أنا أقدم واحد ف العمارة دي!


"هذا النص طبقي من الدرجة الأولى. برجاء التصالح مع هذه النقطة وتجاوزها كي تكون قراءة ممتعة"

دماء على الأسفلت

مشاهد ومقاطع مسموعة متفرقة تصلني أينما كنت في منزلي.

في ليلةٍ ما أستيقظتُ على صوت رجل يصيح بعلو صوته في الشارع بأداء محترف في الشتائم. "هو فيييييين؟". كان يسأل عن الفتى صاحب الموتوسيكل المركون في مكانٍ ما، وبسببه لم يستطع الخروج هو من مكانه في الجراج. وابن صاحب السيارة، وهو في أوائل العشرينيات، يرد عليه من البلكون ويخبره أنه سأل عن صاحب الموتوسيكل وأنه ليس في بيته… فتوجه الأب بالشتائم إلى أم الفتى جارتي الأرملة طالبًا منها أن تتصل به كي يعود ويحرك الموتوسيكل، وأن هذا الأمر يتكرر كثيرًا، وأنها إذا كانت غير قادرة على تربية ابنها "قليل الرجولة"، فسيعلمه هو اليوم أن بهذا الشارع رجالاً.

عاد الفتى وهو مذهول، وصاح الابن من البلكون أن الفتى "قليل الرجولة" قادم من بعيد... فوجه له صاحب الموتوسيكل الحديث:

"يا باشا عيب كده إنت ابن ناس!"

"ماتقولليش يا باشا، أنا مش باشا. أنا ابن كلب."

تجاهله صاحب الموتوسيكل وتوجه بحديثه إلى الأب الواقف بجوار الموتوسيكل، مخاطبًا إياه بـ "أونكل".فداهمه الآخر...

"أونكل؟ أونكل يا ابن الـ...؟"

وفي جزء من الثانية كان قد خلع مرآة الموتوسيكل من مكانها وانهال بها على رأس الفتى، وتجمع الناس من حيث لا أدرى يحولون بين صاحب السيارة وصاحب الموتوسيكل، وخلصوه من يده والدماء تسيل من رأسه، والسباب ينهال عليه وعلى أمه من الأب والابن في البلكون.

***

تعلمتُ الكثير من الشتائم على يد خناقات السيارات التي تحدث في شارعنا.

في يوم آخر وسط النهار لاحظتُ أن صوت الشارع، الهادئ في الأساس، ارتفع إلى حدٍ ما، ووصلني شعور بأن ثمة توتر في الأجواء. ذهبت إلى البلكون ورأيت سيارتين واقفتين في مواجهة بعضهما البعض وعامل جراج العمارة المقابلة يتحرك حائرًا بينهما؛ من الواضح أن كلتيهما لا تريدان الرجوع بالسيارة للوراء كي تفسح الطريق للأخرى. ظل العامل حائرًا بينهما هكذا إلى أن بدأت السيدة في السيارة الأولى تدريجيًا في رفع صوتها وأخرجت رأسها من شباك السيارة ووجهت الحديث للسيدة في السيارة الثانية."إنتِ شايفاني وأنا جاية من أول الشارع." "انتِ اللي ترجعي أنا مش راجعة"

والأخرى لم ترد، ثم بدأت الأولى في الخروج عن شعورها والخروج عن الموضوع بشكل عام، وحينها كان صوتها قد ارتفع للغاية وبدأ السكان في متابعة المشهد من البلكونات..."انتِ فاكرة نفسك هانم بقَصًّة شعرك والنضارة دي؟... معووجة على إيه يا عجوزة يا كركوبة؟"

وبدأت السيدة الثانية في رفع زجاج سيارتها، وفتح الباب، والخروج من سيارتها. بهدوء أغلقتها وتأكدت من إغلاقها، وتوجهت لمدخل عمارتها ونظرت للسيدة الأخرى نظرة أخيرة... "خليكي واقفة!"

واستمرت الأخرى في الصياح وقد خرجت تمامًا عن حدود الأدب، وبأدائها الصوتي المطوَّل، أظهرت قدراتها الحقيقية على "الشرشحة". بينما الأخرى كانت قد وصلت للأسانسير وفي طريقها لشقتها.

***

عبد الحميد؛ بائع الخضروات الجوال، لا يكل ولا يمل. ويحلو له التجول في المنطقة والصياح في الميكروفون بعد الساعة التاسعة مساءً. أما سعيد؛ بائع الفواكه، فلديه ميكروفون أقوى يجعل لصوته سطوة وقدرة على قطع كل ما يدور بعقلي إذا كنتُ مستيقظة، وله بصمة صوتية في أحلامي إذا كنت نائمة، حيث يتجول في شارعنا بعد الساعة العاشرة. غير العشرات الذين لا يتوقف صياحهم طوال النهار.

كل هذه الأشياء وغيرها، قد تعطي انطباعًا أنني أسكن في حي شعبي بسيط. لكنني، وبكل أسف، عشت طوال عمري في حي "كان" حيا راقيا، تكالب عليه المقاولون، وهدموا كل البيوت الصغيرة والفيلات، وقطعوا كل الأشجار، وزرعوا أبراجهم القبيحة التي أتت بكل حديثي الثراء، بأصواتهم العالية، وأدائهم المتصنع المكشوف وشتائمهم وسوقيتهم في التصرف عند حدوث أصغر مشكلة. وانحدر فيه المستوى المعيشي "للسكان الأصليين" الذين تقلصت مساحاتهم الشخصية بتطفل السكان الجدد، وتبدد هدوء المنطقة على يد البائعين المتجولين الذين انجذبوا للمكان بعدما ازداد تعداد ربات البيوت فيه.

رحل ميسورو الحال من "السكان الأصليين" إلى مناطق أخرى وأجّروا شققهم أو باعوها لسكان جدد. حتى جاء اليوم واكتشفت أنني، في هذه السن المبكرة، أقول عن نفسي "أنا أقدم واحدة ف العمارة دي!"

حيث أسكن في "بولكلي"؛ الحي الذي ينطق اسمه الجميع "بـُكلة" (ومن بينهم أنا).

***

يوم غائم في البر الشرقي

تزوجت أختي من شاب مكافح اشترى شقة في منطقة نائية. ومن اسمها، لم يكن صعبًا عليَّ أن آخذ انطباع أنها حي شعبي كان في الأساس مجموعة من المباني العشوائية. كان يقول عن المنطقة أن اسمها "العصافرة قبلي". ثم فيما بعد قال أنه كان يعلم أننا لا نعرف المنطقة ولم نأتها من قبل، لذلك قال اسم حي شهير وهو العصافرة، بينما في الحقيقة اسم المنطقة هو "شارع 30 " أو شارع 30 الجديد" أو "أبو خروف"، فحتى هذه اللحظة كل من أسألهم من سكان تلك المنطقة عن اسمها تتراوح الردود بين الأسماء السابقة. تكرر ذهابي إلى بيت أختي في فترة ممطرة من شتاء 2015.

الطريق إلى الملاحات

تسير الخطة هكذا: أسلك طريق الكورنيش حتى المنتزه. وبعد المرور من تحت كوبري المندرة، بدلاً من الدوران يسارًا واتباع سور المنتزه، أسلك الطريق المستقيم الذي في البداية لم أتمكن من رؤيته بسبب المايكروباصات التي تعترض الطريق، والتي فور تجاوزها تكشف عن تجمع هائل من التكاتك القادمة في مواجهتي أو التي تدور من أمامي وتجمع الركاب وتذهب بهم إلى داخل هذا الشارع الذي لا ينتهى، والذي بتكرار رحلاتي إليه، صارت عندي مجموعة من المعلومات القيمة والنصائح المفيدة.

المعلومات القيمة:

- بملاحظة عربات الفاكهة على جانبي الطريق، عرفتُ أن كيلو اليوسفي ليس بستة جنيهات كما أشتريه في منطقتنا، وبطبيعة الحال كل أسعار الخضروات والفاكهة الأخرى.

- القطعة الجلدية السوداء المشدودة على جانبي التوكتوك، الغرض منها ليس التزيين. بل إنها توضع في الشتاء كي تحمي الركاب والسائق من المطر القادم من الأعلى، ومن طين الطرقات القادم من الأسفل. وإذا رأيت معظم التكاتك تضعها في وقت لا مطر فيه، فهذا يعني أنه في مكان ما ستمر على بركة طينية عليك الحذر منها.

- سائقو التوكتوك في المنطقة هناك مختلفون عن غيرهم في الأماكن الأخرى، فعدد منهم كبار في السن، أو أكبر سنًا من الأطفال الذين يقودون التكاتك ويدخنون وعينك اعتادت النظر إليهم. والمرور من مكان ضيق وسط التكاتك هنا لا يتسبب في أن يترامى إلى مسامعي سبابهم وشخراتهم المعهودة. فغاية ما يبغوه فعلاً هو أن تتركهم يمرون بجوارك ويسبقونك ويسرعون وراء زبائنهم.

أما النصائح، فهي:

- في التأني السلامة. لأن أي تعجل أثناء القيادة سيتسبب حتمًا في صدام مع توكتوك قرر من تلقاء نفسه أن يدور 180 درجة وتجده في مواجهتك راغبًا في العودة إلى حيث أتى.

- لا ترفع عينك عن الأسفلت، لأن الحفر في الأرض ستعلمك كيف يمكن لشيء أن يخالف كل التوقعات.

- ستسمع أبواقًا كثيرة حولك، ولن تعلم إن كانت موجهة لك أم قادمة من الاتجاه العكسي. في كل الأحوال لا تعرها أي اهتمام. اعتبرها بمثابة اختبار تركيز في القيام بالمهمتين السابقتين.

بالمرور من النصف الضيق الأول من الشارع، تكون قد وصلت إلى المنطقة الأسهل؛ وهي المنطقة التي تكون فيها الملاحة على يسارك. ويفصل بين نصفي الشارع بركة عظيمة من الطين (شتاءً) أو تجمع هائل من المطبات والحفر المموهة في بعضها البعض (صيفًا). وفي هذه النقطة بالتحديد خطف بصري ثلاثة مشاهد:

الأول هو أن المشاة يصنعون لأنفسهم في الشتاء طرقًا لعبور بركة الطين العظيمة عن طريق وضع قوالب من الطوب المتتابع الذي يقفزون فوقه حتى يعبروا إلى بر الأمان، تمامًا كلعبة الأتاري الشهيرة، الضفدع الذي يعبر الطريق. ولذا فالتأني أثناء القيادة والمرور بعجلات السيارة من بين القوالب أمر هام. المشهد الثاني هو الحضور القوي لملصقات مرشحي حزب النور في انتخابات مجلس الشعب. والمشهد الثالث هو أنني رأيت رجالا بشرتهم ناصعة البياض، يرتدون الجلباب القصير فوق الشبشب الجلدي ذي الإصبع والطاقية البيضاء وذقونهم حمراء اللون. يسحبون في أيديهم بنات في سن الثلاثة والأربعة أعوام، الحجاب على رؤوسهن، تتبعهم زوجاتهم المنقبات. وكان هذا المشهد أكثرهم تأثيرًا عليَّ. بعدها بدأت عيني تلاحظ نوعية مختلفة من ربطات الحجاب ونوعية مختلفة من طريقة اختيار ارتداء الجونلات الواسعة تحت البلوزات الطويلة، وهو ما ينتج عنه هيئة قريبة من الجلباب. عرفتُ فيما بعد أن المنطقة يسكنها العديد من طلاب المعهد الديني القادمين من روسيا وأوزبكستان ودول آسيوية أخرى مجاورة، وأن المنطقة بأكملها تحمل هذه الهوية. ووقتها جاءني إحساس أنني بالفعل قد عبرت إلى منطقة غريبة عليَّ، وأن السكان هنا لم أرَ مثلهم في أي مكان آخر في المدينة، وأن الأمر تجاوز فكرة الفرق بين الحي الشعبي والحي الراقي. وأنني أصبحت بشكل أو بآخر خارج مكاني وخارج حدود مدينتي التي أعرفها.

بعد حوالي 10 دقائق من الحركة البطيئة، والترقب لمفاجآت المطبات والحفر، والإشارة بيدي من الشباك لسائقي المايكروباص والتوك توك بأن يمروا من جانبي ويسبقوني كي أنتهي من أبواقهم، أمُر بجوار محطة بنزين موبيل، والتي عندما رأيتها بعثت في شيئا من الطمأنينة لا أعلم لماذا.

تسكن أختي في أحد الشوارع المتفرعة يمينًا من هذا الشارع، هو مدخل إلى منطقة بها عدد كبير نسبيًا من المدارس والحضانات الدولية، وعدد من المدارس الحكومية أيضًا. وصلت إلى شارع مدرسة ALS وعلى مرمى حجر منها توجد مدرسة ابتدائية حكومية. رأيت تلاميذ في زي مدرسة ALS يقفون وسط عدد كبير من تلاميذ المدرسة الحكومية (التي لم أنجح في معرفة لون زيها) أمام عربات بائعي اللب والسوداني والآيس كريم وغزل البنات، وهو الأمر الذي جلب لعقلي ذكريات قديمة جميلة عن الفترة السعيدة االتي قضيتها في مدارس حكومية بعدما خرجتُ من إحدى مدارس الراهبات. وعلمتُ أن هذا النوع من التجارب لهؤلاء التلاميذ أهم وأكثر إثراءً من أي شيء يدرسونه داخل أسوار مدارسهم.

وصلت لبيت أختي، وبمنتهى السهولة ركنتُ أمام مدخل العمارة دون أي من صراعات فرض السيطرة الموجودة في المنطقة التي أسكن بها. ومن بلكونات بيت أختى رأيت أن الجيران إما لا يستخدمون بلكوناتهم أو يضعون ستائر عليها، لا توجد رغبة في التطفل، ولا فضول في معرفة شكل بيوت الجيران من الداخل.

المقاطع الصوتية المسموعة في بيت أختي تتنوع بين صوت طابور الصباح للمدرسة الحكومية المجاورة، وطابور الفترة المسائية أيضًا، وبعض الصياح المرعب الموجه للتلاميذ الابتدائي من قـِبـَل مدرسين ومدرسات عندما أنظر إليهم من البلكون أجدهم أقل حجمَّا بكثير مما تخيلت، وصوت الموتوسيكلات التي تشغل أغنيات المهرجانات، وليلاً أسمع من ميكروفونات المساجد خطبة كخطبة الجمعة كل يوم بعد صلاة العشاء التي تُصلَّى جهرًا وتذاع من الميكروفونات أيضًا. ومع كثرة المساجد التي تقوم بذلك، أشعر أحيانًا أنها صلاة التراويح، وهو ما يعكس قبول سكان المنطقة لمثل هذا الطقس الغريب الذي قد يكون معتادًا في مساجد أخرى كثيرة لكن دون استخدام الميكروفون.على عكس ما فعله سكان منطقتي من المسلمين المعتدلين مرتادي المساجد الذين رفضوا إذاعة أي شيء آخر سوى الآذان في الميكروفونات.

لا باعة متجولين، لا خدمات توصيل الطلبات للمنزل في أي من محلات البقالة، أو الأفران، أو حتى الصيدليات المحيطة، وهو أمر منطقي في منطقة ترى بها العديد من السيدات يتحركن بحقيبة تمشي على عجلات تظهر منها حزم الجرجير ورؤوس الثوم. يذهبن بأنفسهن لشراء حاجات المنزل من السوق القريب وعلى وجوههن راحة وتظهر على خطواتهن طمأنينة ما، سعادة ربما.

***

أرى أن المشكلة الوحيدة لمنطقة "العصافرة قبلي" أو "شارع 30 الجديد" أو "أبو خروف"، أيًا ما كان الاسم، هي أنها بعيدة، وأن جزءا من الطريق إليها غير ممهد بشكلٍ لائق. لكنها منطقة آدمية وجيدة للسكن، وبعدما رأيتها عن قرب عرفتُ أنها ليست ما يمكنني أن أطلق عليه منطقة شعبية على الإطلاق. ورأيت أن جزءا كبيرا من المعايير التي تجعل من المكان حيا شعبيا يمكن أن تـُطلق الآن على الأحياء التي يطلق عليها "راقية" اسمًا فقط، لكنها في الحقيقة أحياء يمكنك أن تمشي في شوارعها ولا تقابل سكانها، بل تقابل عددا مرعبا من البوابين وسائسي الجراج، وهم ذوو اليد العليا والأكثر تسلطًا على المناخ العام للمنطقة بأصواتهم وأصوات أطفالهم وموسيقاهم التي تأتي من كل شارع.

تتغير مفاهيمي عن كل شيء، بالذات فيما يتعلق بالمستوى المعيشي. لا أفهم من يدفعون مئات آلاف الجنيهات لشراء شقة في عمارة من العمارات الجديدة في الأحياء "الراقية" تشبه بيت العرائس في صغرها، ومناورها ضيقة جدًا لدرجة أن كل السكان يمكنهم معرفة ما يطبخه جيرانهم اليوم، وسماع غنائهم أثناء الاستحمام، وأكثر من ذلك، بينما يمكنهم بمبلغ أقل شراء شقة أوسع هناك في منطقة بها مساحات أكثر لركن السيارات، ومسافات أكبر نسبيًا بين العمائر، ووسط جيران يحفظون حدودهم وحدود خصوصية الآخرين. ولا يحتاجون إلى خوض حروب ضد "سكان أصليين" مقتنعين بأنهم أصحاب اليد العليا فوق كل من هو ساكن جديد.

#سارةسويدان #صاموليشيلكه #الملاحات