هاملت في مكتبة الإسكندرية ... لم يعد مهما أن يكون .. أو لا يكون!


مكتبة الإسكندرية مشكورة قامت بإرسال مجموعة من الدعوات الخاصة للمخرجين المسرحيين، والمدراء الثقافيين لحضور العروض المسرحية الثلاثة الفائزة بمنحة مكتبة الإسكندرية للمسرح 2015 / 2016، المنحة التي أعلن عنها سابقا مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية في الحادي والعشرين من يونيو 2015. وهي منحة مالية للمسرح، للفنانين المسرحيين؛ أفرادًا ومجموعات وكيانات مستقلة، قدرها 20 ألف جنيه مصري لكل عرض مسرحي، وبحد أقصى 3 عروض مسرحية. المنحة ستكون سنوية واشترطت في نسختها الأولى أن تكون العروض المقدمة مستوحاة من كتابات وأعمال الشاعر والكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، والذي تحتفي به مكتبة الإسكندرية بمرور 400 عام على رحيله. جدير بالذكر أن "منحة أفلام البلازا" القادمة والتي يقدمها أيضا مركز الفنون، وهي معنية بإنتاج الأفلام الروائية القصيرة هي الأخرى تشترط أن تكون الأعمال المقدمة للحصول على المنحة مستوحاة من أعمال شكسبير.

في تمام السابعة مساء، يومي 28 و 29 يناير 2016، كانت أولى العروض الفائزة بالمنحة عرض "هاملت"؛ وهو عرض مستقل من إخراج مناضل عنتر. مناضل هو المدير الفني لفرقة الرقص المسرحي الحديث بدار الأوبرا، وكان أحد راقصي هذه الفرقة، تتلمذ علي يد المخرج ومصمم الرقص الاستعراضي وليد عوني، وله تجارب في التصميم الحركي حيث شارك في مهرجانات الرقص التي كانت تقيمها الأوبرا سنويا وقد صمم عدة عروض منذ توليه الفرقة. ومناضل خريج المعهد العالي للباليه وحاصل علي دراسات من قسم التصميم والإخراج. أما تراجيديا "هاملت" المسرحية التي تعد واحدة من أهم مسرحيات ويليام شكسبير. والتي يرجح أنها كتبت بين العام 1600 و 1602 هي من أكثر المسرحيات تمثيلاً وإنتاجا وطباعة، ومن أطول مسرحيات شكسبير، وتعتبر الأكثر تأثيرًا في الأدب الإنجليزي، فهي من كلاسيكيات الأدب العالمي.

1

على مدار يومي العرض ، امتلأت القاعة

الكبرى بمركز المؤتمرات بمكتبة الإسكندرية عن آخرها، بواقع 3200 متفرج في اليومين وفقا لتقديرات مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية. ذلك الحضور الذي يعد الأضخم في العشر سنوات الأخيرة لحضور عرض مسرحي مصري في الإسكندرية - آخذا في الاعتبار العرض المسرحي "ألف ليلة وليلة" الذي تم تقديمه على المسرح القومي من بطولة يحيي الفخراني، وإخراج محسن حلمي، والذي حقق أعلى الإيرادات في تاريخ المسرح القومي، وأعلى نسبة إقبال جماهيري غير مسبوق - خصوصا في ظل "أزمة عزوف الجمهور عن العروض المسرحية" التي يدعي العاملون بالمسرح في مصر، وفي الإسكندرية بشكل خاص وجودها. وأظن أنه بمشهد الحضور على مدار يومي عرض "هاملت" يحتاج العاملون بالحقل المسرحي أن يعيدوا النظر في طرحهم المأزوم، لأن جمهور الحضور في العرض بهذا الشكل ينسف ذلك الطرح من الأساس،مع الاعتبار أن العرض كان بتذاكر فئة الـ 20 جنيها و (10 جنيهات للطلبة ) وليس حضورا مجانيا كما اعتاد العاملون بالمسرح بالإسكندرية تقديم عروضهم بالهيئة العامة لقصور الثقافة أو غيره. أيضا مركز الفنون لم يقدم أي دعم دعائي استثنائي، بخلاف الدعوة التي تقوم بها مكتبة الإسكندرية من خلال الإيفينت الخاص بالفاعلية على الفيسبوك، أو الدعاية من خلال مطبوعات المكتبة الشهرية، كما أفاد الصديق سعيد قابيل منسق برنامج المسرح بمركز الفنون بمكتبة الإسكندرية والممثل والمخرج المسرحي. لكن سعيد أضاف أن الإعلان عن المشروع، ونتائج الفائزين بالمنحة، وأيضا الاحتفال بـ ويليام شكسبير وما صاحب ذلك من زخم ساهم بشدة في الدعاية. وعلى جانب آخر فمناضل عنتر أيضا له جمهور، خاصة بعد أن قدم عددا من العروض المبنية بالأساس على روايات أدبية حققت شهرة واسعة، ومبيعات كبيرة عند صدورها كـ (الفيل الأزرق) لأحمد مراد، و (مولانا ) لإبراهيم عيسى. الجمهور كان متنوعا، لكن بالطبع كانت النسبة الأكبر من طلبة الجامعات، والشابات والشبان من شرائح عمرية مختلفة، و أغلبهم من غير العاملين بالحقل المسرحي بالإسكندرية. وعليه فنحن أمام تجربة فريدة تستحق التحليل والرصد، في لحظة يعاني فيها المسرح، وبشدة، من أزمات عدة أبرزها ضعف الإمكانات المادية، وعدم قدرة المسرحيين على كسب شرائح مختلفة من الجمهور.

2

ذُكر، في المطبوعة الخاصة بالعرض وهي مطبوعة من ورقة واحده مقاس (A5)(cm21*15) أبيض وأسود بوجهيها، وصف قصير من فقرة واحدة لرؤية المخرج للعرض، فذُكر أن العرض هو "رؤية درامية مختلفة لهاملت للكاتب ويليام شكسبير حيث ثلاثة عوالم موازية تصور المأساة من الجزء النفسي الأعمق للشخصيات" وأضاف "رؤية المخرج للنص الأصلي، والتشخيص النفسي لهاملت من خلال علم النفس الحديث، وشعر الشاعر المصري نجيب سرور "أفكار جنونية من دفتر يوميات هاملت" لتصنع تلك العوالم عملا فنيا جديدا يحمل نفس الاسم الأصلي، لكن هاملت بهوية مصرية وطابع عربي".

من عرض هاملت بمكتبة الإسكندرية - فوتوغرافيا/أحمد سمير

وعليه فالمخرج من البداية يحسم أي جدل سيثار حول مدى اتساق العرض مع العمل الأصلي الذي كتبه ويليام شكسبير، حيث أنه يقدم رؤية أخرى مستوحاة من الصراع، مستخدما فقط اسم العرض، والجزء النفسي الأعمق لشخصياته، مستعينا بعلم النفس الحديث الذي تجاوز أن يكون معنيا بدراسة السلوك الإنساني، الظاهر منه والباطن بغية الوصول إلى القوانين العامة التي تحكم هذا السلوك وتضبطه، بل تطور و لم يعد الأمر قاصرا على مراقبة السلوك بواسطة الاستبطان، وإنما تعدى ذلك إلى إخضاع الفرد موضوع التجربة إلى المراقبة والملاحظة العلمية، بالإضافة إلى قصيدة طويلة كتبها نجيب سرور بعنوان "أفكار جنونية في دفتر هاملت". في إعداد مناضل للنص المسرحي عمل على المزج بين أبيات القصيدة وبعض من فقرات النص الأصلي الذي كتبه ويليام شكسبير، وأيضا في بعض الأحيان استعان بأعمال أخرى كقصيدة "يوميات نبي مهزوم" لصلاح عبدالصبور. ركز في بنائه على الاعتماد بشكل أساسي على شخصيات الصراع عند هاملت شكسبير (الأم الملكة، العم الملك، هاملت، بولونيوس الوزير، أوفيليا حبيبة هاملت وابنة بولونيوس، هوراشيو صديق هاملت) وانطلق من هنا لمحاولة قيادة الصراع الذي يتجلى في لحظة كشف هامة تعبر عن رؤية مناضل، وهي التعامل مع الوزير بولونيوس على أنه المسؤول عن إدارة كامل المشهد في الصراع، عندما رأينا الوزير بولونيوس يصحو مرة أخرى بعد أن قتله هاملت في المشهد الأهم في غرفة الملكة عند مواجهتها بما اعتبره وزرا. بعد أن يصحو بولونيس في عرض مناضل يلقي مونولوجا طويلا يلخص فيه رؤية مناضل الكاملة لفكرة الصراع التي يتبناها؛ إن الأمر بيد وزير الملك؛ وزير الملك الذي لايموت، لا يقتل، لا ينتهي، وهنا يبرز التساؤل الذي يتعلق بمدى فهم مناضل لفكرة علاقات القوى في المجتمعات. ينتهي العرض الذي يستمر لساعة ونصف تقريبا بهذا المونولج الذي يسلب كل و أي قدرة على الفعل من أيدي شخصياته الأساسية، واضعا إياهم في خانة المفعول بهم في موضع المُسير، غير القادر على الاختيار، وأن الأمر سيستمر استمرار البشر، معتبرا بولونيوس المحرك الأعظم، الفاعل الواحد، المتحكم في كل شيء. في ترجمة حركية للأسف لم يحالف مناضل الحظ فيها، حيث قرر أن يضع ممثليه في شكل مثلث ناقص جزء، والذي بالضرورة يملؤه هاملت إن انضم لهم، لكنه اختار أن يبقى بعيدا على يسار عمق المسرح حيث المربع الأضعف، واضعا بولونيوس الوزير في منتصف مقدمة المسرح، حيث المربع الأقوى في علم مبادئ الإخراج القديم "جدا"،هنا يتفتق لذهنك تساؤل يتعلق بمدى قرب أو بعد صانعي العمل من أي فهم معاصر لحركة المؤدين على المسرح، حيث أن الأمر لم يقتصر على ذلك المشهد، إنما امتد لمناطق أخرى.

المزج الذى قام به مناضل في إعداد عرضه بدا في كثير من الأحيان يعاني من أزمة تتعلق بالمضمون الذي جاء في الفقرة الوصفية في مطبوعة التعريف بالعرض، حيث أنه بالأساس اعتمد في العرض على إظهار هاملت الطفل، الذي قام بدوره الممثل كريم أحمد رأفت وهاملت الشاب، الذي قام بدوره الممثل طه خليفة. الأزمة شكلية وضمنية بالأساس، فاللغة التي اعتمد عليها مناضل في إعداده لغة عربية فصحى سهلة، ممزوجة بلغة فصحى أصعب تخص الترجمة الصعبة لمسرحية هاملت في ترجمتها العربية، وأيضا بعض المناطق التي اختار مناضل أن يستخدم فيها لغة عامية مصرية. الشكل هنا أظن أنه يعاني من أزمة الأصوات، فنحن بالنهاية أمام شخصيات لها حيثية اجتماعية معلنة (ملك، ملكة، وزير) ما أقصده هنا بالأصوات هو أن لكل شخصية صوت – صوت أي منطق في التعبير، وليس الصوت المسموع كموجات - يعبر عنها ذلك الصوت الذي تترجمه اللغة المستخدمة، ولا أقصد أن يتحدث الملك بلغة الملوك التقليدية، بل أقصد أن يكون على الأقل هناك وعي بأن هناك قصدية واضحة للصوت المختار للشخصية، خصوصا إذا شاهدنا في لحظة خطبة للملك يعلن فيها أنه لم يسعَ للمُلك؛ لكنه تولى المهمة عندما احتاج الأمر لذلك (هذا صوت الشخصية) ولكن كيف استمر الأمر؟ لم يستمر، واستمر العرض بأصوات غير واضحة، ولغة غير مقصودة، اللهم إلا في لحظات خاطفة ترى أن هناك طرف خيط يمسك به المخرج ثم يختفي سريعا.

من عرض هاملت بمكتبة الإسكندرية - فوتوغرافيا/أحمد سمير

بالتالي، فالحديث عن التمثيل في العرض سيخضع لنفس التحليل السابق، وهو أن الممثلين لم يستطيعوا أن يجدوا تلك المسارات المتباينة، والمبنية على عدد من الطبقات فوق بعضها، حتى تخرج في صورة شخصية لها صورة واضحة، وصوت واضح، حتى ولو كانوا مشوشين، لكن عندئذ سيكون تشويشا عن قصد، ليس تشويشا ناتجا عن ارتباك كبير وقع فيه العاملون بالعرض. لذلك ستجد مبالغات تمثيلية عديدة في الأداء الصوتي والحركي، وفي التعبيرات و الإيماءات؛ فحركة الممثلين التي بناها مناضل عن طريق مزج بين التصميم الحركي (كاريوجراف) والحركة غير المصممة تجد فيها ارتباكا كبيرا أيضا في صورة الشخصيات، فالممثل لا يعرف بشكل جيد عمق فهم المخرج المعد للجزء النفسي للشخصيات، الذي بدا منعدما تقريبا إلا من لحظات تشنج فيها هاملت ليخبرنا أنه يعاني من اضطرابات نفسية .

سينوغرافيا، الديكور والإضاءة والملابس، والتي صممها كل من عمرو الأشرف للإضاءة والديكور و د. مروة عودة للملابس؛ بدت هي الأخرى مرتبكة، وهنا لا أتحدث فقط عن ارتباك منفذ الإضاءة في تنفيذ أوامر الإضاءة المختلفة،لكنني أعني ذلك الارتباك الحاصل نتيجة سباحة المصممين في تيار اتجه بعيدا عن رؤية المخرج، فملابس الشخصيات التي كانت بالأساس ملابس رسمية سوداء اختلف فيها لون البابيون، وفساتين سواريه للملكة وأوفيليا، فستان أحمر للملكة (الخائنة) وفستان أبيض لأوفيليا البريئة، وبقعتي إضاءة حمراء للملكة، وخضراء لأوفيليا، المعنى مفهوم. لم أفهم بالتحديد قصدية المخرج في رؤيته التشكيلية للشخصيات، كل ما فهمت أن هؤلاء رجال، و الأخريات نساء، ولأنه ليس هناك رؤية واضحة جلية لمسارات الشخصيات وأصواتها وصورتها وتفاصيلها الأدق؛ فبالتالي ارتبك المشهد تماما برؤية تشكيلية هي الأخرى مرتبكة، اللهم إلا تفصيلة واحدة، كان من الممكن أن تعطي الأمر بعض الوجاهة في استخدام عمرو الأشرف لستارة شفافة كبيرة بعرض وطول عمق المسرح، تظهر من ورائها الشخصيات، وتختفي بحيل الإضاءة، محاولا أن يعبر عن مدى احتمالية أن تصبح الأمور شفافة في ظاهرها، لكننا أيضا من الممكن أن نفشل في رؤيتنا للأشياء، حتى وإن ظهرت شفافة.

من عرض هاملت بمكتبة الإسكندرية - فوتوغرافيا/أحمد سمير

أخيرا الرؤية الموسيقية، والتي أعتبرها كارثية، وكارثية هنا ليس فقط لخلوها من أية رؤية مع الأسف، و ذلك لعدم وجود الحد الأدنى من الوحدة في رؤية الإعداد الموسيقي؛ فالعرض يبدأ بجزء من السيرة الهلالية، ويكتمل بنوع موسيقي آخر ينتمي للموسيقى التركيبية، ومن ثم نعود مرة أخرى بمقطع لإنشاد صوفي وهكذا. ليست تلك المشكلة الكبرى، لكن أيضا عندما تقرر أن تستعير مادة فنية (قطعة موسيقية،أغنية، صورة، عمل تشكيلي، إلخ ...) ومن ثم تضعها داخل سياق عرض مسرحي، أو فيلم، يكون لزاما عليك أن تتأكد إذا كانت تلك المادة مسموح باستعارتها فقط بإذن كتابي من مبدعها، أو بدون إذن كتابي كأن تكون (منتجات برخصة المشاع الإبداعي، أو مر على وفاة المبدع 50، 100 عام أو أكثر وفقا للقانون المعمول به) بالطبع بعيدا عن موقفي الشخصي المضاد لمنطق الملكية الفكرية، لكنني أيضا سأتضامن تماما مع حق المبدع الذي يقرر أن يُخضع عمله لحقوق الملكية الفكرية، إذا تم التعدي على اختياره. بالإضافة إلى أنه في جميع الأحوال إذا ما قررت أن تستعير - خصوصا إذا كنت قد قررت أن تحاول أن تكون محترفا - أن تشير الى اسم "مبدع المادة الفنية المستعارة" في المطبوعة التي تحتوي أسماء فريق عملك، حتى ولو كانت المادة خاضعة لرخصة المشاع الإبداعي.

الكارثة كانت كالآتي:

- العرض به إعداد موسيقي - لم يذكر حتى في المطبوعة التعريفية من أعد الموسيقى - الإعداد احتوى على (مقطوعات لظافر يوسف مغني ومؤلف موسيقي وعازف عود تونسي، مقطوعة لإبراهيم معلوف عازف ترومبيت ومؤلف وأستاذ موسيقى لبناني، قطعة من السيرة الهلالية (أظن أنها كانت لشوقي القناوي وهو من أشهر شعراء السيرة الهلالية مواليد سوهاج) قطعة صغيرة للشيخ أحمد التوني منشد كبير وشهير مواليد أسيوط، وأشياء أخرى لم أستطع أن أحدد لمن؟ وبالتالي لم أجد لها أي مرجع في مطبوعة العرض؛ لأنه لم يتم الإشارة نهائيا لأي مادة مستعارة إطلاقا في المطبوعة.

- تم استخدام بعض أبيات الشعر من قصيدة "يوميات نبي مهزوم" لصلاح عبدالصبور شاعر وكاتب مسرحي، لم يتم الإشارة لاسم القصيدة ولا لكاتبها ولا لأي شيء في المطبوعة.أظن أن أهمية ذكر مبدعي هذه الأعمال له أهمية، على الأقل في أن أعود لها كمتفرج في وقت لاحق، لم أتحدث عن أي انحياز أخلاقي له علاقة بفكرة الحق الأدبي وماشابه.

#حكيمعبدالنعيم #هاملت #مكتبةالإسكندرية #مسرح #مناضلعنتر

45 views