حين اختلط كل شيء حول المتوسط: نقاد بير السلم


فوتوغرافيا | محمد النجار

علي مدي ستة أيام، انغمست تمامًا خلالها في برنامج لمسات أولى لسينما شباب البحر المتوسط في الفترة من 20 إلى 25 مارس. كانت البداية مع رحلتي من القاهرة إلي الإسكندرية؛ مدينتي المفضلة، التي مكثت بها لستة أيام متواصلة لأول مرة داخل المربع الضيق بين محطة الرمل والمنشية، حيث مكان ورشة النقد السينمائي وعروض الأفلام.

شاهدت في هذه الأيام الستة أكثر من خمسة عشر فيلمًا بمعدل فيلمين إلي ثلاثة يوميًّا. لم تتسنَّ لي من قبل فرصة مشاهدة كل هذه الأفلام في وقتٍ قصير، والأهم أنها المرة الأولي التي أتفرغ فيها تمامًا طوال أسبوع عمل كامل لمشاهدة أفلام ومناقشتها. كل ليلة، يستدعي عقلي مشاهد من مخزون بصري متراكم لأماكن لا أعرفها أو ربما زرتها سريعًا بلا قدرة علي التوغل داخلها في الجزائر والمغرب وتونس وفرنسا وإيطاليا وسوريا. يترك كل فيلم أثره في قلبي بشحناتٍ مكثفة من المشاعر بكل تنويعاتها: الخوف من المجهول، القلق علي مستقبل مظلم، الأمومة واحتمالية الحرمان منها، الحرب الأهلية، وبالطبع الموت. كل هذا الخليط من الأفكار والمشاعر والصور يمتزج بين العقل والروح خلال تلك المشاهدات المكثفة.

كل كاميرا لها حساسيتها، وكل صورة تنقل زخمها المُحمَّل بالمشاعر والرسائل والانحيازات.

تنوعت الأفلام بين التسجيلي والروائي القصير والتجريبي، وكأنه اختبار مستمر لمخزون المشاهدة السينمائية داخل كل منا. في فيلم شديد التجريب باستخدامه تقنية الكاميرا الـ "جو برو" مثل ( بدون) (1) للمخرج الجيلاني السعدي، تتحرك الكاميرا في شوارع بنزرت في تونس وتحت الماء لتقدم منظورًا جديدًا للرؤية لتصبح الصورة التي تراها علي الشاشة وكأنها عين المشاهد وتتحدي كافة الأطر التقليدية المريحة التي اعتدناها في مشاهدة الأفلام. تلك الراحة التي تباغتنا بعد مشاهدة عدة أفلام تسجيلية وقصيرة مكثفة، ثم نفاجأ بفيلم مثل الجزائري الروائي القصير (قبل الأيام) لكريم موسوي الذي يبدو بناؤه تقليديًا؛ فهناك صورة رائعة ولقطات واسعة للجبال والطبيعة وموسيقي كلاسيكية دائمًا في الخلفية. بينما يأخذنا المخرج زياد كلثوم في رحلة داخل سوريا الممزقة بالحرب الأهلية في 2012 بكاميرا الهاتف المحمول "الآي فون" في فيلم (الرقيب الخالد)، أو الصورة القاتمة والشاعرية في نفس الوقت في فيلم المخرج الفرنسي جون بوارون (أرض لا أحد)، الذي بدا كجملة شعرية متصلة.

تنوعت المدن كذلك، اتسعت وضاقت، اختلفت وتشابهت. في الجزائر العاصمة يقف المخرج لمين عمار خوجة بكاميرته في فيلم (بلا سينما) داخل ساحة في قلب المدينة ليترك أهل المدينة يتحدثون عن كل شيء من أزمة السكن إلي المس الشيطاني، وكافة الآمال والأحلام المجهضة. في فيلم طرف ديال الخبز (من أجل لقمة خبز) يأخذنا المخرج هشام اللدقي في رحلة في مدينة مراكش السياحية في المغرب التي تبدو لزاورها مدينة مبهجة لا تعيش سوي المرح، بينما خارج أسوارها يقف عمال يومية ينتظرون من يؤجرهم ليجدوا قوت يومهم، مثلهم مثل عمال اليومية الذين أراهم في بداية الطريق الزراعي على الكورنيش في شبرا المظلات في طريقي كل يوم من البيت إلي العمل، في نظرة تدوم لثوان معدودة لكنها قادرة علي ترك ألم جسدي حقيقي طوال اليوم. أما دمشق في عام 2012 فهي المدينة الحية الميتة التي لا تعرف كيف لازالت تعيش وسط كل هذا الدمار وحصار الموت، كما صورها زياد كلثوم في فيلمه (الرقيب الخالد). وهناك كذلك مدينة سيدي موسي الجزائرية التي نعيش فيها بداية الحرب العشرية السوداء في (قبل الأيام) لتجهض قصة حب تبدو عادية جدًا بين شاب وفتاة مراهقين في المدرسة الثانوية. أما علي الجانب الاخر من المتوسط فتوجد مدينة تريستي في شمال شرق إيطاليا حيث يتلاقي أربعة من شباب المدينة حول أزماتهم الوجودية وأسئلتهم التي لا تجد إجابات في (أرض لا أحد). وهناك مدينة ليتشي في جنوب إيطاليا التي تشهد صراعًا خفتت حدته بين الكنيسة الكاثوليكية وإمبراطورية مارا؛ المتحولة جنسيًّا التي تدير شبكة دعارة يعلم عنها الجميع ولا يتنصلون منها في ذات الوقت، في تواطؤ هو قلب المدينة وهويتها.

وكما كانت القصص والحكايات عن المدن بتنوعها واختلافها، تشابهت قصص البشر رغم اختلاف المجتمعات والسياقات. قد توجد بالتأكيد في كافة تلك المدن أو ربما مدن أخري سيدة مثل حنان في فيلم نادين صليب (أم غايب) التي تعيش في قرية في حضن الجبل في صعيد مصر معركة يومية دامت أكثر من خمسة عشر عامًا لتصبح أمًا. وربما توجد أيضًا في أي من تلك المدن فتاة تريد التخلص من طفل غير مرغوب فيه ولكنها تتردد ولا تعرف الطريق كما هي بطلة فيلم ريم مجدي (خارج المدينة). أو احتمالية وجود شاب مراهق يعيش علي هوامش أي من تلك المدن أو غيرها ويريد أن يصنع مغامرته ليقود سيارة فيراري ويتباهي بها أمام أصحابه وساكني حيه الفقير كما هو بطل فيلم ياسين كنية (F430). وهناك بالتأكيد في كافة تلك المدن رجل عجوز ينتظر الموت أو يناجيه كما الرجل العجوز في المذبح القديم بالجزائر في فيلم حسن فرحاني (في رأسي رونبوان) (دُوار).

كسرت الأفلام أنماطًا تقليدية وأكدت علي أخرى. فالبحر المتوسط الفاصل بين عالم يريد أن يهرب منه الجميع إلى جنة منشودة، تلك الجنة التي يراها أصحابها "أزمة" ونهاية حضارة هو واقع يلقي بثقله بين العالمين. الشاب الإفريقي أداما في فيلم (أرض لا أحد) ركب البحر وعاني في مراكب الموت ليصل إلي أوروبا و يبدأ معركة جديدة، لكنه أيضًا صديق حميم لمجموعة من الشباب الأوروبيين الذين يعيشون أزماتهم أيضًا، مهما بدت لنا أزمات مفتعلة. ولاتزال أمنية الشباب الصغير في الجزائر هي ركوب البحر والهرب من البلد التي تطبق عليهم من كل جانب. تتمني الشابة الصغيرة في الساحة العامة بالجزائر في فيلم (بلا سينما) ركوب البحر لتصل إلي إنجلترا ربما، لكنها لا تود أن تذهب إلي فرنسا فهي تكره ساركوزي (رئيس فرنسا في ذلك الوقت) بسب سياسته العنصرية. أما يوسف؛ الشاب العامل في المذبح في الجزائر، فلا يحدد أي مدينة يود أن ينطلق إليها، هو فقط يعلم أن عليه إما التحول إلي الجريمة أو الانتحار أو ركوب البحر ليهرب من واقعه كما في فيلم (في رأسي رونبوان). لكن الفرنسيين من أصل افريقي لم يظهروا ضحايا لظروفهم القاسية التي أجبرتهم علي العمل مع شبكات الجريمة المنظمة؛ فعلي العكس تمامًا في فيلم (مولي) للمخرج ياسين كنية وآخرين لا يفتك بستيف؛ الشاب الضخم الفرنسي الإفريقي الأصل الذي يتسلم عمله لأول ليلة في المسبح العام في احدي احياء مدينة فرنسية، إلا مجموعة أطفال صغار رومانيين يمارسون عليه كافة أشكال الإجرام والقسوة التي لا تتوقعها من أطفال. هو الواقع ببساطة يباغتنا، بلا ضحايا ولا مظلوميات ولا بكائيات.

وكما امتزجت المدن والصور والأشخاص والحكايات، امتزجت الدراما بين الواقعية والمتخلية. وامتزج الصدق بالكذب أيضًا؛ فنحن لا نعلم - ونحن أمام الشاشة - ما الحقيقي وما المصطنع.

وامتزجت أيضًا أفكار ومشاعر المشاركين في ورشة النقد السينمائي التي أدارتاها ببراعة العزيزتان إنصاف ماشطة وهاجر بودن القادمتان من تونس لتنقلا لنا كل حبهما وولعهما بالسينما. فما جعل هذه التجربة أكثر تفردًا هو أن هذه الأيام الستة المكثفة لم أعايشها وحدي، بل مع مجموعة متباينة من المشاركين عرفت بعضهم من قبل بدرجات متفاوتة وقابلت البعض الأخر لأول مرة. لم تكن الأيام الستة مفعمة فقط بتجربة مشاهدة برنامج الأفلام المكثف، بل أيضًا بنقاشات مكثفة مفتوحة وملهمة مع المشاركين والمدربين لتمتزج الأفكار جميعًا وتكمل بعضها البعض في انسياب لا يتحكم فيه أحد. نستطيع الآن توقع أي فيلم سيعجب إسلام وما عنوان مقالته الجديدة، ونعلم أن خلود ستنتقد غياب البعد النسوي ووجود المرأة في أحد الأفلام، وسيتحدث محمد أمين بخجل عن كتاب قرأه أو حديث مع مخرج، وأما عمر فسيقول كلمة واحدة علي استحياء لكننا نعلم أن هناك كلمات أخرى كثيرة تخجل أن تظهر، ومحمد صبحي سيبهرنا بتفصيلات لم يرها أحد غيره كعادته، حتي الصديق علي العدوي الذي تربطني به صداقة دخلت عامها الثامن، شعرت وكأننا نعيد اكتشاف ذوات جديدة لنا سويًا، فلم تتح لنا من قبل "رفاهية" تمضية كل هذا الوقت المكثف سويا لنغوص في ولعنا المشترك؛ السينما والأفلام. لم تمتزج فقط الأفكار بل أيضًا المشاعر. ربما كنا نخجل أن نتشارك مشاعرنا في الأيام الأولي، فلقد قاومت أن أحكي عن صديقتي نادين شمس التي تحل سنويتها في يوم مشاهدتنا لفيلم (أم غايب)، لكن بحلول اليوم الخامس كنا ثلاثتنا، أنا وخلود ومحمد صبحي، نجلس هناك في الصف الأخير نشاهد (الرقيب الخالد) ونبكي بكاءً متواصلاً أريحيًا في نصفه الأخير، لتذوب مشاعر خوفنا وألمنا هي الأخرى مع بعضها البعض.

*هذا النص جزء من ملف لمسات أولى من ورشة النقد السينمائي.

#السينما #ياراشاهين #لمساتأولى #محمدالنجار

34 views