لماذا بنيامين الآن؟ أو هل يمكن سرد مدينة؟


فوتوغرافيا | إمي الشعراوي

في صيف 2015، تحديدًا في شهر سبتمبر، كنت في برلين ضمن برنامج تدريب الإدارة الثقافية "الأكاديمية الثقافية" التي ينظمها معهد جوته الألماني سنويا.

كنت قد تقدمت بمشروع للالتحاق بالبرنامج بعنوان "الإسكندرية – شرق ... من أجل سرديات معاصرة للمدينة"، ومن خلاله أطمح إلى محاولة بناء سردية جديدة ومعاصرة لمدينة الإسكندرية عن طريق تعقب الحياة والعمران والناس في شرق المدينة بالكتابة والبحث والصورة، وبالتالي نقد السردية القديمة التقليدية عن المدينة التي لم نعشها .. سردية "إسكندرية الكوزموبوليتانية".

في برلين، كنت أفكر كثيرا في فكرة السرديات المعاصرة للمدن والمشروع وكيفية تحقيقه بشكل جيد ، وقابلت الصديق والكاتب هيثم الورداني في بار "الموبيل أولفا" في قلب "كرويتزبرج"1 الحبيبة .. البار الذي كان محلا للموبيليات وأصبح بارا .. تحدثت مع هيثم عن المشروع وعن ضرورة بناء سرديات وحكايات معاصرة عن الإسكندرية بدلا من الكلام البالي المتخيّل المحنّط عن الكوزموبوليتانية.

كنت أقرأ "طفولة برلينية" لفالتر بنيامين في ترجمته العربية الجميلة لأحمد فاروق، وكنت قد قرأت بعض مقالات بنيامين ومن بينها مقالة "باريس عاصمة القرن التاسع عشر" وكتاب بودلير في ترجمات المترجم العظيم أحمد حسان.

فوتوغرافيا | عمر عادل

لمحت ظلا كبيرا لبنيامين في بعض قصص مجموعة هيثم الورداني "حلم يقظة" وكذلك في مقاله عن برلين مع أحمد فاروق الذي نشر في مجلة أمكنة 2 "مدينة الأشباح" حيث محاولات التقاط إيقاع المدينة من تفاصيل الشوارع والجدران واللافتات، والتي تحكي الكثير عن سياقات المدينة وحالاتها.

كنت أتحدث مع هيثم وأعرف عن قراءاته المعمقة لبنيامين وولعه به؛ لذا طلبت منه أن نقوم بعمل ورشة أو حلقة دراسية أو نقاشية عن أفكار وأطروحات فالتر بنيامين عن المدينة كمدخل وجزء من الورشة التمهيدية التأسيسية من أجل سرديات معاصرة للإسكندرية. وذلك لأنني أعتقد بشكل مبدئي، أن تلك الأفكار والأطروحات لازالت طازجة وصالحة لزماننا، وباستطاعتها قراءة وتحليل وتفسير الكثير عن مدننا، ولابد لها أن تجد طريقا إلى متن أفكارنا ومشاعرنا.

أجاب هيثم بأنه يفكر هذه الأيام في الخروج من كتابة المدينة وسردياتها، وحكاياتها أو نقدها - إن شئنا الدقة - وأنه في ظل الإطار الواسع الضاغط للرأسمالية المعولمة، أصبحت كل المدن الكبيرة أو المركزية أو التاريخية تعيش في العمق وبقدر من التجريد نفس الحياة تقريبا.

فكرة هيثم عن نقد كتابة المدينة وسردها حتى لو كانت معاصرة أضاءت شيئا ما في دماغي - رغم أننا لم نتناقش فيها كثيرا - وخفتت مع الوقت، لكنها ظلت على بالي حتى قال لي هيثم من جهة إذا أردت أن تنظم ورشة عن "بنيامين والمدينة" فلابد أن يكون سامي خطيب جزءا منها، ومن جهة أخرى كان علي أن أتقدم بمقترح مشروع صغير يناسب المنح المطروحة في نهاية "الأكاديمية الثقافية".

فوتوغرافيا | عمر عادل

سامي خطيب .. كاتب وباحث ومحاضر، حصل على دكتوراه في دراسات الاتصال والميديا من جامعة برلين الحرة، ومتخصص في أطروحات ودراسات فالتر بنيامين.قابلته في برلين خلال أجازة عمل قصيرة له قادما من بيروت التي يحاضر في الجامعة الأمريكية بها. عرضت عليه مقترحا لمشروع حلقة دراسية بصحبة هيثم الورداني بعنوان "بنيامين والمدينة" في الإسكندرية؛ فوافق على الفور وتحمس جدا.

تم اختيار مقترح مشروع "بنيامين والمدينة... من أجل سرديات معاصرة للإسكندرية" لنيل إحدى المنح المقدمة في نهاية " الأكاديمية الثقافية" للعام 2015.

بدأت مرحلة التجهيز والبحث لتحضير محتوى الحلقة الدراسية. التقينا سامي وهيثم وأنا في نوفمبر الماضي في كافيه "يونس" بجوار الجامعة الأمريكية في بيروت. سألنى سامي لماذا تريد تنظيم حلقة دراسية عن بنيامين والمدينة في الإسكندرية؟ جاوبت على الفور أن هدفي العام هو محاولة بناء سرديات معاصرة عن الإسكندرية، وأنه من خلال قراءتي لكتابات بنيامين عن باريس وبرلين تحديدا وجدت الكثير من الأفكار الجديرة والصالحة كمدخل لتلك المحاولة.

صمت سامي قليلا مفكرا ثم قال أنه لا يصلح لتلك المهمة. أوضح سامي بعد ذلك، وأكّد هيثم على ما قاله من أن فالتر بنيامين من الصعب أن يكون وسيلة لغاية مقترحة؛ لأن قوة منطقه وسحر طرحه دائما ما سيأخذنا إلى طريق مختلف إذا ما تركنا تفكيرنا وحواسنا تتفاعل مع نصوصه دون أفكار معدة سلفا، وأنه ينبغي علينا ألاَّ نتعامل مع أطروحاته كدليل لكيفية بناء أي سردية؛ لأن ذلك يعد تعليبا لأفكار بنيامين وتنميطا لها لا نود إطلاقا في حلقتنا الدراسية أن نصل اليه.في لقاء بيروت وحلقة الإسكندرية، طرح سامي السؤال .. هل يمكن سرد مدينة؟ أو هل المدينة قابلة للسرد؟ سؤال يثير النقاش ويحاول سامي الإجابة وطرح أسئلة أكثر. يرى سامي أن بنيامين لا تعنيه فكرة بناء سرديات جديدة معاصرة بقدر ما يعنيه تفكيك السردية التقليدية النمطية الرسمية للمدينة .. تفكيك أساس فكرة السردية ذاتها.

وفقا لبنيامين: فكرة سردية المدينة – سواء قديمة أوتقليدية أو معاصرة – فكرة أيديولوجية مرهونة طوال الوقت بالظرف والسياق التاريخي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، تعبر عن الواقع الذي أنتجها بشكل ما رغم كل محاولاتها للتنكر له.

في أعمال مثل "مشروع البواكي" و"طفولة برلينية"، وفي "أطروحات حول التاريخ" وغيرها يسعي بنيامين إلى تفكيك وخلخلة سردية المدينة (أو أسطورتها)؛ وذلك عن طريق التوهان في أزقة المدينة - والمعرفة - وحواريها وتعرجاتها والتفافاتها، وليس في طرقها الرئيسية ومعالمها الأساسية، عن طريق النبش في الأرشيفات غير الرسمية للناس العاديين والمهمشين وتاريخ المباني والواجهات والجدران، عن طريق البحث الحثيث عن الجوهر من خلال الجري وراء التفاصيل.

وبناءً على ذلك، طوّرنا عنوان الحلقة الدراسية إلى "بنيامين والمدينة... هل يمكن سرد مدينة؟"

1 – حي كروتزبيرج :- أحد أحياء برلين الكبيرة والشهيرة.

2 – مجلة أمكنة :- مطبوعة غيردورية تعنى بثقافة المكان يحررها علاء خالد وسلوي رشاد.

#عليحسينالعدوي #فالتربنيامين #المدينة #إميالشعراوي #عمرعادل

98 views