ذكر التواريخ يجعل الكاتبة تخلط خلطًا غريبًا في الزمن، فبينما رسالتها الأولى مذيلة بتاريخ 10 / 12 / 1919 ص 97 من الرواية.. وتقول فيها (سيلفانا) أن هذا هو شهرها الثاني في ميلانو، تجيء رسالتها الثانية والمذيلة بتاريخ 10 / 11 / 1919 ص 124 من الرواية والمفترض أنها قبل الرسالة الأولى تتحدث فيها عن أخبار لاحقة على الرسالة الأولى (سفرها للقاهرة هي وابنها). لكن الأغرب فعلا أن تأتي الرسالة الثالثة والمذيلة بتاريخ 20 / 12 / 1919 ص 128 من الرواية ... أي بعد 10 ايام فقط من الرسالة الأولى، وقد استقرت فيها سيلفانا بالقاهرة!!!

والتباس آخر تقع فيه الكاتبة (لتورطها في ذكر تواريخ محددة).. تقول (عام 1921 بينما كان زاهر وجابي رضيعين أبلهين ...) ص 112 من الرواية ثم تسرد تاريخ (فنجلي) حتى زواجه وشرائه ستوديو سيليني بالعوار، لأن المفترض أن يكون شراء (فنجلي) للمقهى (الاستوديو) تم في بداية القرن، أي سنة 1900 – 1905 مثلا حتى يمكن أن تصبح ابنته الكبرى (كاترين) في سن مناسبة عام 1922 لتبيع الاستوديو لألبرتيني، لهذا فإن ذكر عام 1921 في وسط السياق جاء مربكا.

وهكذا فإنه في الحالات التي أرادت فيها الكاتبة أن تذكر تواريخ محددة أحدثت ارتباكا غير مبرر وبدون أي سبب مقنع.

ثالثا: الشخصية: -

اعتمدت الرواية في بنائها على شخصيتين تسيران في اتجاهين يبدوان متضادين، (رقية) و(بيتا)، وهي تتتبع تطور الشخصيتين، وترصد تاريخهما عبر الاسترجاع الزمني، فنعرف عن طفولتهما سواء من خلال تذكر الشخصية ذاتها، أو من خلال حدث آخر (كخطابات سيلفانا مثلا)، ويرتبط بناء الشخصيات في الرواية بشبكة متقنة الصنع بشكل كبير، فالشخصية الأولى تعيش في أسرة، والثانية كذلك، ومن خلال تاريخ الأسرتين تتفرع الشخصيات وتظهر كذلك الشخصيات الثانوية (الكثيرة جدًا) فنصل في النهاية إلى شبكة معقدة من الشخصيات التي تتوالد لتربط أطراف الشبكة ببعضها.

هذه هي الشبكة الرئيسية التي يتفرع منها أهل الحارة (سلامة العجلاتي وزوجته سنية ومحمد مبيض النحاس وزوجته عنايات وابنتهما سامية والمعلم عطية صاحب المقهى وحمادة صاحب محل (ألبان الأرض الطيبة) وأم سليم الكمساري وكذلك المحيطين بمقهى سيليني (جون – إيلينا – زاهر ...) وأكثرهم شخصيات هامشية أسرفت الكاتبة في ذكر أسمائهم فنجد لدينا أكثر من 14 شخصية.

في الشخصيات الرئيسية اهتمت الكاتبة بالشخصيات الأنثوية أكثر من الذكور، فهناك (بهجة) زوجة الحجَّام و(رقية) ابنته و(سيلفانا) زوجة ألبرتيني و(بيتا) ابنته، وهناك (عاليه)، أما الشخصيات الذكورية فهناك (الحجَّام) و(ألبرتيني) والباقي شخصيات باهتة (عبد الله، الابن المعاق وصدّيق العطار وجابي ابن ألبرتيني وصديقه زاهر وفنجلي وبيلوتشي) ومن بعيد تطل شخصيات الحبيب كخلفية مساعدة فقط (سليم وماركو).

ويُعد رسم الشخصيات أهم ميزات هذه الرواية، خاصة تصوير ولع الشخصيات بالأشياء (البحر – حلقات الذكر – الترام – السينما ...) وهنا يجب أن نتوقف عند السينما.

كانت (السينما) هي الرابط الأعظم بين شخصيات الرواية، فليست (رقية) العاشقة لنجيب الريحاني فقط هي المولعة بالسينما، لكن هناك (بيلوتشي) الذي جاء للإسكندرية حاملا آلته السحرية ومعه جاءت فكرة (سينما سيليني)، كذلك (جابي) الابن وصديقه (زاهر) وصديقهما العجوز (فنجلي). حتى الأم (بهجة) والابن (عبد الله) الذي يحيا كطفل على الدوام، كلهم يدورون في فلك السينما. والكاتبة المهتمة والمتابعة والشغوفة بفن السينما تصنع من الإسكندرية المدينة الحلم التي تحتضن ذلك العالم السري الذي خرج كالسحر. ولذلك كان طبيعيًا أن يظهر ممثلون بذواتهم (تحية كاريوكا في الملهى الليلي) أو (نجيب محفوظ) في السينما أو (فرانك سيناترا) .. كل هؤلاء جعلوا الأبطال داخل الرواية وكأنهم خارجون من عالم سينمائي سحري. تقول الكاتبة (أعرف أنني لم أكتب لك منذ حفل زفافي، لكنه كان عامًا حافلا، أشعر أنني أعيش في رواية، وأتساءل دومًا متى سأفيق من هذا الحلم وأعود إلى الواقع) ص 148 من الرواية... الشخصيات كلها غارقة في أحلامها الخاصة، والسينما الحلم الأكبر الذي يجمعهم ويجمع العالمين (الحجَّام والخبَّاز) في سينما سيليني.

رابعًا: الإيقاع الدرامي: -

تبني الدراما نفسها بإيجادها إيقاعًا ما يحكم نسقها فتخلق الإطار الواحد المتسق مهما تشعبت وتفرعت دروبه. والكاتب لابد أن يحافظ على هذا الإيقاع وإلا أفلت الأمر من يده وترهلت أحداث عمله، وفيهذا يجب أن يُفرّق بكل اهتمام بين الحدث الفاعل والحدث المُكمّل، ولا يخدعه الجمال فيقع في الثرثرة والإطالة.

وفي الوقت الذي حاولت الكاتبة فيه الحفاظ على نسقها الدرامي في أغلب الأوقات إلا أن هذا السياق أوقفته إطالات ما كان لها داعٍ أو مبرر.

فمثلا وهي تتحدث عن عمل الحجَّام وبداية ذيوع شهرته، نجدها تقع في فخ وصف زبائن الحجَّام عبر ست صفحات من وصف وشخصيات لم تكن مؤثرة أو مفيدة في صنع السياق الدرامي (ص 28 – 33 من الرواية).

كذلك في الفصل الثامن عندما تحدثت عن الحمَّام الشعبي في إطالة كانت تكفيها فقرة واحدة (ص 75 – 79 من الرواية) .... أو المقطع الذي تتحدث فيه عن الجندي الإنجليزي والفتى ماسح الأحذية وهو جزء استطرادي قطع الترتيب الدرامي (ص 93 – 94 من الرواية).

ولعلنا نلمح هنا أن أكثر الملحوظات المتعلقة بالثرثرة والإطالة حدثت عندما تطرقت الكاتبة للحديث عن طقوس فلكلورية، والكتابة عن تاريخ مدننا الشرقية القديم يفتح لنا أبوابا كثيرة للحديث عن مهن وحرف وعادات اندثرت وتبدو الىن في عداد الموروثات القديمة، وهو أمر شديد الحساسية في تقدير أهمية تلك الفقرات وربطها بالحدث الدرامي، لأنها فقرات وإن كانت زائدة فهي عادة ما تبدو جميلة ومدهشة.

وفي رواية (مقهى سيليني) هناك أربع حالات تطرق فيها العمل لذكر حرف فلكلورية مندثرة وهي (الحجامة – الحمَّام الشعبي – مبيض النحاس – النائحات) وبينما جاءت فقرة عمل الحجَّام من أمتع وأجمل الفقرات ومرتبطة تمامًا بالعمل (ص 18 من الرواية) جاءت فقرات الحمَّام الشعبي (ص 76) ومبيض النحاس (ص 25) والنائحات (ص 188) كتزيُّد وثرثرة لا مبرر لهما.

ومن أبرز هنَّات التزيُّد على السياق الدرامي الفصل (23) بكامله، والذي قد يبدو جيدًا إلا أن وجوده في نهاية الرواية جعل النهاية بطيئة ومترهلة، لأن ظهور السيدة الآتية من بلدة الحجَّام لأول مرَّة في الرواية لمجرد أن تقول أن للحجَّام فضلا عليها وأن (إيده فيها الشفا) أمر لا يستدعيه سياق النهاية وبدا كأنه مطب فجائي في طريق سريع.

يبقى أخيرًا أن أشير إلى أن مشاكل صناعة اللغة كانت من الهنَّات التي أصابت الرواية، وبينما الكاتبة تحاول في أولى كتاباتها الروائية أن تصنع لغتها الخاصة وهو أمر يحتاج إلى خبرة لا تأتي سريعًا، فإن على الكاتبة أن تعرف أن الوقوع في فواحش الأخطاء الإملائية واللغوية مثل أن نقول (تحت سرائرهم) وهي تقصد الأسرة جمع سرير وليس سريرة (ص 41 من الرواية) أو أن تقول (والخلخال الفضة في رسغها) والصحيح في كاحلها (ص 46 من الرواية) هو أمر بقدر ضرره الجسيم للعمل فإنه كان يمكن تجنبه بالمراجعة المتأنية فإن جودة العمل ترتبط بمزيد من الحرص على استكمال أركانه وعدم التهاون في أي جزئية كان يمكن تجنبها بالدقة والتدقيق فقط.

في النهاية ...

تبقى رواية (مقهى سيليني) من الأعمال التي تحدثت عن الإسكندرية بحب وهو العمل الأول للكاتبة، التي أعتقد أنها يجب أن تخرج من مرحلة الدراسة والمختبرات الروائية إلى عالم الرواية الرحب، لأن لديها من الإمكانيات والموهبة ما يمكنها – إن أحسنت استغلاله – من أن تأتي بالجديد في عالم الرواية.

#ماهرشريف #أسماءالشيخ #مقهىسيليني #المدينة