«سيدي بشر يا دولة» مقاطع من سيرة عائلية مكانية


(1)

أواخر سبعينات القرن الماضي

تقول الأسطورة أنه في أول التحاقها بالجامعة، وخلال التعارف الأوّلي بين الطلبة - الاسم والمدرسة التي جاءوا منها ومحل السكن - استغربت ماما جدًا من سكن إحدى زميلاتها في سيدي بشر. «سييييييييييييييييييدي بشر! بتيجي كل يوم من الصحرا؟!». ربما شعرت الفتاة ببعض الحرج، فردت أنه سوف تمر الأيام ولن تجدوا أي شقة سكنية إلا في سيدي بشر. تمر الأيام بالفعل، وتلعب سيدة الأقدار لعبتها المحفوظة، وتتخرج الفتاة التي استغربت من كلية الصيدلة، وتتزوج في «الصحرا».

(2)

قبل هذا المشهد بعدة عقود، أربعينات القرن الماضي

الشاب الطموح النازح من الدلتا لاستكمال تعليمه والعمل بشهادته يتزوج ابنة أعيان الورديان. لا يعتمد على أهله، فيأخذ عروسه إلى عش الزوجية في شرق المدينة؛ سيدي بشر أمام معسكر الإنجليز (معسكر الأمن المركزي الآن). تقول تيتا (جدتي لأمي) أن أهلها كانوا «يسافرون» لزيارتها. وكان التليفون الوحيد المتوفر وقتها عند سويلم؛ محل الأدوات المنزلية والخردوات الشهير. وكان استقبال تليفون هناك يعني «الشديد القوي» - غالبًا إعلانًا بوفاة أو مرض، ونادرًا ما جاء «تليفون سويلم» بأخبار سعيدة.

مازال الأمر يبدو سفرًا حتى في ثاني عقود الألفية، عندما أعادت أختي الكرة - ولكن بلعبة عكسية - حيث تزوجت - وهي ابنة سيدي بشر البارة - بزميل المدرسة الذي تسكن عائلة أمه الورديان، وسكن هو العجمي معظم حياته؛ ليكون من أبناء غرب المدينة بامتياز.

وتحكي تيتا أيضًا عن امتلاكها لراديو، بوصفها حرم الموظف المحترم، مما أهلّها لتكون من محاور هذا المجتمع المحلي في الشهور القليلة التي سكنته، قبل أن تنتقل إلى الحضرة لشهور معدودة أيضًا، فيما بدا لاحقًا أنه مرحلة انتقالية قبل انتقالها الثالث والأخير إلى محرم بك حيث علية القوم.

(3)

حول نفس المرحلة الزمنية، الناحية الأخرى من شجرة العائلة

تأخذ عائلة أبي رحلة جدي وجدتي لأمي عكسيًّا. يبدو أن جدي وجدتي لأبي بدآ من كرموز، ثم قررا - لسببٍ ما - الانتقال إلى سيدي بشر بأولادهما الذين كانوا على أعتاب المراهقة والصبا حينها، في آخر الشارع الذي سيكون بعد ثلاثة عقود ربما نفس الشارع الذي سيجد فيه ابنهما البكري وماما شقة صغيرة قبل موعد زفافهما بأسبوع، ويقرر بابا أنها شقة «لقطة» ولا يعترض أحدنا فنبقى فيها حتى الآن، بعد 4 أعوام من رحيله.

يحكي بابا وأعمامي وعماتي حكايات كثيرة عن جيران الشارع، ومباريات الكرة اليومية التي يتبعها سباق جري إلى البحر و»ضرب غطسين» ثم سباق جري في العودة. لطالما أذهلني سباق الجري هذا. أتخيل مراهقين بشوارب خطية خفيفة وبداية عضلات، يجرون في شارعنا، وهو مجرد بنايات صغيرة أعلاها ثلاثة أدوار، ثم يستكملون طريقهم عبر شارع سيف فيلقون التحية على «الدفعة»؛ مجندي الأمن المركزي، ويمرون عبر سويلم؛ نقطة اتصال تيتا بالعالم قبل سنوات قليلة (عائلة أمي كانت مستقرة في شارع منشا في الطرف الآخر من المدينة في ذلك الوقت)، يقطعون مزلقان القطار عند نهاية شارع سيف، ثم يأخذون شارع مسجد سيدي بشر (هل كان المسجد بنفس شكله الحالي حينها، وبجواره فندق رمادا الذي أصبح هيلتون لكن الجميع مازالوا يطلقون عليه رمادا؟) إلى نهايته ليجدوا البحر أمامهم. أتعب من مجرد تخيل فكرة جري هذه المسافة، يا إلهي، وبعد عدة مباريات كرة، ومازال عليهم السباحة ثم العودة إلى المنزل جريًا. بابا كان رياضيًا - أتمتم، بعد فشلي في حساب طول المسافة.

(4)

أسرة صغيرة سعيدة، الفروع تجتمع

يتزوج بابا وماما في سيدي بشر، ويتحول منزل عائلة بابا إلى منزل عمتي الصغرى قبل أن تنتقل إلى شقة أخرى أكبر بعدها بشارعين. أما عمتي الأكبر فتستقر بعد زواجها في شقة على بعد تقاطع واحد من منزل عائلتها. يسكن خالي لسنوات في شقة في الشارع الواسع الذي يتقاطع مع شارعنا، ودائما ما يسبقه في الخدمات (السفلتة، الغاز...)، وهي الشقة المرتبطة في ذهني باللعب، حيث تعلمت البلياردو والبولينج والكريزي ايت في الصالة الكبيرة (قبل أن يصبح اسمها «ريسبشن»، وتصبح الشقق ذات الصالة شقق مش قد المقام). وتتحول طفولتي إلى ما يشبه الكميونة؛ حيث يحيط بنا خالي واثنين من عماتي، ثم تجاورنا خالتي في ميامي بعد عودتها من السعودية، وهي الشقة التي كانت مسكنًا/ مصيفًا في سنوات صباي.

يتطور شارع خالي العريض هذا، الذي يحمل رقم 30 فيما بدا لي في سنوات طفولتي ربطًا مع المعادي وشارع 9 في آيس كريم في جليم، على مدار السنوات ليصل سيدي بشر بالعصافرة عن طريق شارع 45 (رقم آخر، لكنه لا ينتمي جغرافيًا لسيدي بشر، فلا يعنيني في طفولتي) ثم بالمندرة عن طريق شارع 30 (ثاني) تقبع في أوله صيدلية ماما بالقرب من شقة خالي الآخر في المندرة قبل سفره إلى ليبيا وعودته منها إلى برج العرب. لا أتذكر كيف ومتى عرفت أنه من المخطط وصل شارع 30 سيدي بشر بشارع 30 المندرة (هكذا كنت أعلمهما في صغري، ومازال عليّ أن أواجه ذلك العبقري الذي ضاقت عليه الأسماء والأرقام)، وهو ما يعني وصل بيتنا بصيدلية ماما في مشوار يأخذ 5 دقائق (أتذكر ماما جيدًا وهي تؤكد ذلك)، وليس نصف ساعة، فآخذ أياما وليالي أحسب كم من الوقت سيتم توفيره صيفا إذا كان عليّ مرافقة ماما في الذهاب إلى الصيدلية صباحًا، أو توصيل طعام إلى بابا بعد الظهر، فأنا الآن كبيرة بما يكفي لأن أذهب بعلب بها طعام ساخن إلى بابا في الصيدلية، وأن أعرف أنه عليّ ارتداء تي- شيرت طويل على الشورت، أو ربما استبدال الشورت أصلاً لأني ذاهبة إلى المندرة، وليس ميامي حيث الجميع يرتدون الشورت. لا ترى هذه الخطة التوسعية الطموحة النور طبعًا، والمشوار من بيتنا إلى الصيدلية لم يستغرق 5 دقائق قط.

وهو نفس الشارع الذي سيكبر فجأة، ويصبح مركزًا لعمارات ما بعد الثورة ذات الأدوار العشرين، والمصاعد الكهربائية ذات المفاتيح على شكل دائرة ملونة (غالبًا إما حمراء أو زرقاء) والشقق ذات الريسبشن القطعتين أو الثلاث، وبعضها بغرف نوم «ماستر» (أعرف لاحقًا أن هذا يعني عادةً أنها غرفة كبيرة). يجتمع الشارع مع شارع آخر يتقاطع معه ليصبح اسمه «تقسيم سموحة الجديدة» (أُذكِّر، مازلنا في قلب سيدي بشر) وتشتري أختي وزوجها فيه شقة في آخر دور ذات «روف» (استخدم السمسار والمقاول كل على حدة هذا المصطلح، مما جعلني أبدو بلهاء عندما قلت بعفوية «السطح»)، لتعيد أسطورة كميونة سيدي بشر العائلية.

(5)

الخط الزمني الشخصي

بين المشهد الأول والمشهد الرابع تولد طفلة وتكبر في نفس المكان. تعرف منذ صغرها كيف تذهب إلى محرم بيه والمندرة، وتعود إلى سيدي بشر وحدها، والفرق ببين مشاريع المحطة ومشاريع سيدي جابر بس، لكنها لم تحب قط مشاريع آخر الشارع. تعرف أيضا محطات القطار والترام، وأن الجدات عادةً ما يسكن جزءا من المدينة اسمه «البلد».

ترى بعض أطفال الجيران من جيلها يرتدون مرايل بيج باهتة، حتى في أيام السبت (كانت تظن أن كل الناس أجازة السبت)، ويذهبون إلى المدرسة مشيًّا أو بمواصلات حاملين كراسي صغيرة؛ لأن فصولهم ليس بها مواضع جلوس تكفي جميع التلاميذ، ويعودون في الحادية عشر صباحًا حين تكون هي تنتظر البريك الذي يعقب الحصة الرابعة بفارغ الصبر. أما البعض الآخر مثلها ممن لديهم «ميس» وليس «أبلة»، فينتظرون «الباص» أو «عمو» (تاكسي أبونيه كما يردد الكبار، سيستغرق الأمر عدة سنوات لتعرف ما هو «الأبونيه». كانت تُحرج من السؤال عما لا تعرفه، وحياتها كانت لا تعرف جوجل حينها) والبعض الأقل ينتظر «الأوتو». وحين تعود قبيل المغرب، تجد الآخرين قد عادوا وتناولوا الطعام وبدأوا رحلتهم مع اللعب في الشارع، وقاربوا على إنهائها ليذهبوا إلى «الدرس». تفهم بعدها مغزى هذه المشاوير المسائية التي يذهبون إليها بالشباشب أو لبس البيت، وتدرك منذ حينها أن العالم مكان غير عادل.

وبين هذا وذاك، تقرأ، وتكتب حكايات في دماغها، وتعدلها، على أمل أن تكتبها ذات يوم.

#المدينة #خلودسعيد #غادةعصام #سيديبشر #ذاكرة