أربع شذرات اخرى لتلك المدينة الزائلة


فوتوغرافيا | إمي الشعراوي

-5-

الإسكندرية مدينة بطيئة، يحمل يومها ذلك الثقل التاريخي المرتبط بها، تجبرك على أن تلتزم بإيقاعها، وأنت لا تملك رفاهية الاختيار، أنت ملزم، وكل محاولاتك في خلق إيقاع موازٍ للمدينة هي محض محاولات خاسرة، ستواجهك تلك المدينة المضطربة بالكلية، والتي اختارت لها الطبيعة ان يرتبط مصير بقائها بأن تُبنى فوق أخرى، فيظل إيقاعها بطيئًا كأنها حريصة على ألا يتسارع، كبهلوان يسير على الحبال، مهدد بالسقوط إذا ما أسرع؛ فتواجه مصير سابقاتها المختفيات تحت الأرض والبحر، وتُبنى فوقها واحدة أخرى؛ فتغيب وتختفي، وتستجيب لكل محاولات إجبارها وتصميمها على البقاء في حيز البطء الآمن.

-6-

في الحقيقة لا أشعر بأي تهديد عندما ينتهك "تراث" المدينة، يُهدم، يُشوه، يُستخدم في غير محله... فقط أشعر أنه من الضروري في تلك اللحظة وجود هؤلاء الذين يدافعون عن "الأثر" رغبةً منهم في الحفاظ عليه، حتى يُثبت أنه كان هناك فريقان، ولم يكن لعبًا أحاديًا مملاً، لكن بنفس القدر أحرص على مراقبة تلك الانتهاكات من وجهة نظر من يرغبون في الحفاظ على الأثر، أحرص على مراقبة تلك التغييرات، ويقفز إلى ذهني فورًا جملة "في العام (كذا) كان هذا هو طراز البناء"، تلك الجملة التي ستحمل معها سياقها التاريخي بتفاصيله.

-7-

خلق الإيقاعات الموازية، ومحاولات الإنقاذ المستمرة المنطلقة من شعور بهزيمةٍ ساحقة تكون نتيجتها الحتمية صورة بائسة لمجموعة من المتلاشيين الذين يبذلون جهدا كبيرا للحفاظ على وجودهم من التلاشي، وهم يلتقطون صورة تذكارية أخيرة يظهر فيها أجزاء من أجسادهم التي لم تتلاش بعد.. البلكون الضخم المُشيد بعناية ودقةٍ سميتريةٍ صارمة، سيبقى فارغا كالآخر الذي بُني على عجل حتى يلحق بسباق الاستهلاك، هو الآخر سيظل مهجورًا بفعل التضخم والوفرة.

-8-

مر من هنا بائع السجاد الردئ محاولاً كسب الود بترديد نداءاته "كازيووون" بإيقاعٍ رتيب ممل وبتكرارٍ ملتزم بلا روح. لم يشترِ أحد، لن يشتري أحد، وستظل سجاجيده مفروشة على إسفلتٍ متآكلٍ بفعل الزمن.

#فالتربنيامين #المدينة #حكيمعبدالنعيم #إميالشعراوي

102 views