كيف لا أكون نفسي؟


شيء ما يحاول أن يهرب، كرحيل مستمر

يحاول أن يفكك الصلات، لكنه أيضًا يسعى لإيجاد تواصل

لأن يُسمع.

الصوت كتدبير متقلب بين الاثنين.

بهذه الطريقة يعلمني الصوت كيف لا أكون نفسي.

براندون لابيلي1

فوتوغرافيا|ياسمين حسين

.1.

مشهد خارجي، في الأصيل. باعة الشوارع، سيارات رائحة غادية، عائلات تتسوق وأطفال يصرخون. حياة مدنية تدور في أصيل يوم جمعة، عشوائية في الظاهر ومنظمة في الباطن. فلنقل أني أعرض عليك أن تقف بجوار الرجل الذي يبيع الجينز وأن تلتقط أحد الشخصيات في هذا المشهد المُتخيَّل. هل تعي هذا؟ مَن تكون تلك الأم لثلاثة أطفال أو بائع الكتب أو المراهق الراكب على دراجة؟

دعنا نجلس في المقهى عند الركن. ستجلس مُحدّقًا في الجدار وسأسألك أن تصف لي ما يمكن أن تفعله تلك الشخصية. أنا متأكدة من أن تخمينك الأعمي سيكون صائبًا. لأنك قد رأيت هذا الشارع آلاف المرَّات، وتعرف كيف تمشي فيه، ومن أين تشتري السجائر الفرط، وأي العيون يجب عليك أن تتحاشاها. "يتفق هذا مع نوع من التوازن المضطرب والجاهز حيث يصبح أي من له السيطرة على مساحة المكان هو الحَكَم العدل على ما يمكن أن يسمعه أو يراه الآخرون الأضعف"2.

لقد تركتك وحدك جالسًا في المقهى المُتخيَّل تحدّق في الجدار، والجالسون على الطاولات المحيطة يبدأون في الهمهمة بنكات على غرابة منظرك، وتمر فتاتان بجوار الطاولة، وتعلقان على ملابسك، ويسألك النادل عن المرأة التي غادرت للتو دون إنذار. لعلك قد فكرت أنك كنت وحيدًا، لكنك لم تكن. بالخارج في الشارع، عند نهاية الأصيل، يصاحبك حشد من آخرين يعرفون من لا تكون. ولديهم فكرة عمَّن ينبغي أن تكون.

.2.

(المشروع)، صباحًا. تظهر فجأة رسالة في التليفون: أنا آسفة على المرَّة الأخيرة، تركتك تنتظر في مقهى خيالي. هل لديك أي خطة لهذا الأصيل؟ دعنا نتقابل عند محطة الترام لنتمشى. أنت متأخر قليلا لكن لا بأس، فالوصول متأخرًا قليلا هو طريقة للتنفس. لم أخبرك، لكننا لن نكون وحدنا.

أغلق عينيك. دعنا نسير. سيمسك شخص ما بيدك، وستمشي مع الصوت. في البداية ستكون قلقًا حيال اليد التي تلمسها، ولمن تكون، ملمس البشرة، قوة الرسغ، لمسة الكوع إذ يمس ذراعك. ثم ستلاحظ رائحة ذلك الشخص الآخر الذي تسير معه. هل هو عطر أم مزيل رائحة عرق؟ هل هي رائحة رجل أم امرأة؟ وبعد ذلك ستتعثر في عائق ما عند قدميك. وسيمسك ذلك الشخص المجهول بيدك أقوى قليلاً، وستفكر في فتح عينيك ووضع نهاية لتلك اللعبة.

لكنك تسمع صوت جلجلة جرس، قد تكون عربة تجرها الخيول أو بائع عصير. الجسد الذي يقودك يبطيء من سيره وتشعر أنت بدوار طفيف لأنك لا تعرف ماذا حولك، ولا يمكنك التنبؤ بما قد يحدث. لكن "التحدي الذي يواجه هذا التمرين هو أنه مهما كنت تسير ببطء؛ يمكنك أن تسير ببطء أكثر"3.

الهواء بارد وتتزايد سرعته بينما يمر صوت عالٍ خشن من جانبك الأيسر. وأنت لا تتحرك لأن غريبًا يمسك بيدك، ولا يمنحك أي إشارة للمُضيّ قُدُمًا. بعد برهة، سيلمس الغريب راحة يدك وستتابع السير، وستقترب منك بعض الأصوات وستسمعها تتساءل عمَّا إذا كنت أعمى أم ثملاً. ليس بمقدورك أن ترى الغريب، لكن يمكنك القول أنه يبتسم، أو أنها تبتسم بالضبط مثلما تفعل أنت الآن. لأنك تتقاسم سرًا، تستمع الآن إلى الهواء المتشكل بيني وبينك وبين المدينة، وهذه الأصوات ليست إلا تفصيلة من صوتها.

فوتوغرافيا|ياسمين حسين

.3.

محطة الترام. بعد الظهر. صوت ما يهمس في أذنك: "يمكنك أن تفتح عينيك الآن."

لن أكون أنا من ستجده واقفًا بجوارك. كان حدسك صحيحًا؛ فقد كان شخصًا لا تعرفه في الحقيقة هو من كان يستكشف الأصوات من أجلك. لقد ألَّفتما سويًا مساحة مبنية بقطع غيار الريح والأبواق، وأصوات البشر والخطوات المندفعة، وطنين أوراق الشجر ورائحة الدخان.

جفونك تتثاقل، ورئتاك مفتوحتان، لقد عثر التنفس على طريقه للمشاركة في هذا القسم، وحان الآن دورك في اختيار الصوت الذي تريد أن تتقاسمه، عارفًا أن "الصوت صعب المراس، أي أنه – في نفس اللحظة – ملكك وليس ملكك"4.

سأغلق عيني وسأقف في الشارع. شخص ما – ربما أنت – سيمسك يدي وسنرسم الشوارع من جديد. الإحساس مدمر بعض الشيء؛ لأننا نبتدع شكل مساحة ظننا أننا نعرفها. "إنه الصوت نفسه – كمُحفِّز شجي – ذلك الذي يغوينا كي نسكن هذا العالم في السماع، ويمنحنا مدخلاً لما يمكن أن يكونه العالم"5.

هذه الظهيرة نحن خارجًا في الشارع مع قلة من الغرباء نسير ببطء معرضين أجسادنا الضعيفة لهجمة المدينة، نحلم أحلام اليقظة، نمشي مع الصوت. نختبر "طريقة في أن نكون على علاقة بما هو ليس أنا، وبما هو ليس محكومًا تمامًا [...] نوع من العلاقة التي تنتمي إلى تلك المنطقة الغامضة التي لا يمكن فيها الفصل بين التلقي والاستجابة بوضوح"6.

فوتوغرافيا|ياسمين حسين

.4.

في الفراش، آخر الليل، يحاول صوتك الداخلي أن يُحدِّد الشوارع التي مشيناها اليوم، ولا تعرف كيف تربط الجرس بالحصان، أو الصوت بالوجه، أو الدخان بالمقهى. وعندما تكون على وشك الغط في النوم، يبلغ جسدك وزن الحلم، ويُبلغك أن هذا ليس مهمًا؛ لأن أذنيك ويدي الغريب قد رسموا خريطة للممكنات في مدينة يضيق فيها المستحيل نهارًا.

"لقد اختبرنا سويًا ذلك الوزن الرهيب للواقع الرسمي الذي يقول: لا يوجد إلا ما هو موجود. وهكذا يمكننا أن نتنفس. الموقف الكلي يبقى هو نفسه، لكننا الآن نراه من مكان آخر. الأمر مرعب تمامًا، لكننا في الوقت نفسه قد أثبتنا أنه في مقدورنا أن ننتج واقعًا آخر. وأن هذا يُولّد المتعة بشكل آلي،و يخلق مناخًا شعوريًا جديدًا"7.

غدًا سأمر بالمقهى المتخيَّل. سأتأخر قليلا وستكون جالسًا مع كوب من الشاي. ستكون عيناك مغلقتين، ورأسك منحنية قليلاً، وابتسامة صغيرة على طرف شفتيك، وأذناك مفتوحتين على اتساعهما. الجالسون على الطاولات المحيطة سيهمهمون نكاتًا عن غرابة منظرك، وستمر فتاتان بجوار الطاولة، وتعلقان على ملابسك. لن يعرفوا الأمر، لكنهم سيكونون شاهدين على عملية الاختفاء، على ذاتك المتلاشية في أصوات الإسكندرية.

سأجلس بجوارك وأهمس: يمكنك أن تفتح عينيك الآن.

* هذا النص أحد نتاجات ورشة "القيام باستكشاف فريد للمدينة" مع الجماعة الفنية حفل أصوات المدينة/ حتى هنا، التي نظمها مهرجان نسيم الرقص في الإسكندرية في الفترة بين 6 و15 نوفمبر 2015.

** مارتا فاليخو هيراندو كاتبة وقيمة فنية ومنتجة ثقافية تعمل وتعيش في الإسكندرية.

www.lacompanyia.org

1.براندون لابيلي "محاضرة حول صوتيات التشارك" في: بيريت فيشر وكيفين موهلن (هليسان، مفهوم وسياسات الاستماع) لوكسمبورج. كازينو 22.لوكسمبورج. 2014

2. هاني درويش، مقتبس في هيثم الورداني ومها مأمون "كيف تختفي" في مؤتمر حق الصمت تنظيم لورنس أبو حمدان. أمستردام 20- 23 مارس2014.

3. بولين أوليفييه. الاستماع العميق: تدريب صوتي لمؤلف موسيقي. لينكولن: Deep Listening Publications، 2005 ص 20

4. آنا رايموند "مقابلة مع براندون لابيلي أجرتها آنا رايموند" في تأملات في عملية الصوت (2). ص 2 – 12 ديسمبر 2013.

5. بيريت فيشر "عن مفهوم الاستماع وسياساته" في بيريت فيشر وكيفين موهلن (هليسان، مفهوم وسياسات الاستماع) لوكسمبورج. كازينو لوكسمبورج. 2014 ص 15.

6. جوديث باتلر. مؤتمر "إعادة التفكير في الضعف والمقاومة" في السمبوزيوم الخامس عشر للجمعية الدولية للفلاسفة، مدريد، معهد فرانكلين – جامعة ألكالا دي هيناريس، يونيو 2014، ص 16.

7. أمادور فيرنانديز ساباتير "كيف تنظم مناخًا" في خلق العوالم: تحالف مشاعات: 9 يناير 2012.

#أصوات #المدينة #ياسمينحسين #مارتافاليخوهيراندو #عبدالرحيميوسف #ترجمة

102 views