الرقيب الخالد: جدوى الفن في زمن الحرب


عقب نكسة عام ١٩٦٧ خرجت العديد من الأصوات المتشددة تنادي بضرورة تعطيل كافة الأنشطة الفنية والثقافية بدعوى ما جدوى الفن في زمن الحرب؟ بعد ما يقرب من خمسين عاما ماتزال أصداء هذا السؤال تتردد في واقعنا المعاش، في ظل أجواء الحروب والصراعات التي تعيشها العديد من الدول العربية.

في فيلمه "الرقيب الخالد" يحاول المخرج السوري الشاب زياد كلثوم الإجابة عن هذا السؤال عبر تجربته الشخصية ومعايشته للحرب السورية، التي ينقلها بصورة معبرة ومعالجة سينمائية مغايرة تكشف مدى عبثية وتناقضات وجنون الحرب، دون الوقوع في فخ المباشرة أو الميلودراما المفرطة التي تطغى على كثير من الأفلام التي تتناول الحرب.

يطرح زياد على مدار الفيلم ثلاث إجابات مركزية عن جدوى الفن والسينما تحديدًا في زمن الحرب، وهما أولًا قدرة السينما على كشف عبثية وجنون الحرب وفضح الشعارات الزائفة عن البطولات والنضال ، ثانيًا السينما كمرادف للحياة وسبيل للنجاة من السأم. ثالثا السينما كأداة للمقاومة والتحرر.

عبثية الحرب وزيف البطولة

يبدأ زياد فيلمه متتبعًا ذاته عبر كاميرا الموبايل التي ترصد رحلته كمجند في الجيش السوري، تتحرك الكاميرا بصورة مضطربة متنقلة ما بين حركة أقدام زياد وهو في طريقه لمعسكر الجيش وبين شوارع المدينة الخاوية ومبانيها المدمرة، وفي الخليفة ينقل شريط الصوت رائحة الموت التي تطغى على كل شىء، عبر أصوات ضجيج الطائرات الحربية المستمر والانفجارات المتتالية التي تشوش وتهمين على صوت هتاف الشعب يريد إسقاط النظام الذي يتراجع ويخفت تدريجيًا لتبقى أصوات التفجيرات هى الوحيدة المهيمنة على الفضاء العام.

من خلال هذه المعالجة السينمائية التي تعكس بؤس الواقع المعاش عبر الصورة وشريط الصوت والمونتاج الحاد يقدم زياد أولى إجاباته عن جدوى الفن في زمن الحرب؛ فالسينما يمكنها أن تكشف لنا ببساطة وقوة وعمق مدى عبثية الحرب وزيف مفهوم البطولة الذي تروجه السلطة، فبذكاء شديد تلتقط كاميرا زياد صورا لشعارات تمجد بطولة وقوة القيادة وحتمية الانتصار، ثم تتبعها لقطات تعكس الدمار والهلاك الذي تتعرض له المباني والجدران والمعدات العسكرية المنتشرة في المدينة، فأي بطولة هذه التي تدمر المجتمع من أجل الحفاظ على سلطة شخص أو طائفة، تنتقل كاميرا زياد للصور واليافطات التي تمنع التصوير، وهى صورة شديدة البلاغة تعبر عن مدى قوة الصورة وخوف السلطة منها، هذه التناقضات التي تعري السلطة وتكشف جنون الحرب.

السينما والحياة

في رحلته لمعسكر الجيش يشير زياد لطبيعة عمله الإدارية التي منحته فرصة كبيرة للتأمل والتفكير في مدى عبثية الحرب وجنونها، ففي الأيام التي يقضيها في المعسكر كان يرى مدى عنف الجيش النظامي، وفي الأيام التي يأخذها إجازة ويعود فيها لقلب دمشق ليعمل مع المخرج محمد ملص كمساعد في فيلمه، يشاهد زياد من بشاعة وعنف المعارضة ومدى الرعب الذي تسببه لسكان دمشق.

بمجرد رجوعه إلى قلب دمشق ينتقل زياد في هذه المرحلة من صور المعسكر المضطربة والمشوشة التي التقطت عبر كاميرا الموبايل، إلى نمط آخر من التصوير بكاميرات احترافية، حيث نسمع ونشاهد وقع الحرب على أشخاص آخرين غير زياد، ونكتشف مدى تناقض أحاديثهم وتشتتها، لكن شيئا واحدا يجمعهم وهو السينما؛ فالسينما لهم هى الملاذ الآمن للهروب من سأم الحرب ووحشيتها، والسينما هى المكان الذي يجمعهم رغم مواقفهم المختلفة؛ فبعضهم يدعم بشار الأسد وآخرون يعارضونه.

في أحد المشاهد المعبرة والصادقة يتحدث ملص عن تساؤلاته الداخلية التي تؤرق وجدانه قائلًا "نحن نصور في قلب دمشق، ومع ذلك يمكن أن تسقط علينا قذيفة ونموت" ويضيف " الحرب في كل مكان، ونحن نصور فيلما" ثم ينظر للكاميرا متعجبا ومستفهمًا ويصمت، هذه اللقطة تعبر بقوة عن كيف صارت السينما هى متن الحياة للكثير من الناس؛ فمحمد ملص وباقي المشاركين في الفيلم رغم شعورهم بالسأم وعدم جدوى أي شىء في وسط هذا الموت والدمار لكنهم لا يملكون سوى أن يصنعوا أفلاما، ليس لتغيير الواقع ولا للنجاح والشهرة والحصول على مال، فكل هذه المتغيرات تجاوزها واقع الحرب ولم تعد موجودة، ومع ذلك يصرون على صناعة السينما لأنها ببساطة هى الحياة بالنسبة لهم.

بشارة السينما

هذه التناقضات التي عايشها زياد، دفعته في النهاية للانشقاق عن الجيش النظامي، مراهنا على السينما والفن كبشارة وفرصة أخيرة للنجاة، هذه البشارة يعكسها زياد في مشاهد الفيلم الأخيرة حيث نرى العديد من الأطفال الشغوفين بالسينما يحيطون فريق عمل فيلم محمد ملص الذي يستعد لتصوير مشهد لأم أحد الشهداء، بهذا التكوين المدهش الذي يحمل تنوعا لأجيال مختلفة، حيث الأم العجوز تقف في الشرفة وتستعد للتصوير، والأطفال الصغار وفريق عمل الفيلم الذي أغلبه من الشباب يقفون محتشدين في الحارة وتتوسطهم الكاميرا، يختتم زياد فيلمه مؤكدا على قدرة السينما على أن تكون أداة للمقاومة والتحرر من قيود الحرب، ومع تتر النهاية يؤكد زياد من جديد على هذا المعنى بالجملة التي تظهر على الشاشة ويقول فيها (وبناء عليه أعلن أنا المجند زياد كلثوم عن انشقاقي عن الجيش النظامي، وعدم انضمامي للجيش الحر ولا غيره من الجيوش المقاتلة على هذا الكوكب، فكاميرتي هي سلاحي وحريتي).

*هذا النص جزء من ملف لمسات أولى من ورشة النقد السينمائي.

#السينما #إسلامأنور #لمساتأولى