فاندو وليز والكفاح في الحياة


الكفاح في الحياة...

ما هو الكفاح في الحياة؟ ولماذا علينا الكفاح؟

أليس من حقنا أحيانا الاستمتاع بالحياة دون كفاح؟

هل توجد فعلا المدينة الفاضلة حيش يعيش الجميع سعداء؟ أم كل هذا وهم؟

ما هي الضوضاء التي تبعدنا عن الاستمتاع بحياتنا، وتحولنا إلى أشخاص لا نعرفهم ولا نفهمهم؟

وكيف نعود لأنفسنا مرة أخرى؟

كل هذه التساؤلات كانت تدور بذهني عند مشاهدة العرض المسرحي "فاندو وليز" للمخرج محمد عبد القادر والذي عرض بالمسرح الصغير بمكتبة الإسكندرية مساء يوم الأحد 24 يناير 2016.

يأتي هذا العرض كخير صورة للمسرح العبثي، وهو من تأليف فرناندو أرابال الكاتب والسينمائي الإسباني. العرض يتحدث عن شخصية "فاندو" التي أداها الفنان محمد جابر وهي شخصية تتمتع بالفصام، ولديها نزعة سيكوباتية، فاندو في علاقة مع "ليز" والتي أدت دورها الفنانة سلمى الجيادي حيث تجسد شخصية الإنسانة المقهورة في الحب؛ فهي تحب علاقتها مع "فاندو" رغم أنه أحد أسباب شللها، وقتلها في نهاية العرض.

ويتعرض لأبعاد فلسفية عديدة؛ منها فكرة التسلط والقهر. ففي أحيان كثيرة يظهر لنا "فاندو" كأداة لتعذيب الكائن الذي يحبه، والذي يؤمن بأنه لا يستطيع الحياة بدونه. كما ظهر في مشهد واحد تسلط الأم متجسدا في والدة "فاندو" والتي أشير إلى أنها كانت تستمتع بتعذيبه وهو صغير.

من عرض فاندو وليز - فوتوغرافيا/نايري عبدالشافي

وهنا تجدر الإشارة إلى أن أحد سمات المسرح العبثي هي عدم المنطقية، والأفكار غير المتسلسلة؛ فهو مسرح غير عقلاني مما يفرض على المشاهد (المتفرج) مجهود التركيز وقوة الملاحظة لربط الأفكار ببعضها لفهم كامل للرواية، ويفرض تحديا كبيرا على المؤدين لإيصال هذه الروح العبثية، بشكل يجعل المشاهد يشعر بالأحاسيس نفسها، وكأنه يخوض تجربة سيكولوجية ليس لها قاعدة أو قانون، وليس له حيلة إلا أن يخوضها كاملة، وأن يحاول فهمها لاحقا.

مدينة "تار" المدينة الفاضلة، المدينة التي أمضى "فاندو" معظم العرض محاولا الوصول إليها مع "ليز" إيمانا منهما بأن كل شيء هناك سيكون أفضل. هي نفس المدينة التي أفنى العديد من الأشخاص حياتهم في البحث عنها. كانت هناك ثلاث شخصيات قابلت "فاندو" و"ليز" في الطريق إلى تلك المدينة؛ ذلك الطريق الموحش الخالي من أي سمات للحياة (ديكور: دنيا عزيز وإضاءة: محمد المأموني). تميزت تلك الشخصيات الثلاث بالاختلاف التام في أفكارها وآرائها (الفنانون: عادل سعيد ومروان عثمان ومحمود ندى) ورغم إعجابهم الشديد بـ"فاندو" كانت تساورهم شكوك عديدة حوله كشخص، وعن طبيعة علاقته مع "ليز" والتي عرَّفها على أنها خطيبته. وفي بعض الأحيان ظهرت تلك الشخصيات الثلاث بطابع مضحك، وخاصة بملابسهم وأصواتهم الغريبة (ملابس: سامح الحضري وإعداد موسيقي: باسم عبد الحميد) إلا أن في حواراتهم عمقا حول أولوياتنا ، ورؤيتنا لدورنا ودور الآخرين من حولنا في الحياة التي نعيشها.

من عرض فاندو وليز - فوتوغرافيا/نايري عبدالشافي

ااختار فريق العمل الالتزام باللغة الفصحى عند العرض؛ لإيمانهم بأهمية الاحتفاظ بالمعاني الحقيقية لهذا العرض المترجم والأقرب للنص الحقيقي، والتي قد تفقد رونقها مع اللغة العامية. وظهرت حوالي 12 رؤية مختلفة حول العالم لتطبيق هذا النص. هذا العرض للمخرج محمد عبد القادر تم تجسيده بالتركيز على الناحية العبثية بما لا يخل بالنسق الدرامي، وأبدع المؤدون (وهم 5 فقط) في خلق مساحة ذهنية وتجربة عاطفية للحضور لمدة ساعة زمنية؛ للتساؤل عن حياتهم وعن الشر بداخل كل إنسان، وعن ماهية الحب والصداقة والقهر والأمل ... والكفاح في الحياة.

#نايريعبدالشافي #مسرح #مكتبةالإسكندرية #محمدعبدالقادر

150 views