قليلة هي الأشياء التي لابد من وجودها


عبر 50 لوحة تنوعت ما بين "الإسكتش" الصغير واللوحات الكبيرة، جاء آخر معارض الفنان التشكيلي حسن الفداوي (كُناسة II) المقام في وكالة بهنا في الفترة من 10 إلى 31 مارس 2016، ولوحات المعرض تمتد عبر فترة طويلة منذ ما قبل 2011 وحتى 2015، وكما قال الفنان في تقديمه أن لوحات المعرض تعبر عن مراحل مختلفة من عمله الفني في الفترة الأخيرة من خلال كشف الستار عن مطبخ الرسام، وعلى الرغم من أن بعض الفنانين حريصون على إخفاء مطبخهم الفني عن الأعين، فإن حسن الفداوي يدفع بكل جرأة أوراقًا ممتلئة بتخطيطاته المبدئية وتكشف عن مشاريعه الفنية التي اكتمل بعضها ولم يخرج البعض الآخر للنور.

ويمكن لزائر المعرض أن يقسمه إلى قسمين: الأول يحتوي على تخطيطات لمجموعة من الكائنات والوجوه، والثاني يتعرض لرسم المدينة من منظور الفداوي. أما القسم الأول فيحتوي العدد الأكبر من اسكتشات الفداوي التي يرسم فيها وجوه شخصياته الأسطورية والتي تبدو كأنها خارجة لتوها من ألبوم كوميكس ضخم تتصارع فيه كائنات بوجوه آلية وميكانيكية، ووجوه ضخمة وكوميدية، وأرجل رفيعة كبجعات خرافية، ولا يعتني الفداوي كثيرًا بثنائية الذكر والأنثى؛ فكائناته المتضخمة لا تشير إلى جنس ما، وتُطل عليك وجوه حيوانات الفداوي الغريبة، وجوه أحصنة متعددة وحادة الملامح والتقاطيع، أو كلاب متوحشة تبدو وكأنها تطارد المشاهد ذاته، وفي وسط حديقة الكائنات الخرافية الهائلة تلك، يضع الفداوي لوحة بورتريه غير ملون لـ "أحمد شفيق"، وقد عمل حسن الفداوي لمدة طويلة في مجلة روزاليوسف الأسبوعية كرسام كاريكاتير، رسم خلالها عددًا ضخمًا من بورتريهات الشخصيات العامة السياسية والفنية والاجتماعية المصرية، مع رسوماته الكاريكاتيرية التي كان يرسمها يوميًا في الصفحة الأخيرة لجريدة روزاليوسف اليومية والتي كانت وقتها – قبل يناير 2011 – خارجة تمامًا عن سياق السياسة التحريرية للجريدة، التي أنشأها ورعاها الابن "جمال مبارك" منذ 2005، والمتابع لتاريخ حسن الفداوي الفني، يلحظ بغير عناء اهتمامه الخاص برسم البورتريه عبر آلية خاصة، بخطوطه الرفيعة والحادة التي تُكسب الشخصيات جهامة – وأحيانًا سخرية – ميكانيكية، فكان طبيعيًا أن تتجلى هذه الروح في تلك الوجوه العديدة التي أطلت علينا من معرض الفداوي.

"بعض الأشياء فقدت مبرر وجودها" .. و"كثيرة هي الأشياء التي لا يوجد مبرر عقلي لوجودها" تلك هي العبارات التي جاءت على هامش اللوحة رقم (25) والتي هي واحدة من عدة لوحات صغيرة (اسكتشات) رسمها الفنان على بقايا أوراق الرسم أو (الفوتوهول) التي كان يتركها تلاميذه في كلية الفنون الجميلة، فيأخذها الأستاذ بدلا من إلقائها في القمامة – كما يبدو وكأنه اعتزاز شخصي وتقدير لقيمة الورقة – ويقوم بالرسم عليها، فتتحول من بقايا ورقية مهملة "فقدت مبرر وجودها" إلى لوحة فنية رائعة.

فوتوغرافيا/ محمد النجار

يستخدم حسن الفداوي في لوحات واسكتشات هذا القسم أقلام التحبير السوداء مع لطشات قليلة من أقلام التلوين الفسفورية، مع بعض الألوان القليلة جدا، وهو ما يُعزز فكرة الاسكتش أو التخطيطات المبدئية للوحات؛ مثل صور الشخصيات المحبرة فقط وقبل مرحلة التلوين، وفي أحيان كثيرة تظهر تخطيطات الأرقام الرصاص وما قبل مرحلة التحبير.

أما في لوحات المدينة، أو القسم الثاني من معرض (كُناسة II) يأتي العدد الأقل من اللوحات، وهي تأخذ في الأغلب شكل اللوحة المكتملة، وفي بعضها – تحديدًا من اللوحة 42 حتى اللوحة 50 – يستعين الفنان بتأطير اللوحة عبر برواز بسيط وأنيق، وهو ما استغنى عنه الفنان تمامًا في القسم الأول؛ حيث ألصق لوحاته على ألواح كرتونية بيضاء فقط، وأكد في لقائه مع جمهور الافتتاح أنه تعمد الاستغناء التام عن البرواز، فيما يبدو وكأنه وضع لأوراقه الأولى في أبسط الأشكال.

تبدأ لوحات "المدينة" – وهي اللوحات الأهم في معرض(كُناسة II) باللوحة 32 التي رسمها الفداوي بطريقة معقدة وصعبة عن طريق الرسم المباشر المتصل، أي بخط واحد دون تخطيط مبدئي ودون أن يرفع الفنان يده عن اللوحة، وفي اللوحة نرى مبنى مكونًا من التواءات متعددة وغريبة وكأنه ثعبان ملتف على فريسة يعتصرها، وكتب الفنان فوق ذلك المبنى الغريب (قصر الإبداع)! ومن هذه اللوحة يمكن للمشاهد أن يتابع جولته عبر 12 لوحة تقريبًا، تنقل مدينة الفداوي الغريبة بمبانيها المعلقة في الفراغ والشاهقة الارتفاع، والتي كثيرًا ما تبدو غائمة وسط سحب ضبابية سوداء.

ويمكن أن نترك للمشاهد متعة الجولة بين مباني تلك المدينة الفداوية الأسطورية، وهي جولة لن ينساها أي مشاهد بالتأكيد. إن متابعة هذا المعرض الملغز الغريب الذي تنم خطوط لوحاته عن قدرة مذهلة لفنان يغوص في تصوراته الخاصة وخياله الجامح عن الإنسان والمدينة والوجود.

فوتوغرافيا/ محمد النجار

إن أي متابعة لمعرض فني متميز كمعرض (كُناسة II) لا يمكن أن تُغني عن أن يتجول المشاهد بنفسه عبر هذه المساحة من الفن ليلمس بنفسه ذلك العالم الغارق في الخيال الجنوني.

قليلة هي معارض الفنان حسن الفداوي، وبعيدًا عن تلاميذه في كلية الفنون الجميلة؛ يحتاج جمهوره ومحبوه إلى تلك الأوقات القليلة التي تتاح لنا لنتبع عوالم الفداوي الفنية، والتي هي أشياء لابد من وجودها لتُضفي جمالا على هذا العالم الذي يزداد كل يوم قبحًا ودموية.

المعرض مستمر في وكالة بهنا، 1 ش الكنيسة المارونية - بالمنشية حتى نهاية مارس الجاري، يوميا من الثالثة عصرا حتى العاشرة مساء، ماعدا السبت من الثانية عشر ظهرا حتى الرابعة عصرا، والأحد أجازة.

#ماهرشريف #حسنالفداوي #معرض #وكالةبهنا #المدينة #كليةالفنونالجميلة