شريط القطر


فوتوغرافيا | عمر عادل

لم يكن بالنسبة لنا – نحن أبناء الحي الشعبي – مجرد شريط قطار؛ بل كان الباب الذي يعبره الناجون يوم القيامة إلى الجنة.

شريط قطار وكأنه time machine ينقلك من الحي الشعبي الذي تربيت فيه إلى الأحياء الأرقى والأنقى بشوارعها النظيفة ومبانيها ذات القباب المقدسة، والتي كنت أراها دائمًا أماكن صُممت خصيصًا "للرقص مع الملايكة".

أما مداخلها الفسيحة فهي الجنة بعينها، برخامها ومراياتها وهوائها البارد الذي يمنحك بركته وأنت تعبر أمامه، مداخلها التي كانت تعيد لنا أسماءنا التي كنا نلقيها نحو جوفها مضاعفة.

هكذا الإسكندرية... يقسمها شريط قطار يعلمنا نحن أطفال الأحياء الشعبية أنه علينا الالتزام بقوانينه عند عبوره للعالم الآخر، العالم الذي يمتلك البحر؛ معبودنا الأزلي. لم ننس قط أن نفتح أعيننا ونخفض أصواتنا لئلا نوقظ المباني النائمة في هدوء وسكينة، وأن نسير بخفة حتى لا تترك أقدامنا الخشنة أثرًا على طرقاته، لكن كل محاولاتنا كانت تبوء بالفشل عندما – وفقط – نرى البحر من بعيد؛ فتعلو حناجرنا بالصراخ وكأننا نُعلمه بقدومنا... يالها من أيام!

في صباح يوم شتوي كئيب عندما سألت إحداهن صديقة طفولتي عن الحي الذي تسكنه، وكنا حينها في مدرسة يلزمنا الوصول إليها أن نعبر شريط القطار يوميًا – يالها من سعادة – خفضت صديقتي عينيها وهمست "الإبراهيمية" .. ها؟ الإبراهيمية؟ حينها نزلت الكلمة على رأسي كقالب طوب لم أُفق من ضربته حتى الآن. هكذا الأمر إذن!

من حينها لم يعد شريط القطار بوابة الجنة التي أعبرها كل يوم، بل أصبح حزامًا حديديًا يقسم الجسد ويُمرض الروح.

-2-

شريط القطر.. كلاكيت تاني مرَّة

محاولة بائسة لمطاردة الذكريات واقتناصها

"يا ست يا محروقه"

ما إن ينادي أحد الأطفال بهذا النداء حتى تدير له المدخنة الجهنمية رأسها، إلا أنا.. لم تكن أبدًا تستجيب لندائي الواهن الضعيف، والذي دائمًا ما يتلاشى لفرط الرعب.

تقول الأسطورة أن فتاة ما في بيت ما تحت جناح زوجة أب ما أرادت أن تنهي معاناتها بلتر جاز وعود كبريت، وعندما قام الأطباء بإعطائها "حقنة هوا" لإتمام ما فشلت فيه .. تكمل الأسطورة أن روحها أبت أن تصعد إلى السماء، واختبأت داخل المدخنة الشاهقة لمستشفى جمال عبد الناصر، القابع خلف شريط القطر.

أتذكر الآن مدى البهجة التي كان يشعر بها الأطفال وهم يلعبون لعبة "الست المحروقه" حتى أنهم كانوا يتفننون في إزعاجها؛ فكانوا يتوزعون حولها في دائرة واسعة وينادون عليها في صوت واحد "يا ست يا محروقه" .. لماذا؟ أسألهم. "عشان ندوَّخها" يجيبون.

لم أستطع ولو لمرَّة واحدة أن أشاركهم في هذه اللعبة؛ لأنني وببساطة كنت "البنت الخوَّافة". آه لو تعلم هذه المدخنة ماذا فعلت بي! أنا البنت الخوَّافة والتي لن تقوى طوال حياتها على رفع بصرها نحو مدخنة تصادف فقط أن تسكنها ست محروقة.

#صفاءعبدالعال #عمرعادل

21 views