(لا) ... ممكنات النهى


فوتوغرافيا/ بثينة شعلان

الممكنات.. هل هي محدودة أم لا نهائية؟..نسبية أكثر من كونها مطلقة؟.. هل النسبية مطلقة؟ اللاممكنات ..هل تساويها أم تتجاوزها؟ .. أيهما يلف عالمنا أكثر؟ … ما هي ممكنات أجسادنا في فراغها؟ وما هي حقا لا ممكناتها؟ .. ما هو العري؟.. أهو في الجسد .. أم في العقل؟ أم هو وهم؟ هل الإنسان هو ما نكتشفه؟ أم ما نعرفه عنه؟ .. يقول علم النفس أن الطفل يرسم ما يعرفه، لا ما يراه..هل مازلنا أطفالا؟

"اللون أداة، القلم أداة، الجسد أداة، طالما تغيرت أسئلتي عن الإنسان لا يهم بأي أداة أعبر عنها"

كانت هذه إجابة نهى ناجي عن استخدامها لأقلام الفحم في معرضها الأول الفردي بأتيليه الإسكندرية. أقلام الفحم التي تعد أقدم وسيط للتعبير في الكون، لم تبدُ مشكلة في التعبير عن رؤيتها الفكرية المعاصرة للإنسان.

"لقد صارت نظرتي له أكثر عمقا وابتعادا عن الإبهار." ولعل ذلك جنب المعرض النخبوية التي يمكن أن تكون حائلا بين المتلقي وبين العمل الفني؛ لأنه يحمل الكثير من الحالات الإنسانية التي يمكن أن تشبه الكثير من الناس.

المعرض مقام في أتيليه الإسكندرية، ومستمر حتى الخامس عشر من مارس. تتنقل بعينيك بين 26 لوحة من الموديلات العارية، والتي لم تنحصر في جنس دون آخر. و عن صعوبة تلك الخطوة في وقت تنال فيها حرية التعبير ما تنال تقول نهى "الصعوبة كانت في تحول نظرتي الشخصية قبل الآخرين للجسد؛ من مجرد عري إلى طرح المزيد من الأسئلة خلال البحث عن الحقيقة في صور ليست حقيقية، في حين أننا لا يمكن أن نجزم أيضا بعدم حقيقيتها. بحثت عما هو حقيقي من خلال الصورة".

اللوحات تتنوع فيها أوضاع الجسد وهيئاته وحالاته، وتتميز بدفء تنقل الظلال، وتبدو كل منها حالة تشكيلية مستقلة، وحكاية فريدة. وقد لا يغفل المتلقي اختفاء البورتريه من معظمها أو تهميشه. وهنا التقى المبدأ الذي قامت عليه التجربة مع المرحلة التشكيلية التي تمر بها نهى، ويجعل هذا قراءة المعرض ممكنة من خلال لغة اليوم. يقوم المعرض على مبدأ تداول النسخ الفوتوغرافية في حياتنا بشكل عام، وكيف أن الصورة تصل إلينا بعد مرورها بمراحل عدة من النسخ و الاستنساخ، وكيف يمكن للفنان استغلال ذلك لصالح التشكيل عن طريق البحث في كل الطبقات المعرفية والتكنولوجية التي مرت بها الحالة والصورة. ومن هنا كانت قطعات نهى المميزة الناعمة من مصادر الصور الفوتوغرافية لتخدم وتركز على فكرة الجسد، و ما يحويه من تأويلات فكرية وتشكيلية في فترة يركز فيها المجتمع على الجسد بتأويلات أخرى قد تبدو أكثر ضيقا.

لقد تميزت أعمال نهى السابقة ببحثها المستمر في البورتريه، ولكن في تجربتها الجديدة لم يعد البورتريه يجيب عن الأسئلة، فجاء القطع الناعم للجسد المصور، وإزاحة البورتريه من الصورة لننصت إلى ما قد يقوله الجسد لنا. وأرى ذلك تحريرا للجسد من التأويلات الكثيرة التي يفرضها الآخرون عليه. في الحقيقة أنا لم أشعر أن البورتريه كان مختفيا لهذه الدرجة، وكأن الجسد قدم لي ما يقدمه البورتريه من حالة.

نستطيع بكل بساطة أن نتفاعل مع أي لوحة من لوحات المعرض دون أن نسأل … أين رأس هذا الجسد؟ أعتقد لأن عملية قطع الرأس أو تهميش البورتريه جاءت في بساطة ودراسة جعلت اختفاءه أمرا طبيعا بعد كل ما سمعناه من جسده، وهذا تماما ما أرادته نهى من صورته، و هذا ما أخذته.

فوتوغرافيا/ بثينة شعلان

لا نغفل أن عدسة الكاميرا قدمت لها أوضاعا ربما لا تتمكن حدقة العين من قراءتها في نظرتها العادية؛ فبدت الرسومات أكثر حرية في التعبير عن الحالة، واقتربت أكثر من ممكنات حدوثها في الواقع السريع. "صورة الفتاة الواقفة على أطراف أصابعها في انحناء لا يمكن أن يدوم سوى لحظات، لقطة لا يمكن الحصول عليها من جسد حقيقي يستمر في وضعه بنفس الشحنة حتى ينتهي الرسم" وفي تلك اللحظة كم تبدو اللوحات ممكنة… أو لا!

ابنة التسعينات التي شاركت في الزخم التشكيلي محليا ودوليا آنذاك، لم تتمكن من لفظ اللون من مخيلتها أثناء تسمية اللوحات … تحمل كل لوحة اسما معبرا عن الحالة، وبين قوسين وضعت عنوانا فرعيا لاسم لون يحمل إيحاء بذاته كما تراه نهى بشكل ما. وبالعودة لنظريات اللون فإن لكل لون إيحاءه النفسي، وتأثيره على فسيولوجيا الجسد الإنساني، وربما رأت نهى في كل لون عن كل لوحة ما يمكن أن يؤثر في المتلقي، أو رؤيتها الشخصية فيما يعبر به اللون عن حالة لوحته، وذلك بالرغم من عدم وجود اللون في اللوحة بأي شكل. و لقد توقفت كثيرا أمام ذلك، وتساءلت وتخيلت اللون ودلالته، وهنا لعبت اللوحات في عقلي لعبة مختلفة تماما عما أراه أمامي. ترى أين اختبأ اللون في صراعها مع السطح والصورة والخامة، وهي تجيب في كل لوحة باسمه، وكأنها تهمس في أذن ما.

لقد أحببت تجربة الفحم تلك على الرغم من أنني أرى نهى ملونة في الحقيقة .. تخيلت أنها تختفي وراء فقدان ألوانها، تخيلت أنني لن أعرفها … ولكنها كانت هناك، في خطوط حادة ومدروسة تعلن سيطرتها على التغيير الذي طرأ على تجربتها التشكيلية بدفء وطراوة، وبهدوء تطرح أسئلتها … فهل من مجيب؟!

#نهىناجي #لبنىعبدالله #معرض #أتيليهالإسكندرية #بثينةشعلان

17 views