إدوار الخراط (1926- 2015) "عباب... لا نهاية له"


حين تلقيت نبأ رحيل إدوار الخراط يوم 1 ديسمبر 2015 أعدت قراءة “ترابها زعفران”، روايته الصادرة عام 1986 والتي كانت مدخلي إلى أعماله، وفي هذه القراءة اكتسبت بعض سطورها أصداء جديدة:

"أنظر إلى البحر وأفقه الغامض، أعرف أنه لا شيء وراءه، أبدًا، هذا امتداد لا نهاية له للعباب المجهول، إلى ما لا نهاية له، وكأنني أرى شاطئ الموت نفسه، سوف أعبره، بلا عودة ولا وصول".

ماذا يعني أن نصف الخراط ككاتب مصري حداثي بارز؟ يعني هذا الوصف عدة أشياء: إنتاج غزير من عدة أجناس أدبية يتضمن الأدب الروائي (روايات وروايات قصيرة وقصص قصيرة)، والشعر، والنقد الأدبي والفني، والترجمة، التجريب وإعادة العمل على قواعد الأنواع الأدبية، وإنتاج النصوص النقدية التي تتناول الحداثة الأدبية في مصر وتدعمها، والمشاركة في مشروعاتٍ رائدة مثل الدورية المستقلة “جاليري 68” التي عمل على تحريرها مع مجموعة من الكتّاب والنقاد، وفتح فضاءات لمجموعة مختارة من الكُتَّاب الجدد، ومنها مكتبه الزاخر بالكتب في منزله بالزمالك الذي كان يستخدمه أحيانا بمثابة صالون أدبي، ووطنية تخلو من التعصب لها صبغة أممية اكتسبها من خلال انغماسه المبكر في العمل السياسي الراديكالي.

ولد الخراط في الإسكندرية لأب صعيدي وأم من الدلتا، ونشأ في عدة أحياء تسكنها الطبقات العاملة والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى جنوب المدينة. ترك حي غيط العنب بالتحديد أثرًا ملموسًا على روايته “ترابها زعفران” وتتمتها “يا بنات إسكندرية” الصادرة عام 1990. توفي والده في أوائل الأربعينات من القرن العشرين، بينما كان الخراط يدرس لنيل إجازة الحقوق ويحضر في نفس الوقت محاضرات بكلية الآداب بجامعة فاروق الأول (الإسكندرية حاليًا) والتي كانت تعج بالنشاط حينها. ساند الأسرة بعد وفاة والده بالعمل في مخازن البحرية البريطانية، بينما كان سكرتيرًا عامًا لخلية تروتسكية سرية.

دفع ثمن نشاطه السياسي بسنتين في السجن بدايةً من 15 مايو 1948، وهو التاريخ الذي طالما أبرزته أعماله الروائية، بخاصة روايته “طريق النسر” الصادرة عام 2002 والتي تتمحور حول الأجواء اليسارية في تلك الفترة وتجربة السجن. عمل الخراط بعد إطلاق سراحه في شركة التأمين الأهلية بالإسكندرية، والتي تعرف فيها على زميلة ستصبح زوجته فيما بعد. ساعدته "منحة تفرغ" ممولة ذاتيًّا قضاها في أتيليه صديقه الشاعر والفنان أحمد مرسي عام 1955 على إنجاز مجموعته القصصية الأولى “حيطان عالية”، لكنها لم تصدر قبل 1959.

انتقل الخراط إلى القاهرة في منتصف الخمسينات ليعمل كمترجم في سفارة رومانيا، وبدأ عام 1959 ارتباطه المهني الأطول مع منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية واتحاد الكتاب الأفريقيين الآسيويين، وتقاعد عام 1983. انكسر صمته الأدبي- الذي بدأ عام 1959- بصدور مجموعته القصصية “ساعات الكبرياء” في 1972، تبعتها رائعته “رامة والتنين” عام 1980 (سبقت هذا الإصدار طبعة محدودة لنفس النص عام 1979). مع تقاعده المبكر، دخل الخراط في مرحلة خصبة حيث كان يصدر له على الأقل كتاب كل عامين، بل أحيانًا كتابان في العام الواحد.

تلقى الخراط الكثير من الحفاوة في هيئة جوائز وتكريمات مصرية لا تمنح سوى للكُتَّاب الذين لعبوا دورًا بارزًا في التراث القومي، بالإضافة إلى ترجمات نصوصه إلى لغاتٍ عدة. يرجع فضل الاستقبال الإيجابي لأعمال خراط في العالم الأنجلوفوني إلى فرانسيس ليارديت، المترجمة الموهوبة لروايتيه السكندريتين. وفي التسعينات عندما عملت محررة الصفحات الثقافية في “الأهرام ويكلي” أجريت حوارات مع الخراط كجزء من جهودي لضمان تغطية جيدة للإسكندرية، وعكفت على ترجمة نصوصه ونشرها. فقدت الاتصال به بعد فترة من انتقالي إلى كاليفورنيا بالولايات المتحدة للحصول على الدكتوراة، ولكنني التقيت به مجددًا بعد حوالي شهر من حصولي عليها عام 2004 في حلقة نقاشية مستديرة بمكتبة الإسكندرية عنوانها "السكندرية في القرن الحادي والعشرين". وأسعدني بطلب نسخة من البحث الذي قدمته، وأعطيته نسخة من أطروحتي للدكتوراة التي تضمنت فصلاً عن أعماله.

تكشفت لي أساطير الخراط الخاصة بنشأة الكون مرسومة في أعماله الأدبية خلال حوالي ثلاثين عامًا منذ أن بدأت قراءة أعماله في الإسكندرية. ولنا أن نصف روايات الخراط بأنها “writerly” أو “مكتوبة” بحسب الترجمة الشائعة وغير الدقيقة لمصطلح رولان بارت. سرده غير خطي، ومليء بالتلميحات والإشارات الضمنية، يستدعي جهدا من القارئ حيث يعتمد على تعدد مستويات اللغة؛ لأنه قد يستخدم في فقرةٍ واحدة تعبيرات وأساليب قرآنية وعامية مصرية. وبالإضافة إلى ميخائيل، وهو بطل العديد من رواياته، والذي يُمثل جوانب من إدوار الخراط ولكنه لا يتماهى معه، ورامة الشخصية الرئيسية في الثلاثية التي تتكون من “رامة والتنين” (1980) و”الزمن الآخر” (1985) و”يقين العطش” (1996)، نجد شخوصا لمّح إليها عرضًا في نص ما تتبلور في نصوصٍ أخرى.

كان الخراط من أطلق مصطلح "الكتابة عبر النوعية"، وفي إنتاجه الروائي نجده يعيد صياغة شفرات وقواعد أكثر من نوع أدبي ومنها الشعر، بجانب فقرات بعينها مشتركة بين نصوصه الأدبية والنقدية. تتضمن الصور والمجازات والتشبيهات المستخدمة في أعماله الكرمة (في إحالاتها الى التراث اليوناني الروماني وكذلك الإنجيل)، والبحر، والسلالم، والطيور (خاصةً النورس)، والتعميد، وميخائيل رئيس الملائكة، والتنين، والمعبد أو الأطلال الأثرية. يسمو النص بالشخصي واليومي إلى منزلة الأسطوري، بينما تتجاور الشخصيات الأسطورية - فرعونية وبابلية ويونانية ومسيحية وإسلامية ـ وخاصةً إلهات تمثل الحبيبة أو المدينة أو الوطن أو جميع ما سبق. تتشابك إحالات إلى الترانيم القبطية، والصوفية، والممارسات الدينية الشعبية كجزء من ظاهرة في نصوصه سبق أن حللتها فى سياق آخر بوصفها شكلا من "التوفيقية" (التوفيق بين الأديان). يقتات النص الخرَّاطي على نصوص شتى يتحاور معها مثل المقامات، وشكسبير، وألف ليلة وليلة، والشعراء الإنجليز الرومانسيين، ومارسيل بروست، وجيمس جويس، والسيرياليين المصريين، وغيرهم.

جاء التقاؤه بالسيريالية، والتي تمثل رافدا مهمًا من روافد الحداثة في مشروع الخراط بما فيه من مداخلاته النقدية، من خلال عدة طرق. كتب الخراط عن معاصريه المثقفين السكندريين في الأربعينات تحت عنوان "مدرسة الإسكندرية" وإن كان التعبير فضفاضا إذ لا نجد مظاهر جمالية مشتركة، لكنه فيما يبدو لي يوجد قاسم مشترك، أي أصداء السيريالية، بين نصوصه ونصوص فردين من جماعته: أحمد مرسي (المولود 1930) ومنير رمزي (1925- 1945)، وهو ما لاحظه بنفسه أيضًا. وصلتهم السيريالية إذا بطرق مختلفة ومتناثرة. (أستقي هنا بحثا قدمته في مؤتمر "السيرياليون المصريون من منظور عالمي" بالجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل أيام معدودة من رحيل الخراط.)

وكما حدثني مرسي، وجدت آخر التيارات الفنية الأوروبية في إسكندرية الأربعينات بيئة مُرحبة، بينما كانت أوروبا نفسها تعاني ويلات الحرب وما تبعها من آثار. وكان هؤلاء الكُتّاب الثلاثة أصغر بجيل واحد من سيرياليي القاهرة من جماعة "الفن والحرية" وغيرها. وعلى النقيض من الآراء النقدية الشائعة، كان هناك تواصل بين جماعات القاهرة وفناني الإسكندرية. بالإضافة إلى هذا، فإن إبراز التأثير السيريالي في نصوص الكُتّاب الثلاثة يقلل من شأن السردية ذات الصبغة الفرانكفونية عن السيرياليين المصريين (انظر جورج حنين الشاعر الفرانكفوني، وأبرز السيرياليين المصريين [1914- 1973] والذي ترجم الخراط بعض قصائده إلى العربية).

بالنسبة للخراط، كانت الظواهر السريالية في مصر أصيلة وأبعد ما تكون عن النسخ والتقليد. فقد كتب بشكل قاطع في نصوصه النقدية عن "سيريالية مصرية في الأدب" و"سيريالية مصرية في الفن التشكيلي"، بينما تخللت إشارات إلى سيرياليين مصريين أعماله الأدبية، مثل الروائي الفرانكفوني ألبير قصيري (1913- 2008) والذي شارك في ترجمة أعماله وقابله في فترة لاحقة.

وفي اعتقادي كان انجذاب الخراط للسيريالية سياسيًا وجماليًا في آن واحد، فهو يروي في عدة نصوص لقاءً جمعه عام 1946، أي في خضم نشاطه التروتسكي، مع الفنان والناقد السيريالي رمسيس يونان (1913- 1966) حيث دار الحوار حول الماركسية. لعبت السيريالية أيضًا دورًا في سعيه لدعم "الحساسية الجديدة" التي تبنى تحت رايتها تيارات تجريبية اعتبرها تسبح ضد سيادة تيار الواقعية، خاصةً الواقعية الاشتراكية، والتي كانت في المقدمة منذ صدور كتاب “في الثقافة المصرية” (1955) لعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم الذي أصبح علامة فارقة في هذا الإطار.

وعلى أي حال، قد تفسر هيمنة الواقعية فترة الانقطاع في مسيرته الإبداعية. حين عكفت على بحث يتناول مجلة “لوتس: الأدب الأفريقي الآسيوي” والتي كانت تصدر بثلاث لغات عن اتحاد الكتاب الأفريقيين الآسيويين، والتي كان الخراط أحد محرريها، استوقفتني قلة إسهاماته فيها. فبينما تمثل “لوتس” إمكانية الأدب المقارن بين أدب الجنوب، ربما نعزو ضآلة إسهاماته لمحتواها ذي الصبغة الواقعية الاشتراكية.

خلف الخراط زوجته جورجيت، وابنين: إيهاب وأيمن، وأربعة أحفاد. وكما كان يليق به، كانت الإسكندرية مثواه الأخير.

تقول الفقرة التالية للفقرة التي افتتحت بها المقال:

"مياه كثيرة لا تغرق عشقي، والسيول لا تغمره. صخرة ناعمة الحنايا أنت في قلب الطوفان، سفوحها ناعمة غضة بالزروع اليانعة، بالسوسن والبيلسان، ترابها زعفران، خصب وحي، ترف عليها حمامة سوداء جناحاها مبسوطان حتى النهاية، لا تكف رفرفتها في قلبي."

ترجمة مقال: ‎“Waves without end” Edwar El-Kharrat (1926-2015)‎

الصادر في الأهرام أون لاين بتاريخ 8 ديسمبر 2015،

ورابطه http://goo.gl/GquJ9y

*هالة حليم أستاذة مشاركة للأدب المقارن ودراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك.

#خلودسعيد #هالةحليم #إدوارالخراط