«الاتحاد سيد البلد» تاريخ الفكرة والشعار...


«تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب. فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب، إنها كرة قدم للنظر.»

- إدواردو غاليانو

تَحلُ كرة القدم كأحد الرياضات الأكثر زخمًا وشعبيةً بين قطاعات واسعة من الجماهير حول العالم، بل وربما تكون الأقدر على التأثير في سائر جوانب الحياة السياسية والاقتصادية بين جميع الرياضات؛ حيث تمكنت كرة القدم من الوصول إلى درجة عالية من التماهي مع حيواتِ مشجعيها على اختلاف تصنيفاتهم ليجدوا فيها ملجأً لأرواحهم، هؤلاء الذين تنتزع كرة القدم شغفهم ليبذلوا الحزن والفرح في سبيلها كأنها فريضة خاصة يؤدونها جميعًا لغرض أقدس من مجرد المتابعة فقط.

فلا يمكن النظر إلى كرة القدم في عالم اليوم باعتبارها مجرد طقس رياضي فقط، وإنما أيضًا كمساحة للتعرف على الهويات الجمعية لأنصارها وكيفية تعريفهم لذواتهم عبر انتمائهم إلى أحد أندية الكرة، وكذلك علاقتها الإشكالية بالمدينة من خلال اعتبارها أحد المظاهر الحداثية للتحضر.

وفي هذا السياق، يأتي نادي الاتحاد السكندري كأحد الصور المثالية للتعبير عن طبيعة العلاقة المعقدة بين كرة القدم كنسقٍ خاص وبين مدينة متشابكة سريعة التغير كالإسكندرية، مرت بأطوار عديدة خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا تبدلت خلالها أوجه المدينة بشكلٍ كبير. ومثّل نادي الاتحاد، منذ تأسيسه عام 1914، أحد العناصر الأهم في تشكيل صورة المدينة الجديدة باختلافاتها المتعددة عبر هذه الفترات.

التأسيس

عرفت الإسكندرية كرة القدم في فترة مبكرة منذ دخول الاحتلال البريطاني إلى مصر في العام 1882، وإن لم تحظَ اللعبة بشعبية كبيرة في البداية؛ فاقتصرت ممارستها على الأجانب وإن كان ذلك في شكل غير رسمي. فيما كانت البداية الرسمية من خلال تأسيس النادي الأوليمبي المصري– النجمة الحمراء آنذاك- على يد مخلص الباجوري عام 1905، ليضم موظفي مصلحة الجمارك بالإسكندرية إلى جانب عضوية الكثير من الأجانب بالمدينة.

كانت كرة القدم حينذاك قد بدأت في اكتساب بعض الشعبية الطفيفة بين أبناء المدينة من خلال مخالطتهم المستمرة للأجانب، وإن لم تظهر بعد كجزءٍ أصيل من المزاج الشعبي فيها. وفي المقابل، نظر البعض إلى كرة القدم باعتبارها أحد منتوجات الاستعمار بشكل أساسي، مما أدى إلى حدوث نوع من الارتباك في التعامل معها واعتبارها بمثابة ميدان للكفاح الرمزي.

ووجد البعض أن الفرصة مواتية بشدة لمقاومة السيطرة الأجنبية على هذا الميدان الجديد، فشهدت المدينة في ذلك الوقت تأسيس عدد من الأندية التي تهدف بشكل رئيسي إلى مقاومة سيطرة الأجانب وتمددهم في المدينة، وقدرت نفسها كجزء أساسي من الحركة السياسية الوطنية آنذاك. فأنشأ حسن رسمي نادي الاتحاد الوطني عام 1906، والذي تمثل هدفه في إجلاء البريطانيين عن مصر مع احتفاظ مصر بتبعيتها للدولة العثمانية. وأسست مجموعة أخرى نادي الحديثة عام 1910 لذات الغرض، وفي عام 1912 أسس عدد من طلاب المدارس الثانوية نادي الأبطال المتحدون برئاسة ضابط الشرطة مفضل أبو زيد.

ونشأ نادي الاتحاد السكندري في العام 1914 من خلال اندماج جميع الأندية السابقة ليكون بمثابة المُعبر الرئيسي عن ذلك الحراك الوطني. ويخوض النادي عددا من المعارك ذات الطابع السياسي بالأساس كمعركة تأسيس اتحاد مصري مستقل لكرة القدم والتي خاضها عدد من الأندية المصرية جاء الاتحاد في طليعتها وذلك للانفصال عن الاتحاد الانجليزي، في حين فضل النادي الأوليمبي في المقابل البقاء ضمن الاتحاد المصري الإنجليزي للكرة، إلى جانب محاولته الدائمة للهيمنة على بطولة الإسكندرية لكرة القدم لفترات طويلة بعد سيطرة النادي الأوليمبي عليها في السابق، كل ذلك ساهم في إكساب النادي المزيد من الشعبية لدى أبناء المدينة، فجاء هتاف «الاتحاد سيد البلد» خلال تلك الفترة ليعبر عن تفوق النادي على الآخر المستعمر.على الرغم من الزخم الذي اكتسبته كرة القدم في الإسكندرية آنذاك، إلا أنها جاءت كرهان سياسي بالأساس؛ في حين تنحى النشاط الرياضي الذي يمثل جوهر اللعبة أصلًا ليصير نشاطًا هامشيًا أو ليصبح غطاءً أخلاقيًا لتلك الممارسات السياسية التي عبرت عنها.

البحث عن المدينة

كانت الأحداث التي شهدتها مصر في يوليو من العام 1952 بمثابة إعلان فعلي بانتهاء مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، والتي جاء نادي الاتحاد منذ البداية من أجل شغل هذا الدور في الميدان الرياضي، الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى تحلل الإرث الفكري الذي قام النادي عليه وشَكل الغرض الرئيسي لوجوده، مما يستتبع فقدانه لدعم العديد من أنصاره في المقابل الذين مثّل تأييدهم له نوعا من الكفاح الرمزي لا أكثر.

لم ينشغل النادي بتقديم نفسه منذ البداية باعتباره مؤسسة رياضية أصلًا في ظل السياق الصاخب الذي نشأ فيه، وإنما اكتفى بإنجاز الدور المحدد له كجزء من الحركة الوطنية دون أي أفق أبعد من ذلك، لذا فقد كان تأميم الدولة للنشاط الرياضي في مصر عام 1961 بمثابة إنقاذ للنادي من الأزمات المادية التي حلت به بعد توقف الدعم الذي استحقه من أنصاره ومموليه السابقين.

قامت وزارة الشئون الاجتماعية حينذاك بدعم النادي بمبلغ خمسة آلاف جنيه من خزينة الدولة لإنقاذه من أزمة الديون الطاحنة التي حلت به، إلى جانب تنظيمها حفلًا لأم كلثوم – أحد رموز الدولة الجديدة وقتها - على أن يعود دخل الحفلة بالكامل للنادي.

جاء ذلك في الوقت الذي كانت الإسكندرية تشهد فيه طورًا جديدًا من أطوارها المتعددة؛ حيث تتبعثر الأوراق القديمة ويُعاد ترتيبها من جديد. كان تغير الأنماط الاقتصادية السائدة في المدينة متبوعًا برحيل الأجانب عنها بمثابة ثغرة في هوية المدينة لم تستطع الدولة الجديدة أن تملأها بسهولة، كل ذلك ساعد النادي على بلورة علة جديدة مقبولة لوجوده الآن.

في ظل حالة التفكك التي عاشتها المدينة في ذلك الطور من التحول، أعيد استدعاء نادي الاتحاد باعتباره شاهدًا على حالة الحداثة المبكرة التي شهدتها المدينة، وكأحد المعبرين الرئيسيين عنها، في مقابل التهميش الذي تواجه به من الدولة في ظل هيمنة ثقافة مركزية واحدة على البلاد. ومن هنا جاء الاحتفاء بلاعبي النادي في هذا الجيل كالديبة وشحتة والجارم وغيرهم باعتبارهم رموزًا للمدينة ككل وليس للنادي فحسب، وكذلك ممارسة الطقوس العدائية ضد الأندية الأخرى القادمة من القاهرة باعتبارها معبرة عن هذه الثقافة المركزية.

النكوص إلى الماضي

شهدت مدينة الإسكندرية بدءًا من نهاية الثمانينات حالة من التدهور الشديدة على كافة الأصعدة؛ فبدأت المدينة في التوسع بشكل عشوائي من أطرافها مدفوعة بأثر الهجرة إليها، مما ساهم في تغير البنية الديموغرافية للمدينة. في ذات الوقت، شهد نادي الاتحاد بالتبعية تدهورًا كبيرًا في النتائج وتراجعًا في شعبيته أيضًا بين الوافدين الجدد إلى المدينة، وعرف حينها بدايات دخول رجال الأعمال إلى النادي رسميًا لأول مرة. كانت حالة الارتباك والتخبط المُباغت التي تعيشها المدينة بمثابة بيئة مثالية لإنتاج النوستالجيا كملاذ نفسي آمن، من ثم فقد بدأ استرجاع لفصول قديمة من تاريخ المدينة وإعادة إنتاجها من جديد كأنها حكايات بديهية مثل الأمجاد الكوزموبوليتانية وأوهام المدينة المكتملة وغيرها من العناصر التي ساهمت في ترسيخ تلك الصورة الزائفة عن المدينة، ومن ثم إنتاج الهوية السكندرية المتخيلة من خلال تلك الصورة عن الماضي. وكان لابد لهذا الحنين من مُفردات مادية في الواقع لتعبر عنه وتكون بمثابة بوابات للعبور إلى الماضي، فكان نادي الاتحاد هو أحد تلك العناصر المُعبرة عن هذه الحالة من النوستالجيا الخالصة، ليتم استدعاء تاريخ النادي بكثير من المبالغة لتتفق مع هذه الحالة الأسطورية التي صنعتها النوستالجيا عن المدينة، وليصبح النادي بكثير من التواطؤ المتبادل هو أحد الرموز الأصيلة للمدينة.

#المدينة #الاتحاد #كرةقدم #محمدأمين