جان إيف أمبرير: عاشق الإسكندرية


بورتريه

بعد أن أدار مركز الدراسات السكندرية طوال خمسة وعشرين عامًا، غادر جان إيف أمبرير، المولع بعلم الآثار، منصبه، بيد أنه لم يغادر مدينة الإسكندرية.

يصل في خطى جذلة، تعلو وجهه ابتسامة كالهلال، معلَّق أسفل نظارته المربعة. في الليلة الماضية، ضربت الإسكندرية عاصفة أدت إلى اضطراب البحر، وتوقُّف أعمال التنقيب عن فنار الإسكندرية الغارق. إلا أن جان إيف أمبرير، البالغ من العمر 63 عامًا، لطالما فضل الأخبار السارة طوال فترة عمله كعالم آثار. رسالة الباحثة الألمانية كاترين ماشينك عن قلعة قايتباي، والتي أتى الزملاء والأصدقاء ذلك اليوم للاحتفال بها على سطح مركز الدراسات السكندرية، هي إحدى تلك الأخبار. "إلى المائدة!"، صاح المايسترو داعيًا الضيوف إلى الاختيار من بين "المزّات" والخضروات المحشوة التي تزين المفرش الطويل. من الـ"بويابيس"، وهو الاسم الذي يحمله مطعم المركز نسبةً إلى أحد اطباق مدينة مارسيليا التقليدية، نستطيع أن نرى امتداد المدينة المصرية الثانية على مرمى البصر. خلف المباني المتلونة بلون الفطر، إحدى تداعيات ثورة يناير 2011، يمكننا أن نخمِّن الآثار العتيقة للمدينة الساحلية، وهي كنوز لا تقدر بثمن، سعى جان إيف أمبرير حثيثًا إلى الحفاظ عليها. "نحن نمضي كل وقتنا في القيام بأعمال الإنقاذ"، يقول جان إيف.

تربط جان إيف أمبرير بالإسكندرية قصة حب تعود إلى عام 1976. وقد لعبت الصدفة دورًا في هذا التعارف، وفقًا له. ففور انتهائه من دراسته للآداب الكلاسيكية، وأثناء كتابته لرسالته حول التجارة البحرية في الحقبة الهلينستية، توجه جان إيف إلى القاهرة في إطار برنامج للتعاون العسكري.هكذا اكتشف مدينته المفضلة. يقول العالم الفرنسي: "لست عالم مصريات ولا خبيرا في اللغة الهيروغليفية، ولكن مدينة الإسكندرية أسرتني على الفور. كيف لي ألا أتعلق بتاريخها اليوناني الروماني الثري؟ إن أغلب النقوش التي نعثر عليها أثناء بحثنا هي إغريقية في 99% من الحالات". في الواقع، لم يترك العالم المتيم بالإسكندرية المدينة أبدًا، حتى وإن أقام لفترة في اليونان ليدير مدرسة الآثار الفرنسية بأثينا، من 1982 وحتى 1990. وبعد أن عاد ليبقى بها إلى الأبد، هذه المرة في حلته الجديدة كباحث بالمركز الوطني للبحث العلمي، أسس مركز الدراسات السكندرية، وكانت أولى مهامه هي التنقيب بشكل عاجل في وسط المدينة. يقول: "كانت تلك الفترة تشهد تحولاً محمومًا في سوق العقارات. كان المقاولون ينقضّون على المباني القديمة لبناء الأبراج الفارهة. كان جزء كامل من تاريخ المدينة الثري يوشك على الاندثار". إذا كانت أعمال البحث والإنقاذ التي يقوم بها المركز قد فشلت في إسكات الجرّافات، فقد تمكنت على الأقل من إعادة بناء طبوغرافية وتاريخ المدينة القديمة. "هذا ليس بقليل"، يقول العالم بروح متفائلة.

إن "الانتصار" الحقيقي الذي حققه جان إيف في مجال حفظ التراث ليس تحت الأرض، ولكن في البحر. ففي عام 1994، نجح بالكاد في إنقاذ فنار الإسكندرية الشهير من براثن مشروع محلي يرمي إلى ردم بقايا الفنار بحواجز أمواج أسمنتية، من أجل حماية قلعة قايتباي من الأمواج العاتية، حيث هرع على الفور مع فريق العمل لاستكشاف الأعماق، عقب تحذير أطلقته آنذاك مخرجة مصرية [الراحلة أسماء البكري]. لقد قادت أعمال التنقيب إلى اكتشاف كم غير متوقع من الآثار الغارقة: 500 كتلة أثرية، يزن بعضها حتى 75 طنًا، ومسلات وتماثيل، و12 تمثالا لأبي الهول... عقب هذه السلسلة المتوالية من الاكتشافات، سلطت كاميرات العالم أجمع أضواءها على المدينة. وعلى غفلة منه، وجد المكتشف الفرنسي نفسه، بعد عدة سنوات، ضمن شخصيات لعبة الفيديو "توم ريدر Tomb Raider" (نابشة القبور) جنبًا إلى جنب مع بطلة اللعبة لارا كروفت. كان التشابه بينه وبين الشخصية أكثر من صارخ: بدءًا من الاسم – جان إيف! – مرورًا بالوجه الطفولي، وحمالات الكتف، وحتى النظارات... ما إن علم بالأمر من زملائه، حتى بادر بانتزاع اعتذار من منتجي اللعبة، نُشر آنذاك على صفحات جريدة "لوفيجارو" الفرنسية. يقول جان إيف مازحًا: "في النهاية، أسفت لعدم اختياري للتمثيل بجانب أنجلينا جولي في فيلمها الذي يحمل ذات الاسم".

ثمار النجاح

مرة أخرى، فضل جان إيف أن يستثمر الجوانب الإيجابية لتلك القضية. يقول مهنئًا نفسه: "لقد أدرَّت علينا الضجة الإعلامية مساعدات مادية من كبرى الشركات والمؤسسات الفرنسية، مثل شركة كهرباء فرنسا EDF؛ أكبر موزع للكهرباء في فرنسا والعالم، وشركة البترول "توتال" وبنك "بي ان بي باريبا". وفي عام 1997، أسفرت تلك المساعدات عن إقامة معرض في متحف الفنون الجميلة التاريخي - القصر الصغير- بباريس". لا يزال العمل بمركز الدراسات السكندرية جاريًا، حيث يعمل عشرون شخصًا على قدم وساق في موقع التنقيب الممتد على مساحة هكتار. فكل يوم يحمل اكتشافًا جديدًا. "على سبيل المثال، نستعين حاليًا بالتكنولوجيا الحديثة من أجل الحصول على مجسم ثلاثي الأبعاد للموقع"، يقول جان إيف بحماس، مضيفًا، في عرض سخي لزائري الموقع: "هل تستطيعون الغطس؟ سوف أصحبكم في جولة!".

منذ إنشائه، لم يتوقف مركز الدراسات السكندرية عن الخروج باكتشافات جديدة. مثل الجبانة أو "مدينة الموتى"، التي تم اكتشافها مصادفةً أثناء إنشاء كوبري. "هنا، كلما حفرتم حفرة، مهما صغر حجمها، ستعثرون على شيء جديد". استمر المركز في حصد ثمار النجاح، إذ امتدت اكتشافاته لتشمل "كنوزًا جديدة": فسيفساء، خرائط وروايات رحالة، بالإضافة إلى أرشيف للصحافة الفرنكفونية، ولتضم مستكشفين جدد كذلك. يقول جان إيف مبتسمًا: "في البداية، كنا نعمل في شقتي. ولكن مع نمو حجم الفريق، كنا نتوغل داخل الشقة شيئًا فشيئًا: في صالة الضيوف وصالة الطعام وغرفة النوم... اليوم، تحتل مكاتبنا أربعة طوابق في المبنى الذي يعود إلى عام 1930، وها أنا أسكن شقة أخرى". بالإضافة إلى المبعوثين الدائمين، البالغ عددهم 86 شخصًا، يستقبل المركز شهريًا مائتي مبعوث من جميع أنحاء العالم، حيث يلتقون جميعًا في جو شديد الحميمية كذلك الذي يسود الـ"بوربياس".

بعد خمسة وعشرين عامًا من الإدارة، يترك المايسترو قيادة المركز، ولكنه لا يترك كافيتريته ولا المدينة التي أسرت قلبه. عالمة الآثار الرائعة دومينيك نينا، زوجته، هي من تسلمت الراية من بعده. فريدة هي علاقة الحب التي تجمعه وأسرته بالمدينة. "هذه المدينة ليس لها مثيل. لا زال هناك المزيد لنكتشفه. لا أتصور نفسي في أي مكان آخر سوى هذا المكان"، يختم جان إيف أمبرير حديثه في تنهيدة عميقة.

*مترجم عن مقال الصحفية دلفين مينوي المنشور في جريدة "لوفيجارو الفرنسية" في 10/9/2015.

#المدينة #دلفينمينوي #دينامحمد #جانإيفأمبرير