في استكشاف فالتر بنيامين


فوتوغرافيا | إمي الشعراوي

"كل سطر ننجح في نشره اليوم - بغض النظر عن مدى ضبابية المستقبل الذي نودعه فيه - هو انتصار انتزِع من قوى الظلام"

خطاب إلى كرشوم شولم بتاريخ 11 يناير 1940.

يبدو لي أن مشروع فالتر بنيامين (1892- 1940) الفكري جسدته حياته نفسها. طبعًا نمتلك نحن الآن رفاهية تكوين مثل هذا الحكم باسترجاع الماضي in retrospect ، لكن من "معرفتي" ببنيامين أعتقد أنها ربمًا تكون مقاربة صائبة. لا زال الرجل، بعد وفاته بأكثر من خمسة وسبعين عامًا، مثيرًا ليس فقط للاهتمام ولكن للتساؤل، ومازالت بعض كتاباته عصية على الفهم ناهيك عن الترجمة، رغم وجود ما يطلق عليهم صفة Benjamin Scholars؛ أكاديميون وباحثون متخصصون في فالتر بنيامين فقط. ومازالت حياته وأعماله ومماته محل جدل كبير. حتى انتحاره الذي ربما يُعتبر من أكثر الحقائق المعروفة عنه تأكيدًا أصبح محلاً للجدل بدوره بعد ظهور تكهنات تفيد قتله عمدًا.

من الطبيعي إذًا في هذا السياق أن يكون عصيًا على التصنيف؛ فهو كاتب وناقد (للأدب واللغة والفن والتاريخ والعمارة والتصوير الفوتوغرافي والسينما والثقافة والممارسات اليومية) ومُنظر ومُفكِر ومُؤرِخ ومترجم وخبير خطوط، وواضع بذرة ما يُطلق عليه الآن اسم "الدراسات الثقافية". ودمج في أعماله علم الاجتماع الثقافي والمادية التاريخية والمثالية الألمانية ونظرية علم الجمال ومدرسة فرانكفورت وكانط وهيجل والقبلانية. ورغم المقاربة الماركسية التي يستخدمها في معظم أعماله، إلا أنه غير مُؤدلج بالكلية - على الأقل بالنسبة لي (أو ربما هو كذلك لكنها تروق لي؟). لكن بشكلٍ عام، فالتر بنيامين فيلسوف بالمعني الكلاسيكي للكلمة (أو ربما بالمعني الأصلي لكننا لم نعتده هنا فوجب التوضيح).

يقول بنيامين في شارع ذو اتجاه واحد (1928) "الأعمال المكتملة أقل وزنًا بالنسبة للأشخاص [الكُتَّاب] العِظام من تلك الشذرات التي يستمر عملهم عليها طوال حياتهم". ينطبق نصف المقولة الآخر على أبرز أعماله؛ مشروع البواكي الذي بدأه في باريس عام 1927 ولم ينته منه قط، واعتبره "مسرحًا لكل صراعاته وأفكاره". الكتاب بأكمله عبارة عن مقتطفات من مئات الكتب والمراجع وملاحظاته عليها مُصنفة ومُرقمة في 36 قسمًا وكلها تُركز على بواكي باريس في القرن التاسع عشر؛ أبكر مراكز الاستهلاك، واهتمامه بتسلع الأشياء الذي يعتبره التحول الكبير إلى العصر الحديث. وهو أيضًا مسعاه لعرض التجربة البرجوازية للقرن التاسع عشر ونقدها من أجل تحرير التاريخ.

أما أطروحته عن مفهوم التاريخ المستوحاة من لوحة أنجلوس نوفوس (الملاك الجديد) لبول كيلي والمكتملة في نفس عام وفاته، فتؤكد أن الصراع السياسي هو ليس فقط صراعًا على الحاضر ولكن على الماضي والتقاليد أيضًا.

اهتم بنيامين بالمدن باعتبارها مُصغرًا للكون ونظامه، وتعبيرًا عن اللاوعي الجمعي. ويفرد مساحة في أعماله لما يسميه فن التيه في المدن detour، فهو ليس معنيًا بالمدينة ذاتها ولكن بغابة التفاصيل بها. ويفهم المدينة كصورة وتكوين ومبنى. بجانب كتاباته النقدية عن باريس في مشروع البواكي وباريس عاصمة القرن التاسع عشر، ظهرت برلين في كتابات أدبية عن الذات: طفولة برلينية حول عام 1900، وسجل برلين (والتي كتبها حين قرر الانتحار عام 1932 ثم تراجع في آخر وقت) كمعمل للمدن. وهو يهتم خصوصًا بتحولها من مدينة ذات طابع ريفي في القرن التاسع عشر إلى أكبر مدينة أوروبية قبل انتصاف القرن العشرين. أما عاصمة الاتحاد السوفيتي السابق فتظهر في يوميات موسكو في قصة حب فاشلة مع الثورة الروسية.

في طفولة برلينية، يتجلى اعتباره للطفولة كلحظة استيقاظ وانتقال من اللاحسي إلى الوعي. لا يركز بنيامين على الأحداث أو الأشخاص ولكن على الأماكن والأشياء، ولا يستدعي الطفولة بل يعيد خلقها. كيف يربط الطفل الأشياء ويجمعها، وهو ما فعله بالضبط في مشروع البواكي، وبشكلٍ كبير على مدار حياته وأعماله.

فكرت مليًّا في مفارقة وفاة بنيامين: انتحر بابتلاع حبوب مهدئة على الحدود الفرنسية الإسبانية حين رُفض عبوره في مسعاه للهرب من النازيين. في الصباح التالي، سُمح لمجموعته بالعبور. كان عليه الانتظار ليلة واحدة فقط، وكان سيصبح لدينا نسخة مكتملة من مشروع البواكي، وربما نصوصا أدبية وذاتية أخرى حول أوديسة الهروب. على أي حال، طرق بنيامين جدار الخزان بتعبير كنفاني، وترك أثرٍ بتعبيره.

"العيش هو أن تترك أثرًا"

باريس عاصمة القرن التاسع عشر.

* كُتِب هذا النص في ضوء الحلقة الدراسية "بنيامين والمدينة" (18- 20 ديسمبر 2015)، وبامتنان شديد لعروض سامي الخطيب وهيثم الورداني والمشاركين في الحلقة، وبالاستعانة بكتاب أقدم لك فالتر بنيامين عن المشروع القومي للترجمة 2005، ومقدمات ترجمات هاوارد إيلاند إلى الإنجليزية.

#فالتربنيامين #المدينة #خلودسعيد #إميالشعراوي

195 views