خريطة عاطفية


في إحدى شقق الدقي؛ آرك دائري في مدخل الصالة، قطة شيرازي رمادية اللون تتجول، مطبخ واسع ذو باب خلفي وهدوء نادر. أذكر الآن أفلام الأبيض والأسود وسعاد حسني ورشدي أباظة، أذكر كيف كانت الحياة أرحب وكيف بدا كل شيء متسقًا مع ذاته. أفكر في صديقتي التي تسكن هنا، وأتساءل إن كانت ترى هذا المكان كما أستقبله أنا. أحاول أن أتذكر متى (عزَلنا) آخر مرة؟ أو كم كان عمري حينما خرجت وحدي أول مرة؟ فلا أستطيع. كل مرة عليَّ أن أستدعي ذاكرة أخرى ذات تاريخ معلوم لأقيس عليها؛ انتقالي لمدرستي الجديدة، دخولي الجامعة، ثورة 25 يناير. كل ما بين ذلك مشوش حتى ترتيب الأحداث يختلط عليّ.

في المنشية، شقة قديمة جدًا كبيرة جدًا. مرفق بها رجل أجنبي تربى فيها، لا أذكر إن كان يونانيًّا أم إيطاليًّا، يزور البيت مرة كل عدة أعوام حيث يستعيد ذكريات طفولته، يتحدث القليل من الإنجليزية ويرحل. لا يوجد هنا قطط أو كلاب. السقف شاهق في الارتفاع، وأنا صغيرة جدًا، كل شيء هنا قديم وباهت. قطع الأثاث لا أعرف من اشتراها، وهذه اللوحات المعلقة ربما جلبها أصحاب المنزل الأجانب معهم، وتركتها الأسرة كما هي دون أي تنسيق أو إعادة ترتيب يلائم الزمن. واللوحات العارية المخبئة خلف الكنبة في الغرفة الداخلية البعيدة؛ أين كانت معلقة؟ ومن أزالها؟ كل شيء هنا غريب عني وغير مبرر، كل شيء لا يلائمني. لم لا نسكن في إحدى العمارات الجديدة؟ لم لا نرحل إلى شرق المدينة؟ تلك المدينة التي لا أعرف ما يحدث فيها بعد سيدي جابر.

تأتي الألفية الجديدة ونسعى لنلحق بالركب، شقة عصرية في سموحة. تلائم المرحلة الإعدادية والثانوية وبدايات الجامعة، تلائم الذهاب إلى السينما والنادي والخروج مع الأصدقاء، تلائم ما قبل 2011. سموحة تعتبر وسط المدينة الجديد؛ جغرافيًّا وعمليًّا، نقطة انطلاق إلى العالم الخارجي. كانت سنوات مراهقتي، وكانت سنوات مضطربة مليئة بالتقلبات والتغيرات حتى تحتم علينا أن نرحل.

تمر الأيام وننتقل إلى شقة أجدد وأصغر في السيوف، هذا المكان الذي لم أخطه من قبل. هذا العالم القبلي الصاخب الترابي المزدحم من الإسكندرية، حيث التكاتك والتونَّايات، وأفران المخبوزات التي لا تستخدم الزبد ولا يختلف فيها طعم الجاتوه عن العيش الفينو. أمشي في الشارع مسرعة وشبه متخفية، شكلي غريب عن هذا المكان المهمل. نسكن في عمارة شاذة عما حولها، بجوارنا تجمع سكني من التسعينات وبنايات عشوائية لسكان الفلكي الجدد. ورغم أننا نسكن في الطابق الثامن إلا أنني أسمع صوت الشارع بوضوح؛ أغنية شعبية في سيارة أو توكتوك، خناقة بين الناس في الشارع، سيدة تسب وتلعن "الشارع الوسخ والحتة الوسخة"، ورجل يصرخ في الثانية صباحًا "حرامي، حرامي". تتوقف سيارات الزفة تحت المنزل وينزل منها حشد من الشباب والرجال، يرتفع صوت الأغاني ويخلع كل منهم التيشيرت ويُشهر سيفه ثم يبدأ الرقص، أنظر إليهم من الشباك فأحمد الله أن اليوم هو الجمعة وليس علي أن أنزل الشارع، وأعرف يقينًا أن هذا المكان لا يليق بي.

بعد تخرجي من الجامعة بدأت حياتي العملية في المنشية، بالضبط على بعد شارع واحد من شقتنا القديمة. أتعجب، لِمَ كان عليّ أن أقطع كل هذه المسافة لأعود هنا مرة أخرى، ولِمَ عليّ أن أقطعها يوميًا الآن ذهابًا وإيابًا؟ أتجول حول المنطقة، وأتذكر المحال التي كنت أشتري منها وأنا صغيرة. أقف على الرصيف المواجه للمنزل وأشاهده من الخارج، أشعر أنني لم أشاهده من قبل أبدًا. الطابق الأول - حيث كنا نسكن - ذو تصميم مختلف يبدو دخيلاً على المبني، والطابقان العلويان بهما خطوط عرضية حمراء - تمامَا كما المساجد في مصر القديمة، والواجهة تحتوي على زخارف كثيرة لا تشعر بأي منها من داخل الشقة.

مكان عملي الجديد في كفر عبده، في بناية تبدو من ستينات القرن الماضي. شقق واسعة فارهة حيث الطابق يتكون من شقة واحدة بأربع غرف وصالة وحديقة خارجية تحيط بالمبنى. في طريقي إلى العمل أمر أيضًا على شقتنا القديمة في سموحة. لقد ابتعدت كثيرًا، ومرارًا أعود إلى حيثما كنت. أشعر الآن أنني أريد أن أحصر نفسي فيما قبل سيدي جابر وأسقط من على كاهلي باقِ الخريطة، كما يفعل الكثير من السكندريين الآن.

يقول لوي جاريل في فيلم Un été brûlant

"All that dead beauty is so uninspiring"، "كل هذا الجمال الميت غير ملهم على الإطلاق".

كلما يسألني أحد عن الإسكندرية أقول له أنها مدينة مملة، لقد عشت عمري كله هنا، وأنا على أتم الاستعداد للرحيل الآن. هذا لا يعني أنني بالضرورة لن أعود ثانية، لكن يجب أن أرحل أولاً. كنت أبحث عن مساحات أرحب. جلت في كل الأنحاء، زرت مناطق الأغنياء، ومدن الفقراء، والقرى الزراعية على حدود المدينة، وكنت أظن أن تجوالي يوسع من مجالي؛ لكنني كلما ذهبت ولم أجد ما أبحث عنه؛ ضاقت بي المدينة أكثر فأكثر، حتى أصبحت اليوم أرى أن "إسكندرية بالنسبة لي خلصت" ولا أعرف إلى أين أذهب؟ أو ماذا علي أن أفعل هنا؟ وجب على الرحيل لأن جزءًا مني تعذر عليه التحقق في هذه المدينة.

هذا آخر شتاء لي هنا، آخر شتاء يمكنني فيه ألا أحب هذه المدينة. ربما تراجع المدينة نفسها وترسل لي باعتذار لأعود، وربما أقبل هذا الاعتذار حينما أجد شارعًا واحدًا، أو حتى مقهى أو مطعم يعرفني كما أعرفه. هذا البحر الذي يعتبره البعض أفقًا مفتوحًا ليس سوى مسافة بعيدة ومساحة فاصلة بيننا وبين العالم توهمنا بالحرية والفرص اللانهائية. إن الإنسان يُقتلع من جذوره ليحل عليها ضيفًا، ولو بعد حين.

#غادةعصام