عقل المبتدئين


حينما أصف بداية معرفتي بالإسكندرية؛ كيف تعرفت عليها وكيف أصبحت مألوفة لي - حتى أنني بدأت أتساءل في أي بلد أشعر أنني في وطني - أول ما أفكر فيه هو "عقل المبتدئين" وحكايتي مع إيجاده ثم فقده ثم إعادة اكتشافه من جديد.

في الحقيقة، "عقل المبتدئين" مفهوم مستقى من بوذية الزن؛ لم أؤلفه لكنني انخرطت فيه تمامًا خلال أشهري الأولى في الإسكندرية. أتذكر فضولي الشديد نحو الناس والتاريخ والحكايات والمفاهيم والدين والسياسة وكل شيء. كان انفتاح استفهامي خاليًا من الأحكام والخوف، أردت حقًا أن أعرف وأفهم بروح خفيفة ليس لديها ما تخفيه أو تدافع عنه. كان الأمر أشبه باللعب، وكان له علاقة أيضًا بالمرحلة التي كنت أمر بها في حياتي. لقد تركت منزلي من قبل لمدة أطول لأكتشف إمكانية حب الناس في أي مكان، الهند علمتني ذلك. ثم جئت لمصر لأني كنت أعرف أنه يمكن حب الناس في كل مكان، وهذا دافع مختلف تمامًا.

في تلك الأشهر الأولى في الإسكندرية، لم أستطع أن آخذ أي أمر على محمل الجد مثلما يفعل الأشخاص الجادون. كنت فقط أندهش مما أقابله وأشاهده. وكانت القدرة على النظر بعين جديدة لكل شخص بفضول حقيقي هي أكثر شيء مدهش. ليست هذه سذاجة بالضرورة لكن ليس هناك سبب لعدم الثقة بأي شيء أو أي شخص. عقل المبتدئين منفتح لاكتشاف أنه على خطأ بطريقة لا تجرح أو تؤذي؛ لأنه ليس هناك الكثير من الهوية المستثمرة في البقاء على حق بعد. أحب مرحلة المبتدئين في الاستكشاف والفضول. أعتقد أن إمكانية الوصول إلى هذه الحالة الذهنية هو ما جذبني إلى مصر في البداية. أتذكر اندهاشي من السماح بأخذ الطعام إلى المقهى دون أن يتضايق القهوجي، وأن سندوتشا واحدا من الفول يمكن أن يكفيك ليوم بطوله. لاحظت أن الناس يمكن أن تقول "أحبك" بعد ساعة واحدة، و"أفتقدك" بعد ساعتين. أن أحدا لم يسألني عن عملي بل عن حياتي العاطفية. أن الأرصفة نادرة الاستخدام، وأن الناس يعبرون الطريق بخطوات مستريحة كأنهم يملكون كل الوقت في العالم. أحببت دعوتي بسهولة لمنازل غرباء وإحساسي أن الجميع مهتم بي. أحببت أيضًا شعوري تجاه نفسي. أتاح لي انفتاحي لرؤية الآخرين بشكل جديد نفس القدرة تجاه نفسي. أتذكر تساؤلي، هل يمكن أن أعيد اختراع ذاتي؟ ألا يوجد لوم؟ ماذا لو كنت مخلصة فقط للحب؟ اكتشفت أن شرب القهوة ببطء في الصباح يستطيع أن يكون أكثر شيء ممتع، مع النظر إلى البحر ومشاهدة الصيادين يكونون أشكالاً في الأفق، وتخيل كريت أو قبرص في مكان ما بعيد. وحينما وجدت نفسي وسط مجموعة من الناس حيث لا تتناقض بين ذاتي غير الخاضعة للرقابة ورغبتي في الانتماء، أحسست بالوطن في الإسكندرية بسهولة.

منذ بعض الوقت، سألني شاب سؤالا جميلا، كيف يبقي روحه حية حيث يبدو أن هناك القليل جدًا مما يمكن أن يغذيه حقًا؟ بشكلٍ ما، أصبح هو ممثلاً لكل الأشخاص الرائعين الذين قابلتهم، والمحادثات التي حظينا بها. لقد سألني حينما كنت أنا أيضا غير متأكدة على الإطلاق، كنت قد سئمت من كل شيء في الإسكندرية ومصر.

بما أن الاعتيادية كعادتها تسربت إليّ ببطء، سيطر عليَّ الإحساس بالمعرفة والروتين. وربما سكنني أحيانًا الإحساس بأني خبيرة. بدأت أرى الاندماج الاجتماعي في حياة الآخرين يحاصرني، وأنزعج من الحواجز اللامرئية والاستثناءات الاجتماعية التي تبقى على دوائر الناس الصغيرة كما هي. لم تعد الشوارع جديدة. بدأت أنزعج من حدود ما يمكنني ارتداؤه. أصبحت القمامة في الشوارع بالنسبة لي منتَجا للغباء الإنساني. أفهم الآن ما يقوله المتحرشون في الشارع. تحول التقدم الأولي في اللغة إلى فترات دورية للركود. وبدأت أشعر بحالة الإحباط الجمعي المحيطة بي، إحساس بالسلبية القاتلة. أصبحت استمرارية الأحداث المجنونة غير المنطقية جزءا من الأخبار اليومية. العديد من أصدقائي غادروا البلد، وبدأت أعرف أناسا معتقلين. عادةً ما أجد صعوبة في قول أي من هذا لأن ماضيك خاص بك، وأنا لا ألزم نفسي بأن أكون جزءا من مستقبلك، لذلك ليس لي الحق في قول أي شيء. لكنه يؤثر في، وأتساءل كم من الوقت يجب علي أن أعيش في المكان لأكون جزءا من كل؟ في مثل هذه اللحظات، أشعر أني غريبة أو ربما هذا هو المقصود بـ"الأجنبي".

عادةً لا أشعر أنني أجنبية على الإطلاق. أنا بالطبع مختلفة في أشياء كثيرة، لكن لِمَ لا أنسب هذا إلى شخصيتي بدلاً من التشبث بالهويات الثقافية؟ أستطيع أن أشعر بعكس ما يحس به الأجنبي في حضور أجانب آخرين، خاصةً نوع معين منهم؛ الأشخاص العالقون في طريقهم. بالرغم من أنهم من الممكن أن يكونوا أكثر ثقافة مني، هناك شيء من الجهل فيهم بالرغم من - أو ربما بسبب - تعليمهم. ينظرون للأمور بنظرة أنثروبولجية تحتاج بالتأكيد إلى تروٍ كامل. مشاهدتهم ممتعة، ربما بسبب جديتهم وأسئلتهم العميقة المرتبة. أراهم في المدينة يقومون بالأبحاث أو العمل الميداني. إنهم هنا ليجعلونا "نحن" مفهومين لباقي العالم؛ العالم المتحمس لقراءة أن الرجال العرب قد يكونون أيضًا ضعفاء، وأن النساء يعشن حياتهن كأفراد متمكنين. في الحقيقة، لا أعرف لم يوجد حس فكاهي في ذلك، كأني لا أستطيع أن أخذ أعمالهم على محمل الجد. ربما بسبب ظنهم أن التعقيد مطلوب من أجل الوصول إلى البساطة التي يحاولون عرضها، لأن الأمر حقًا ليس بهذا التعقيد. حسنًا، إنه معقد. لكن لكي تتوصل إلى ذلك يجب أن تكون أنت نفسك في البداية بسيطًا جدًا وتُسقط كل الأفكار المسبقة عن نفسك وعن العالم.

علمتني الإسكندرية استمرار التساؤل، وتفكيك الأحكام الجديدة التي تحاول أن تعشش في ذهني، أو الكشف عن أحكام قديمة. ومازالت تعلمني أن أبقى انحيازاتي جانبًا، أن أدرب العضلة الداخلية التي تشعر بالحقيقية.

الآن وبعد ثلاث سنوات، لم أعد في هذه المرحلة المنزعجة. ربما لأنني قررت أنني أريد أن أعيش هنا، أن أعيش بحيوية حقًا. وبما أنني أستطيع أن أعيش في أي مكان، إحساسي بكوني ضحية مع بقائي في المكان هو مجرد علامة غباء محض، لذلك أرجع كل يوم إلى "عقل المبتدئين". لأن هناك دائمًا طريقة للنظر للأشياء بعيني طفل، دون الحاجة لإعادة اختراع العجلة مرارًا وتكرارًا. ألا أحكم على الأشياء ولكن في نفس الوقت أعرف ما هو جيد لمتعتي الشخصية في الحياة. لقد وجدت طريقي هنا، في الشوارع، مع الناس، في الفشل في أن أُرضي الجميع. وجدت أني لا أعمل جيدًا في علاقات فيها تقبل "أفتقدك" بطريقة عادية و"أحبك" لا تعني الكثير. تعلمت أن قول "لا" قد يكون أكثر فعل محبة، فقط بهذه الطريقة يكون لقول "نعم" معنى. عقل المبتدئين عرفني على روح فكاهة لا تنكر المأساة والهزيمة، تستطيع الابتسام كطفل حكيم بدون مرارة السخرية الفكاهية. فكاهة قد تقول "انظر إلينا نحن الغرباء السعداء التائهين الرائعين جارحي الآخرين. لدينا القدرة على جعل حيواتنا صعبة وسهلة. انظر كيف نحن مشوشون. كم هو رائع!

" تقول مقولة الزن "هناك احتمالات كثيرة في عقل المبتدئ، في عقل الخبير هناك القليل". لذا قررت ألا أكون خبيرة أبدًا، وأن أستخدم أجنبيتي كمدخل لاكتشاف مستمر، لأن هذه البلد تعطي الكثير من الأسباب للاكتشاف. يمكنني أن أجادل داخليًا مثلما أريد، لكني أرى العالم كما أنا، وأريد أن أظل مبتدئة دائمًا. ربما لا يكون هذا سهلاً، أعرف أنه ليس سهلاً، وأنني أفقد طريقي مرارًا لكن العيش هنا يعلمني أن أعود إلي عقل المبتديء كل مرة، وأنا ممتنة لهذا جدًا. إذا لم أفعل، سأفقد رغبتي في الحياة في هذا الاضطراب الغريب كمدخل إلى عصر جديد حيث العقل والجنون يكافحان من أجل البقاء.

#غادةعصام #دارياأوفمان

197 views