أرض لا أحد و في راسي رون بوان: قراءة في تقاطعات الفيلمين


في ثالث أيام الورشة عُرض فيلم "أرض لا أحد" للمخرج الفرنسي جان بوراون، والفيلم الجزائري "في راسي رون بوان" للمخرج حسن فرحاني على الترتيب. قصتا الفيلمين لا تبدوان متشابهتين على نحو ملحوظ، ولكن ربما تجد بعض القراءات العديد من أوجه التشابه بين فيلمين يدور أحدهما في مدينة إيطالية على الحدود مع سلوفينيا ومقدونيا، والآخر تدور أحداثه بالكامل داخل مسلخ رسمي بالعاصمة الجزائرية الجزائر.

"أرض لا أحد" الذي يخبرنا تقديمه المختصر عن "لقاء في مدينة تريستي الإيطالية بين أربعة شبان: بيليانا وأليساندرو وآداما وليزا ـ يواجهون مستقبلهم وخياراتهم السابقة في تلك المنطقة الحدودية، حيث ترتسم معالم قارّة أوروبية قلقة على مصيرها "يتلاقى مع "في راسي رون بوان" المحصور كلّية داخل حدود المسلخ في كونهما يتخذّان الحيز المديني الحضري مسرحا لأحداث الفيلم. وبينما تبدو الجغرافيا المكانية ملموسة بشكل واضح في فيلم بوارون الذي نتابع مشاهد عديدة لشخصياته تمشي في طرقات مدينة تريستي، يتجوّل فرحاني بكاميرته بين جنبات خريطة بشرية يجسّدها عمّال المسلخ الذين تأخذ حواراتهم مع الكاميرا/ المخرج القدر الأعظم من 100 دقيقة هي مدة عرض الفيلم.

التفحُّص والتمهُّل اللذان يتيحهما صبر الكاميرا الثابتة التي يصرّ عليها فرحاني يسمحان له بتكوينات بصرية ممتدة ثرية على مستوى الشكل والتأويل، وأحيانًا يكافئه بتفصيل أو حدث مفاجئ يُبقي عليه المخرج (كما في مشهدي الطور المشدود والمطر المفاجئ أثناء حديث مُبكّر بين يوسف وعلي) كأحد الملامح الأساسية للتأكيد على تخفّفه من تحميل فيلمه أية رسالة بعينه،ا وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته كذلك في التناثر المنضبط للحكايات وتعدّد الشخصيات. بالإضافة إلى توفُّر الفيلم على خاصية تضيف لقيمته الوثائقية الكثير وهي التزام الحيادية إلى أبعد مدى ممكن، والوقوف على مسافة متساوية تقريبًا من شخصيات الفيلم، بل والعدل بينهم في قدر الوقت المخصّص لكلّ منهم على الشاشة لعرض جانبه من حكاية الفيلم الشاسعة والعابرة لحدود المسلخ والجزائر.

تعامُل مشابه وإن بقدر أقل من الفاعلية نجده في فيلم بوارون الذي يختار بناءً يستعيد الروايات الكلاسيكية الضخمة بتقسيم الفيلم إلى فصول تمهيدية بأسماء الشخصيات للتعريف بها منفردة مع تسليم وتمهيد كل شخصية لظهور الشخصية التالية إلى أن تتداخل عوالم الجميع في ثلاثة فصول تالية بعناوين أدبية خالصة (ذكر المخرج في النقاش الذي تلى عرض الفيلم بوكالة بِهنا أنه لا يعتبر نفسه قارئًا للروايات، ولكنه قاريء مخلص للشعر) ومن المُلاحظ وجود وحدة أسلوبية لدى المخرج الفرنسي الشاب في المشاهد التقديمية لشخصياته من خلال تصويرها من الخلف (وكذلك تماثيل الكُتّاب الذين تشتهر بهم مدينة تريستي) بطريقة تستدعي "تانجو الشيطان" (1994) لبيلا تار و"فيل" (2003) لجوس فان سانت وغيرها من الأفلام التي قاربت الاغتراب المديني والوقوف على حافة نهاية العالم بطريقة أبوكاليبسية (apocalyptic). كذلك يضيف المخرج لمحة إضافية من الاغتراب من خلال طبقة رمادية تكسو الشاشة طيلة الفيلم على نحو يذكّرنا بفيلم "Playtime" لجاك تاتي.

هذا الاغتراب يتبدّى على نحو أوضح مع تقدُّم الفيلم في حكايته والتوغّل أكثر في دواخل شخصياته القادمة من ثلاث قارات متنوعة حيث نرى آداما، المهاجر الأفريقي الذي يبحث عن عالم جديد أفضل في أوروبا ولا يجد سوى عمل مرهق وشاق، وبيليانا الطبيبة المقدونية التي تعمل كنادلة في مطعم بحري نادر الزبائن ولديها ميول فنية، كذلك الأمر مع ليزا التي تأخذ سمة رحّالة أوروبية تنتقل من بلد إلى بلد في سعي حثيث نحو شيء غامض، أو حتى أليساندرو الموسيقي الإيطالي الذي لم يشف بعد من إحساسه الذاتي بالانفصام نتيجة تجربة إدمانه للمخدرات في وقت سابق. كلّ هذه الشخصيات تجتمع في مدينة يخبرنا الفيلم أنها "أرض لا أحد" بما يؤكّد إحساس الاغتراب في دائرية ممتدّة.

الاغتراب أيضًا حاضر في الفيلم الجزائري سواء من خلال اختيار موقع الأحداث (المسلخ، مسرح القسوة والرقة) أو من خلال شخصياته. فنجد الرجل العجوز المجنون يعيش في عالم يخصه وحده، أليس هذا الجنون هو المثال الأوضح عن الاغتراب؟ كذلك يوسف، الشاب ذو العشرين عامًا، الذي يحصر اختيارات الشباب الجزائري ممن هم في مثل عمره في ثلاثة اختيارات لا رابع لهم: إما المخاطرة بالهجرة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط (أصداء مستعادة لمأساة آداما في الفيلم الفرنسي) أو "العيش في الحرام" مع حبيبة تقف العوائق الاجتماعية والاقتصادية عائقًا أمام إتمام ارتباطهما، أو الانتحار كسبيل أخير للخلاص من حياة مُعطّلة. وإجمالًا، وبقليل من القراءة المتعسّفة للفيلم يمكن القول أنه يقدّم شخصياته على اختلاف أعمارها كمتسلسلة للاغتراب، وهو ما يتناسب مع النمط الدائري الذي يقترحه عنوان الفيلم، والشكل البنائي الذي اختاره المخرج لفيلمه.

الوحدة كذلك حاضرة في الفيلمين بداية من التقديم المنفرد للشخصيات في فيلم جون بوارون، وذلك الإحساس المتنامي مع تقدُّم الفيلم بأن ثمة حياة مُعطّلة لدى الجميع تنتظر التنشيط، حتى أن المشهد الوحيد الذي تسمح فيه ليزا لعقيرتها بالخروج عاليًا يكون في أحد البيوت المهجورة. في الفيلم الجزائري يُلاحظ ندرة المشاهد التي تجمع حوارًا يدور بين أكثر من شخص (بخلاف يوسف والشاب القبائلي الذي تجمعهما طبيعة العمل معًا) مع استمرار وجود جهاز التليفزيون كمصدر وحيد للعالم الخارجي، عالم ما خلف أسوار المسلخ. وهو ما يحيلنا إلى ملمح آخر من ملامح التشابه بين الفيلمين وهو تصدير مكان الأحداث كسجن أو ديوراما (Diorama) تعلق بداخله الشخصيات كما يظهر في فيلم فرحاني من خلال كادرات علوية ثابتة تظهر فيها المدينة والتفصيل الخاص بالعامل العجوز الذي قضى أكثر من 60 عاما عاملًا ومقيمًا داخل أسوار المسلخ، أي أنه قضى أكثر من عقوبتين بالسجن المؤبد مثلما تندّر أحد مشاهدي الفيلم.

الاستدعاء والاستعانة بالماضي عنصر مشترك آخر في كلا الفيلمين من خلال تضمين الذكريات والخبرات السابقة في السرد. في الفيلم الفرنسي تدخل الشخصيات، كل على حدة، في مونولوجات طويلة نسبيًا لتذكَر ماضيها والوقوف على مآلات اللحظة الحاضرة في رحلة بحث ذاتية تشمل مخرج الفيلم ومدينة تريستي كذلك؛ الأول باعتباره فنان مهموم بأزمات هؤلاء الشباب، والثانية باعتبارها نقطة تلاق وتقاطع بين بلدان أوروبية عدة وشاهدة على مصائر وأحداث. في الفيلم الجزائري يحضر الماضي وذكرياته كمعطى غير مؤكد ومفتوح على سؤال الصدق من عدمه. حوارات الشخصيات مع الكاميرا/المخرج طويلة ومتشعّبة بما يكفي كي يصنع كلّ مُشاهد فيلمه الخاص من مجموع ما يهتمّ به من حكايات وشخصيات في الفيلم، وهذه إحدى أبرز نقاط قوة فيلم فرحاني. يحكي "عمّو" عن طائر من أيام الاحتلال الفرنسي بطريقة تكشف عن تفاهة ورعب المحتلّ، ويحكي الشاب القبائلي عن علاقات حب سابقة يبدو من الصعب تصديق حدوث إحداها، كذلك يأتي الرجل المجنون بحكايات وتعليقات لا تنتظم في فلك معين ولا يمكن التأكيد على صدقها كذلك، وأخيرًا هناك العامل العجوز الذي لا يملّ من الحديث عن الموت، وتلك الشخصية بالتحديد تبرز فيها دائرية الفيلم الزمنية بشكل واضح كونها تجمع بين الموت والحياة في فصول الحياة المختلفة، فالماضي متمثل في العمل وحكاياته، والحاضر بما يمثله وجود الرجل والمستقبل غير معلوم بالضرورة ولكنه سينتهي بالموت على أية حال.

آخر المشتركات في فيلمي بوارون وفرحاني ستكون هي العامل المشترك الأكثر حضورًا في مصائر البشر: السياسة. في كلا الفيلمين بعد جيو-سياسي واضح، يتمّ الإشارة إليه في الفيلم الفرنسي من خلال شخصية بيليانا التي تهاجر إلى إيطاليا مع نشوب حرب الإبادة العرقية في البوسنة والهرسك، وأفول نجم الإتحاد السوفيتي، وظهور النظام العالمي الجديد، وصولًا إلى الوضع المأزوم للقارة الأوربية على أكثر من مستوى، والذي يمكن إدراكه بشكل موارب من خلال أزمات شخصيات الفيلم بما فيها شخصية المهاجر الإفريقي. أما في الفيلم الجزائري فنصيب السياسة أكثر حضورًا بداية من اختياره تقديم وثيقة إنسانية وتاريخية لأحد المسالخ الأخيرة الناجية من سياسات الهيكلة الحكومية، والتي تقضي بإبعاد المسالخ عن التجمعات السكنية والخدمية، الأمر الذي يسمح للفيلم بوجود أصداء من السيرة الاجتماعية والسياسية للبلد في سياقه، أو في تقديمه المسلخ كنموذج لمكان يجمع بين العمل الشاق والموت المتكرر والحياة المستمرة وصورة بلد مذبوح في مطبخ الساسة والعسكر. صورة بوتفليقة ستمرّ عابرة في الفيلم، وقد استخدمت كسدّادة لإحدى النوافذ داخل المسلخ، وستعبر أزمة العرب والبربر والفروقات والامتيازات الاجتماعية في كلمات حوار دائر بين يوسف وصديقه القبائلي حول البنات والحبّ والزواج، وستتكفّل مباراة لكرة القدم على شاشة التليفزيون بإشعال جدل حول بنزيمة وزيدان واللاعبين الجزائريين الذين يختارون اللعب لصالح فرنسا كي يستطيعوا صناعة تاريخ شخصي، وكأنه تذكير للمُشاهد بكلام يوسف عن التطلع للغرب والوصول إليه لتحقيق الأحلام بدلًا من الموت حيًا في بلد يبدو فيه المستقبل غائمًا ومكبّلًا حتى وإن أصرّ ساكنوه على الغناء للحبّ والحياة.

*هذا النص جزء من ملف لمسات أولى من ورشة النقد السينمائي.

#السينما #محمدصبحي #لمساتأولى