قبل الأيام … كيف نبقي على الحب بيننا؟


"قبل الأيام" (Les jours d'avant) (2013) هو ثالث الأفلام القصيرة للمخرج كريم موسوي، الذي ولد ونشأ في الجزائر قبل أن يهاجر مع والديه إلى فرنسا. في 2006 أنجز موسوي فيلمه القصير الأول "ما الذي علينا فعله" استنادًا إلى قصة قصيرة للكاتب والشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي، وبعدها بثلاث سنوات أنتج وأخرج فيلمًا قصيرًا بعنوان "الإفطار". في 2011 تقدّم إلى أحد ورش الكتابة السينمائية بمشروع سيناريو حمل عنوان "في انتظار السنونوات"، وهناك التقى بفيرجيني لوجاي التي سيشترك معها في كتابة سيناريو فيلم "قبل الأيام". وعلى الرغم من تأكيد موسوي في أحاديثه الصحفية على أن "قبل الأيام" ليس سيرة ذاتية؛ فإن الفيلم صُوِّر بالكامل في مدينة مولده ومراهقته : سيدي موسى، التي ستكون مسرحًا لعلاقة حُبّ مجهضة بين مراهقيّن جزائريين على خلفية من إرهاصات الحرب الأهلية التي أُدخلت فيها الجزائر طيلة عشر سنوات لاحقة ولا تزال آثارها حاضرة حتى الآن.

نحن في عام 1994 وهذه الإرهاصات لا تشغل بال جابر، الطالب في إحدى ثانويات سيدي موسى، عن شغفه المُلِحّ بالبنات، أو بالأحرى يامِنة، جارته التي تعيش في نفس الشارع مع والدها ضابط الشرطة. بطبيعة الحال يصعب الاقتراب من هذه البنت خارج المدرسة نظرًا للأعراف المتبعة في المنطقة، وكذلك لحالة الحراسة والتشدّد التي يفرضها الوالد الصارم. في أحد مشاهد الفيلم المبكرة، يُظهر المخرج بذكاء ذلك الإطار الدقيق للعلاقات بين البنين والبنات في هذا المجتمع، حين يقترح بقّال الحيّ على جابر حمل كيس من مشتريات الخضراوات والفاكهة التي ابتاعتها يامنة ويوصلها إلى البيت، فيوافق الولد ولكن أثناء سيرهما نراه متخلّفًا عنها بخطوات تحدِّد مسافة معينة لا تسمح له بالكلام معها.

يمكن لمُشاهِد مُتسرِّع الاعتقاد بأن هذا الفيلم يكرّر تجربة زياد دويري في "بيروت الغربية" (1998)، ولكن سرعان ما سيتبدّى الاختلاف الكبير بين العملين. بعد مشهد افتتاحي قبل ظهور العناوين (avant-titre)، ينقسم فيلم كريم موسوي إلى قسمين متساويين في الطول نتابع فيهما جانبي الحكاية، في الأول مع جابر ثم في الثاني يامنة. الانتقال بين القسمين ليس زاعقًا أو واضحًا، فالأمر لا يتطلب أكثر من مشهدين أو ثلاثة مع مشهد استرجاعي (flashback) لندرك أن الأحداث التي شهدها جابر في بداية الفيلم هي التي ستظهر الأن من منظور يامنة، والتي سيكشف الفيلم عن قلقها المتصاعد جرّاء العنف الذي يهدّد والدها بشكل مباشر حيث أنه على قائمة الاغتيالات الإرهابية.

سريعا يقوم الفيلم بتقديم عائلتي المراهقيْن (بأداء طبيعي وهادئ من سهيلة معلّم ومهدي رمضاني) لتبدو التناقضات واضحة في عائلة يامنة، والاتفاقات التي تحكم العلاقة بين الجنسين داخل الأسرة الواحدة تميل بشكل جائر جهة الأب الذكوري المسيطر والجلف كذلك. هذا الأبّ، ضابط الشرطة الصارم والذي لا يضيّع فرصة لتضييق الخناق على ابنته بداعي الفضيلة، سنراه في أحد المشاهد يشاهد فيلمًا إباحيًا. نفس هذا الوضع المتناقض سنراه في الشارع حيث لا يبدو حال يامنة أفضل منه في البيت، فنراها تكتفي بخفض عينيها ردًّا على التحرُّشات والإساءات اللفظية من ذكور الحيّ.

على غير المتوقع وفي تناقض بادٍ مع سياق القصة، يختار المخرج إحدى الأوبرات الكلاسيكية الباروكية (لفريدريك هاندل) لمرافقة الموسيقى التصويرية للفيلم. وإن كان ذلك يبدو غريبًا للوهلة الأولى فإنه ساعد في ربط شطري الفيلم، كما أضاف ميزة جمالية متناسقة مع المناظر الطبيعية الرائعة التي يظهرها الفيلم لمدينة سيدي موسى كجنة ضائعة أو على وشك الضياع، لا يجد فيها الحب فرصته بينما يعلو صوت الرصاص معلنًا الدخول في نفق دموي مظلم. حكاية الحب المستحيل هذه بين جابر ويامنة تم تصويرها على شريط 16 مللي في ثلاثة أرباع الساعة لتقول الكثير عن الحياة اليومية في الجزائر في وقت تاريخي صعب، وهناك حديث عن نية المخرج كريم موسوي لاستئناف حكاية الفيلم في فيلم جديد يقدّم شخصيتي الفيلم في جزائر اليوم.

حين نتحدث عن وظائف غير موجودة وتعليم ضعيف ومراهقين بلا أفق، يصبح من المستحيل التغاضي عن الوضع السوسيو-اقتصادي (socio-economic) للجزائر في حكاية "قبل الأيام".

على طريقة حفلات شباب الجامعة في أوروبا وأمريكا، يقوم أحد شباب الحيّ ممن يكبر جابر ويامنة بعدة أعوام ويدرس في الجزائر العاصمة بإقامة حفل في منزله. تنتشر أخبار الحفل بين طلّاب المدرسة الثانوية ثم يأتي يوم الحفل الموعود لنراه ممتلئًا بتشكيلة متنوعة من الحاضرين. من السهل معرفة لماذا يتجمّع كلّ هؤلاء البشر، الذين يمثّلون شريحة المراهقين والشباب في الحيّ، في الحفل، لأنه ليس هناك من طريقة أخرى للحصول على ما يتيحه هذا الحفل من رقص وموسيقى وبنات. وضع اجتماعي واقتصادي خانق لا يمكن فصله عن سياق تاريخي مأزوم وتشدُّد ديني يلوحان في أفق الصورة الكبيرة. "قبل الأيام" يقارب الحرب الأهلية الجزائرية بطريقة فنية موارِبة من خلال بعض معلومات مجتزئة وأحداث منفصلة تترك المُشاهِد مع رؤية تُشابِه رؤية البطلين المراهقين لأحداث العنف من حولهم، ومن هنا تأتي أصداء السيرة الذاتية.

هذه المزيج الدرامي المستخدم في الفيلم شكّل تحدّيًا أمام صُنّاعه لإبراز شخصيتيه الرئيسيتين في مدته القصيرة (47 دقيقة)، وربما تجدر الإشارة إلى الطريقة المميزة التي تعامل بها المخرج وشريكته في كتابة السيناريو مع مشهد مفتاحي مثل مشهد الحفل: لقد مهّد الفيلم لشخصية جابر بحكم أن الحكاية تبدأ من عنده؛ فنتابع ذلك المراهق وعالمه الصغير بملله وتشتِّته، ثم يشاهد يامنة ويحدث معه شيء أشبه بـ (crush) لذلك يكون حضوره للحفل مُهمًّا من ناحية التوقعات التي يعوّل عليها هناك. ووفقا لتصوّرات مختلفة جذريًا: بعد فترة وجيزة من شهوده - من نافذة بيته - على حادثة اغتيال في الشارع، يحاول جابر طمأنة نفسه بأنه لا خوف من التداعيات. من وجهة نظر جابر، كانت توقُّعاته بخصوص الحفل أقرب إلى الخوف منه إلى الابتهاج، والفيلم بدوره يقوم بمهارة بتصدير حالة من الثِقل الضاغط في المشاهد التي تدور في بيتي البطلين عقب الحفل. يامنة، ابنة الضابط الصارم، هي مساحة الحرية والانطلاق في الفيلم والمعادل البشري للطبيعة الخلّابة في سيدي موسى، التي يترك أهلها التأمُّل والتجوّل فيها والانشغال بقتل بعضهم البعض. يامنة هي وديان جبال سيدي موسى التي تغري بالهروب والنزهات الجميلة بينما شوارع المدينة نفسها مبتلة ومطينة ومليئة بالبِرَك والأكشاك. سرعان ما تضيق الدائرة حول يامنة معنويًا وفيزيائيًا بسبب تصاعد العنف، فالجيران والزملاء يتجنّبون التعامل معها لطبيعة عمل والدها، والأخير من جانبه يحرص على التزامها البيت خوفًا عليها. فيلم روائي طويل يمكنه القيام عمل جيد في هذا الصدد (نذكر على سبيل المثال فيلم "فيل" لجوس فان سانت)، ولكن أن يأتي فيلم متوسط الطول ليوفّر هذا الاتزان البنائي الفعّال لمسار النزاع الدرامي، فهذا يستحق الإشادة بالتأكيد.

استخدام الفيلم لمزيجه الدرامي برسم طريقين متوازيين متعاقبين يخلق حالة من الانتظار للّحظة التي من المفترض أن يتلاقيا فيها، خصوصًا حين يتمّ تصوير نفس المشهد من زواية مختلفة، فذلك يعني أيضًا أن ثمة لقاء منتظر بين المراهقيْن. قبل الأيام" يلعب لعبة التوقّع هذه حيث يمكن لتقاطُع عالمي البطلين أن يكون على قدرٍ بسيط جدًا كامن في تفصيل صغير. هكذا سيعتاد المتفرِّج المَشاهد المشتركة بين البطلين، ثم يأتي توتُّر غير متوقّع يمنحه السيناريو والتمثيل، خاصة مع الاستخدام المختلف للمَشاهد وتخطيط الصورة. وأخيرًا، فإن القاسم المشترك الوحيد بين منظوري البطلين يمكن العثور عليه في أوبرا هاندل ألكينا، التي على باروكيتها تمنح إحساسًا بالحميمية وتعمل كمكوّن أساسي في بنية الفيلم. فكما تأسف كلمات وألحان الأوبرا على المنحدر الذي وصل إليه حال البلد - وربما الفراق بين العاشقيْن - بعدما حدثت الكارثة بالفعل، فإن التوتّرات النغمية في الأوبرا تعني نوعًا من التهديد، وكذلك تعمل كمحفّز لتمتين العلاقات بين الشخصيات. وفي "قبل الأيام"، الذي يمكن اعتباره أحد أفلام النضوج (Coming-of-age films)، يبدو الوضع موحشًا ومقبضًا والأمور تأتي متأخرة دائمًا، حتى جابر وهو في زهوة تحضُّره للحفل الذي سيقابل فيه محبوبته، لايبدو بعيدًا عن النار المشتعلة في الأنحاء. نفس الشيء يحدث بالنسبة للتاريخ، الذي يتم إخفاؤه في الفيلم من دون تنحيته نهائيًا، ونراه يفرض كلمته في النهاية على شخصيات الفيلم كما مشاهديه.

*هذا النص جزء من ملف لمسات أولى من ورشة النقد السينمائي.

#السينما #محمدصبحي #لمساتأولى