155 ش طيبة


عمارة ليست قديمة وليست جديدة، تتوسط شارع طيبة في منطقة سبورتنج لصاحبها الأصلي وهبه باسيلي الذي يعتقد الجميع أنه اختفى في ظروف غامضة حين باعها لشخصٍ آخر هو مالكها الحالي بمبلغ وقدره 18 ألف جنيه وقتها. العمارة من خمسة طوابق، لها مدخل رخامي واسع، ولا يوجد بها بلكونة أو شباك يشبه الآخر.

تحكي جارتي العجوز عن تفاصيل العمارة والشارع و"الخواجات" الذين كانوا أصدقاء وجيرانا لأكثر من أربعين عامًا. جارتي ماما نوسة تنسى تفاصيل يومها: تنسى هل وضعت ملحًا في الطعام أم لا، تنسى الطعام نفسه، وتنسى الباب مفتوحًا أحيانًا؛ ولكنها لا تنسى الذكريات القديمة أبدًا. تحكي قصص أصدقائها الخواجات القدامي: تحكي عن بلدانهم التي تركوها بحثًا عن مختلف الأشياء في الإسكندرية، وهربًا من أشياء أخرى في موطنهم الأصلي. لا أحد يعلم حقيقة أي من هذه القصص، وأراهن أن أصحاب القصص نفسها لا يعرفون، ولكن أتمنى أن يعرفوا أو يعرف أقاربهم أننا نتذكرهم جيدًا ونكتب عنهم ونرسل لهم السلام من حين إلى آخر.

الطابق الأول لأختين من أصل فرنسي: لولا وليزا. لولا كانت عارضة أزياء، وليزا كانت شيف حلويات بفندق سيسيل وبشهادة ماما نوسة "بتعمل أي صنف حلويات". مرضت لولا مرضًا خطيرًا في ريعان شبابها جعلها تتخلى عن مهنتها كعارضة أزياء، وبسببه نشأت علاقة حميمة بين ماما نوسة والأختين لأن لولا كانت تحتاجها لإعطائها الحقن اللازمة للشفاء. وعندما فشل الدواء والحقن في شفاء لولا، توفيت وتركت ليزا وحيدة في الشقة حتى ظهر لهما أخ آخر يدعى توني جاء ليدفن لولا ويضع ليزا في دار للعجزة ويبيع الشقة ويرحل من حيث جاء. معلومات ماما نوسة عن حياة لولا وليزا لا تتعدى تلك السطور.

الطابق الثاني لماري وأنيتا، أختان من أصل شامي تعملان كخياطتين تصنعان فساتين أفراح وفساتين أخرى للعائلات العريقة المعروفة في سبورتنج والأحياء المجاورة. حكت ماما نوسة أنها في أول يوم تعارف بينهم دخلت غرفة بها العرائس العارية المستخدمة في قياس الفساتين، وكانت وقتها أول مرة تراهم فخافت من هذا المنظر وتقول أنها لازالت تتذكره جيدًا. كانت ماري ترسل فساتين للملكة فريدة والأباظية كما تقول ماما نوسة؛ عائلة أباظة التي كان لها ثقل في الشرقية. وعرفت أيضًا أنهما كانتا تصنعان فساتين لتحية كاريوكا التي كان لديها شقة في الإبراهيمية على البحر وقتها، ولكن الأختين كانتا ترفضان مال تحية كاريوكا لأنهما كانتا تنتقدان مهنتها، "كاريوكا بتجيب فلوسها من الرقص" تقولان لجارتي، وتتبرعان بالمال. توفيت أنيتا وهي تبلغ من العمر مائة وعشرعاما، وتوفيت أختها ماري بعدها بعشر أيام فقط. وحين جاء القسيس ليتفقد ما تركته ماري وأنيتا في حضور ماما نوسة التي كانت لا تفارق الأختين، فوجئوا بمرتبة ماري مليئة بالأموال والذهب والحلي. تحكي ماما نوسة أن تخبئة كل ثمين في المراتب وأكياس المخدات كانت "عادة الخواجات في العمارة". كل ما وُجد في شقتهما ذهب إلى الكنيسة، ولكن ماما نوسة احتفظت بماكينة الخياطة السنجر التي لا زالت لديها وتعمل حتي الآن.

فوتوغرافيا | فرح بركات

الطابق الثالث هو طابق ماما نوسة نفسها، وطابق شقة جدي التي ذهبت لعمي ومن عمي لأبي. جدي بركات معروف بالعجوز العابس الذي كان يملك أموالاً طائلة لأنه كان يملك مصانع بركات في المحلة الكبري؛ وهي من أولى مصانع الغزل والنسيج في مصر. تقول ماما نوسة التي كانت صديقة جدي أيضًا "جدك ده كان بيصدَّر كسوة الكعبة"، وكان هذا بالنسبة لها عز ثروة جدي الذي استمر عمره كله يبنيها حتي خسرها في لحظة واحدة، كأنها عصفور حزين يقف في يدك يتأملك ثم فجأة يطير. حدث ذلك حين "دخل لعبة مش لعبته" بعبارة ماما نوسة أيضًا؛ لعبة لا أحد يعرف تفاصيلها ولا حتي أبناؤه ولكنها أسفرت عن خسارة كل أمواله ومصانعه، لتبقى سيرته تتداول بين الجيران بالعجوز العابس الذي ظل حتى مطلع التسعينات يرتدي بدلته وطربوشه ويمشي بعصايته كأي كليشيه يقدمه أحدهم في فيلم عن رجل مر عليه الزمن بأكمله ولم يأخذه في طريقه.

في نفس الطابق جارتي طنط هالة التي تعيش بمفردها ولا أعتقد أنه تبقى لديها شيء لتخسره. فقدت والدتها في يوم أتذكره جيدًا، وفقدت والدها المحامي في يوم أتذكره جيدًا أيضًا، وفقدت شغفها بالحياة وقدرتها علي تكملتها في يوم لا يتذكره أحد. فقدت إخوتها الذين رحلوا عنها بإرادتهم؛ لينشؤوا حياة بعيدة عن هذه الشقة وذكرياتها، وتظل هي في رحلة يومية مستمرة من منزلها لعملها بالشهر العقاري، ورحلة بين نفسها وملاحم أخرى يومية. كل ما أقدمه لها كتعازٍ لكل هذا هو "صباح الخير يا طنط" و"مساء الخير يا طنط".

يتبقي أهم بيت وأهم وصف وأهم شيء، شقة ماما نوسة، اسم ماما نوسة الحقيقي في البطاقة "ناعسة الأجفان" تحكي أن ناعسة الأجفان كانت حبيبة أبو زيد الهلالي، وأن اسمها مستوحى من السيرة الهلالية، وبعد فترة من "يعني إيه" و"اشمعنا" أصبح اسمها نوسة، ومع الوقت حين كبرت أنا أصبحت ماما نوسة، التي نشأت علاقتي بها وعمري لا يتعدى السنة، حتى أصبحت الآن صديقتي المقربة التي تشاركني القهوة والحكايات والأمثال والعمر أيضًا. ماما نوسة أقوى مُؤرِّخة بالنسبة لي، ولكنها لا تعلم ذلك؛ تحكي عن جيراننا وعن المنطقة وهي تقف في شباكها الصغير، ولا تدري أنها تُخلِّد كل شيء، وتصنع تاريخا خاصا بها وبنا وبـ 155 ش طيبة.

#فرحبركات #المدينة

724 views