لا ترى البحر


البحر بالنسبة للسكندريين لا ينفصل عن الإسكندرية؛ فهو رئة هذا الجسد العجوز. البحر الأبيض المتوسط الذي يفصل المدينة عن شمال البحر المتوسط «الآن»، بينما في الماضي كان «يربطها» بشمال البحر المتوسط. في الماضي كانت الإسكندرية ترى البحر وعبره وما وراءه، والعكس؛ كانت الدنيا تنظر لها ومن خلالها إلى العالم بأسره. كانت عين الحضارة.

لكن مدينتك الآن يا حماده قد أدارت ظهرها للبحر منذ عقود، وولت وجهها شطر الصحراء وصارت ترتدي جلبابها وتنطق بلكنتها وتتبنى عاداتها. لم يعد بحرها مفتوحًا للسفن والرحالة وطالبي العلم والحياة. صار ميناؤها الشرقي مصرفًا، ورأسها يبرز من فوق قاعدة عسكرية غير مفهوم سبب وجودها. وحين تسير على الكورنيش تصرخ في وجهك صخورها قائلة «أترضاه لأختك». مطالب أنت بألا ترضى لأختك وللأنثى في حياتك الهواء والتفكير وحب الحياة؛ حتى لا تتعرض للتحرش الذي صار حقًا مكتسبا لممارسيه من الحمقى، ومجبرًا أو متساهلاً تقنع بكونك ازدواجيًا - كوزموبوليتاني على المقهى ووهابي في بيتك.

الإسكندرية إذًا، تقع على البحر ولا ترى البحر.

الإسكندرية ترى البركة.

مقدمة ضرورية نوستالجية عشان خاطر حماده!

منذ أقدم العصور، جاء اليونانيون إلى مصر مع الإسكندر المقدوني، أي قبل 330 عامًا قبل الميلاد، ومنذ ذلك الحين ارتبط اليونانيون بمصر ارتباطًا وثيقا. من بعد الإسكندر كانت مصر من نصيب بطليموس سوتر «المنقذ»، فبدأ عصر البطالمة؛ وهو العصر الذي استردت فيه مصر أهميتها الحضارية وأصبحت أكبر مركز حضاري وعلمي في العالم. فكانت عاصمة الحضارة اليونانية القديمة ومركز الثقافة الهلينستية في البحر المتوسط. وتمثل هذا في مكتبة الإسكندرية القديمة. الجدير بالذكر أيضًا أن بطليموس ابتدع ديانة جديدة حتى يُوحِّد المصريين عبر عبادة الإله سيرابيس؛ الذي كان توليفة مصرية يونانية وكان له معبد ضخم في منطقة أبي قير. ضعفت الدولة البطلمية بعد وفاة البطالمة الأوائل بسبب ضعف الحكام وكثرة «الثورات» فسقطت الدولة البطلمية، وجاء الرومان وحدث حريق المكتبة؛ وهو موضوع يستحق صفحات على الأقل للحديث عنه.

في العصر الحديث، بدأت موجات هجرة اليونانيين إلى بلاد الفراعنة فور أن بدأ الانفتاح السياسي في عهد محمد علي الذي كان ينحدر من مقدونيا وكان على دراية بنشاط اليونانيين؛ فاهتم باستخدامهم من أجل مصلحته. هذه الموجة من الهجرة استمرت بحماس بعد عام 1850، وجاءت من منطقة الدولة اليونانية المستقلة الجديدة التي كان اقتصادها هشًا، ولم تكن في وضع يسمح بتوفير حياة كريمة لمعيشة المواطنين. جاء أيضًا عثمانيون من الأراضي اليونانية بسبب الحاجة إلى أيدٍ عاملة خبيرة ومدربة كان يحتاجها برنامج الإصلاحات والتحول الأوروبي لمصر. وبناء عليه، بعد عقود قليلة، كان الحضور اليوناني ملموسًا في مجال التجارة والصناعة والخدمات والنظام المصرفي، وأيضًا في الطب والقضاء والخدمات العامة.

على سبيل المثال، في عام 1854، كانت شركة كاسافيتيس؛ التي كانت تقود التجارة في صعيد مصر، توفر ما لا يقل عن 1000 فرصة عمل؛ حيث كانت تحتكر النقل النهري الداخلي. بينما في عامي 1858-1859 كانت شركة عائلة نيكولوبولوس لديها امتياز حصري بإمدادت المنتجات الزراعية في صعيد مصر، وكانت دائرة تعاملاتها المادية تبلغ أربعة ونصف ملايين فرنك. وبنفس الطريقة، في الفترة مابين 1870 ـ 1920، كانت نسبة 50% من صادرات القطن تقوم بها شركات يونانية، بينما حتى عام 1910، كان كبار تجار التبغ مثل جناكليس وكريازيس وخيلميس وميلاخرينوس وسوسيذيس يسيطرون على نسبة 95% من تجارة السجائر الداخلية. قوة رأس المال اليوناني في السوق المصرفي المصري كانت ترجع إلى عدة أسباب منها أنه في عام 1899/1900 كان خمسة من بين عشرة هم أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي المصري يونانيين، بينما ربع أسهم المؤسسة الائتمانية كان يملكها السيد سالفاغوس.

هذه مقدمة تليق بخيال حماده وتعجبه، وسأزيدك من الشعر بيتًا يا حماده:

الكثير من التجار اليونانيين كان لديهم وعي مدني ومجتمعي، كانوا يعتبرون أنه من الواجب أن يستخدموا جزءا من إمكاناتهم الاقتصادية ليساعدوا غير القادرين من أبناء وطنهم. ومن أجل هذا الغرض، في عام 1856، أسسوا - تحت رعاية مطرانية الإسكندرية - الجمعية اليونانية الأرثوذكسية في القاهرة، بهدفٍ واضح وهو إنشاء ورعاية مدرسة ومستشفى ومنظمات خيرية من أجل الجمعية، المخططات الأولية الطموحة للمنظمة لم تكن لتنجح بدون قليل من التأخير. على سبيل المثال، وبفضل رجل الخير رفائيل عبيد في عام 1857، تم شراء مبنى المستشفى الخيري، لكنها بدأت في العمل فعليًا بعد بضع سنوات، ثم توقف نشاطها نهائيا في عام 1876.

فوتوغرافيا | عبد الرحيم يوسف

هل انتبهت يا حماده لعبارة «أبناء وطنهم»؟ ليس وطنك أنت! لا ألومهم، بل أثني كثيرًا على تجربتهم وتضامنهم ونشاطهم الكثيف الذي استمر حتى منتصف القرن العشرين على كل المستويات، والذي كان له أثر بالضرورة على واجهة مصر الحضارية. حتى أنني لا ولن ألومك أنت، فقط كل ما أطلبه منك أن تعي عندما تقرأ ثم تلوك ما قرأته وتنتشي وتتباهى كالصلعاء بشعر بنت أختها كما يقول الشعب الحكيم. بالطبع هذا النشاط لم يبتعد كثيرًا عن الأدب والثقافة، فعلى سبيل المثال حتى عام 1963 طُبع في القاهرة على الأقل 750 كتابا. وكان للجالية اليونانية نشاط ثقافي وأدبي وعلمي كبير، لكنه كان موجهًا إلى أبناء الجالية فقط بغرض تثقيفهم وتنمية وعيهم، وحسنًا فعلوا. لكن يا حماده لو كانت عبارات مثل التعايش والاندماج والانصهار لها محل من الإعراب لكان أحرى بهذا التفاعل والتعايش أن يكون هلينيستيًا. دعك من المصطلح وفكر لماذا لم تصدر كل هذه الإصدارات المتنوعة بين كتب ومجلات وصحف ثقافية وعلمية وسياسية وأدبية بالعربية أيضًا؟! فبالتأكيد كان هناك منهم من يجيد العربية قراءة وكتابة، لكنهم يا حماده كانوا قليلين بدرجة بائسة، ولم يكن هذا شاغلهم. الانتماء والاندماج والانصهار والتعايش على هذا المستوى إنما هي أمور تحدث في رأسك بأثر رجعي نوستالجي تحاول به أن تثبت مالا يمكن إثباته، فقط لتشعر بالراحة والاكتمال والتميز كونك سكندريا كوزوموبوليتانيا، أو هكذا تتمنى. فقد كانوا منعزلين إلى حدٍ بعيد عن أجدادك كما هم الآن، يتفاعلون ويتعايشون وينصهرون ويتداخلون فيما بينهم فقط، ولكن كي أكون منصفًا وكما تقول المقولة الشهيرة It takes two to tango، فلم تكن هناك محاولات حقيقية من قبل أصحاب الأرض في تحقيق ذلك الانصهار.

فلابد أنه قد مرت عليك في الكتب كثيرًا عبارات كتلك «وعلى مدى أكثر من ألفي عام، بلغت درجة التداخل والتفاعل بين الشعبين اليوناني والمصري درجة كبيرة»، أو «ففي النصف الأول من القرن الماضي بلغ عدد اليونانيين في مصر مليونًا ونصف المليون. تعايشوا مع المجتمع المصري في مختلف نواحي الحياة في التجارة والوظائف الإدارية والصناعات والأعمال الحرة». وبالطبع لن يفوتني أن أنعشك بذكر اسم يُعد هو الإثبات الخالص لمثل هذه القناعات والعبارات الطنانة الرنانة الزنانة بمناسبة وبغير مناسبة: قسطنطينوس كفافيس، يا سلام، الكلام يمر دون رسوم جمركية؛ وهذا لأن كفافيس عزيزي الحماده، وأنا واثق تمام الثقة أنك تعرفه، وليست ثقتي تامة بأنك قرأته، وإن كنت قد قرأته فثقتي تقريبًا منعدمة أنك قد قرأته بعناية، إذ أن شاعرًا كهذا لا يُقرأ مرة واحدة، ولا مرتين، بل يقرأ بين الحين والآخر؛ لأن شعره شأن أي شعر عظيم يُشعرك بأنه قد كُتب الآن. وفي كل مرة تقرأه تكتشف مساحات وأبعادًا كثيرة لم تكن ظاهرة لك عندما قرأتها قبل أيام، أي أن شاعرًا كهذا يُدرس أيها الحماده السكندري المولع باستنشاق الكوزموبوليتانية عبر الصور القديمة ونفثها على صفحات التواصل الاجتماعي. وإن شئت عُد إلى قصيدتيه «ملوك الإسكندرية»، و»في انتظار البرابرة إلخ». كفافيس الذي قال «أنا لست «هلينيًا» (أي يونانيًا)، أنا هلينيستي»؛ والهلنيستية ببساطة هي نتاج التفاعل بين الحضارتين المصرية واليونانية، ولذا سميت هذه الفترة التاريخية الهامة بالعصر الهلينيستي. كفافيس يا حماده كان يتحدث اليونانية بلكنة إنجليزية، ولم يكن يجيد العربية إجادة تامة. ولأنه كان شاعرًا متميزًا ومتمردًا، لم يعجبه شعر الفصحى في عصره، وهناك مصادر تشير إلى إعجابه بشعر العامية المصرية المعاصر له، وبموسيقى سيد درويش. أتمنى أن يكون قد دق جرس ما بجوار أذنك التي لا تبعد كثيرًا عن عقلك.

أما عن النشوة الحمادية الناجمة عن طنطنات «التداخل والتفاعل بين الشعبين والتعايش المجتمعي المتناغم المنسجم» فمحلها من الإعراب شائك ومعقد في واقع الأمر، فلا أنفيه تمامًا ولكن أود أن أحدده.

هل كان هناك بالفعل ثمة شيء كهذا؟ الإجابة «نعم» ولكن على أي مستوى؟ على مستوى الألم والهم والفقر؛ أي أنه كان هناك تعايش وتفاعل حقيقي بين اليونانيين والمصريين في مصر في الأحياء الشعبية جدًا، على مستوى الطبقة الفقيرة. وفقط الفقر والألم والحاجة ــ يا حماده ــ يُوَحد البشر. يقول الكثير من السكندريين والمصريين بصفة عامة أن اليونانيين كانوا يعيشون مثلنا، خذ خطوة إلى الوراء وانظر إلى المتحدث العجوز الذي يقص عليك حكايات من الإسكندرية القديمة، وستعرف على الفور أنه كان أحد الحرفيين، وكان يزامله واحد من أولئك اليونانيين أو الطلاينة أو الأرمن أو الأجانب بشكلٍ عام، أو كان صاحب محل حلاق أو خياط أو خياطة أو بقال في الحي يبيع على النوتة للمصريين وغيرهم من أبناء الجاليات الأجنبية في الحي الشعبي الفقير.

هناك فرق بين الحقائق التاريخية المصمتة، وبين الوقائع التاريخية الملفقة والملعوب في أسسها من كل اتجاه حسب أهواء الطغاة في كل عصر، والكتبة المستأجرين والباحثين الموجهين والممولين وفلاسفة التاريخ والتأريخ وأطباء الفلاسفة الذين وعلى الرغم من أنهم لا يتزاوجون إلا أنهم يتكاثرون بكثافة في عصر الحماده. ولذا في حالات كهذه لا يجب ألاّ نركن بارتياح إلى الحقائق التاريخية، وعلينا أن ننبش قليلًا فيما قد يسمى الحقيقة الأدبية إذا ما كنا نناقش التجارب البشرية أو الإنسانية؛ فالأدب هو من ضمن الفنون الإنسانية واضحة المعالم، ويعرّف بأنه الفن الذي تصاغ فيه التجارب البشرية، ففي الأدب تبدو الحقيقة مختلفة؛ ذلك أن الأدب هو نتاج غير منعزل عن الذات التي ابتدعته. فهو يحمل ملامح من حياة هذه الذات، ويستخدم في تقديم عالمه لغة خاصة تجنح للمجاز؛ لهذا فإن حقيقته تتسم بالغموض النوعي الذي يمتد حتى إلى ذهن الأديب، إلا أنها حقيقة أزلية عابرة للزمن، متفردة مرتبطة بمبدعها، وغير قابلة للتكرار مثل الحقائق التي تنتج عن التجارب العلمية.

هذه السمات للحقائق الأدبية تفجر عدة تساؤلات عن كيفية تجسيدها في الأدب، وعلاقتها بالمتلقي من ناحية، وبالمجتمع من ناحية أخرى. فلا شك أن الأدب له علاقة بالواقع، وما يقوم به الأديب هو إيجاد واقع من الكلمات له قواعده وخصائصه الفنية الخاصة، ينشدّ إلى الواقع، واقع الناس والحياة، محاولاً التأثير فيه باستخدام عاملين: الأول معرفي، والثاني جمالي، ويبدو العاملان مندمجين في توازن وتكامل ضروريين، يقل تأثيرهما إذا طغى أحدهما على الآخر، وربما لا نبتعد إذا قلنا إن تفاعل هذين العاملين في النص الأدبي يُشكِّل ما نسميه حقيقة الأدب، فما الحقيقة هنا إلا تلك التي تتكشف من خلال العمل الأدبي بجانبيه المعرفي والجمالي.

ما أود أن أقوله وفقًا لما سبق هو أن الأدب الجيد يدعو إلى تفكير أعمق وأوسع، وهو ما سوف نتطرق إليه باستفاضة عبر عرض نماذج من الأدب اليوناني الحديث الذي تناول حياة اليونانيين في مصر، ومكان المصريين في ذلك التناول الأدبي.

من الجدير بالذكر أن عدد ما كُتب من قِبل الأدباء اليونانيين عن حياتهم في مصر كبير للغاية، وأذكر أنني في فترة ما كنت أحاول جمع كل تلك الكتب ولم أستطع لكثرتها، كانت تحمل في معظمها نفس العناوين على تنويعاتها «وداعًا الإسكندرية»، «الإسكندرية التي عشتها»، إلخ… كما كانت تحمل في أغلبها طابع السيرة الذاتية، لم يكن أغلبها جيدا، وكان يغلب عليها السمة النوستالجية والبكاء على الزمن الجميل، وصدمتهم عند العودة إلى الوطن الأم الذي كان بالنسبة لهم أشبه بقرية إذا ما قورن بالقاهرة والإسكندرية وحياتهم فيها، وقليل منها كان يحمل نوعًا من النقد لليونانيين بشكل عام للفترة التي عاشوها حتى غادر أغلبهم في أوائل الستينيات. لكن القاسم المشترك بين كل ما كتب هو الوجود المصري الشاحب في معظم تلك الأعمال، فإما أنه كان خلفية أو ظلاً للشخوص والأحداث، لكنه أبدًا لم يكن له وجود مُؤثَّر لا في أحداث العمل الأدبي ولا سياقه. لكن بالتأكيد هناك بعض التجارب التي يجب التوقف عندها وقراءتها بعناية ومن ثمَّ دراستها، وأرى أن تجربة العظيم قسطنطين كفافيس تستحق وقفات كثيرة كونه الشاعر اليوناني السكندري الأكبر والأشهر، والذي يخصنا كمصريين كما يخص اليونانيين، وكذلك تجربة كاتب كبير مثل ستراتيس تسيركاس المصري اليوناني أو اليوناني المتمصر الذي كان يلقب بابن البلد؛ ابن حي عابدين وابن حلاق يوناني في نفس الحي. لم يكن ممكنًا أن يكون ابن مصر الجديدة أو جاردن سيتي، أو أن يكون ابنًا لأحد الأثرياء اليونانيين، أترى ما كنت أقصده يا حماده؟ تسيركاس المترجم والشاعر والناقد والصحفي والناشط السياسي والروائي له قصيدة بعنوان «لماذا مصر هي أمي»، ورواية بعنوان نور الدين بومبة عن نوتي إبان ثورة 1919 في مدينة ديروط التي عمل بها سنوات طويلة في محلج للأقطان، وبالطبع ثلاثيته الشهيرة مدن جامحة: المنتدى التي تدور أحداثها بين أوروبا وأورشليم والقاهرة، والجزء الثاني آريان الذي تدور أحداثه في القاهرة، والجزء الثالث الخفاش الذي تدور أحداثه في الإسكندرية. الثلاثية تدور أحداثها في فترة الأربعينيات أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية في فترة كانت تتشكل فيها معالم العالم الحديث وحدوده، وقد كتب الجزء الأكبر منها في مصر وبالأحرى في مدينة الإسكندرية التي عاش فيها آخر سنواته قبل رحيله عن مصر في أواخر الستينيات.

بالطبع هناك حالة أخرى شديدة الخصوصية في الأدب اليوناني لكاتبة هامة ومترجمة عن العربية هي برسا كوموتسي، التي عاشت ودرست وتخرجت في جامعة القاهرة، وهي من ترجمت الجزء الأكبر من أعمال كاتبنا العظيم نجيب محفوظ كما ترجمت لكبار آخرين مثل إبراهيم عبد المجيد وبهاء طاهر وطه حسين وغيرهم. كما أن لها ست روايات، كلها عن مصر وتدور أحداثها فيها. مصر لدى تسيركاس هي أرض الأحداث والمركز، ويتحدث عنها وعن فضلها ليس فقط على اليونانيين والأجانب بل وعلى كل من مر عليها؛ أما برسا كوموتسي كحالة خاصة فغير ما ذكرناه، إلا أن المصري في أعمالها الروائية هو بطل في الأحداث وله وجود مُؤثَّر، وهي خاصية لا نجدها عند أي كاتب يوناني آخر بهذه القوة والكثافة والحرفية، بل والقصدية أيضًا؛ فمصر لدى كوموتسي هي المصريون، ونلاحظ هذا في عناوين رواياتها؛ فعلى سبيل المثال حملت أول رواية لها عنوان شارع فرنسا؛ وهو الشارع الشهير بالإسكندرية الذي كان شارعا يسكنه الأجانب، ويعملون فيه حتى أن اسمه جاء منهم «شارع الفرنجة» الذي تحور إلى شارع فرنسا فيما بعد، ورواية بعنوان سنوات شبابه ومسيرة عشقه؛ وهو مقطع من قصيدة للشاعر السكندري قسطنطينوس كفافيس بعنوان «سنوات شبابي ومسيرة عشقي» وتدور أحداثها في الإسكندرية عام 1900 وجاري ترجمتهما إلى العربية، ورواية بعنوان على الضفة الغربية من النيل صدرت بترجمة عن اليونانية للدكتور حمدي إبراهيم، والرواية الأخيرة بعنوان في شوارع القاهرة، نزهة مع نجيب محفوظ صدرت عن سلسلة الجوائز، وترجمها عن اليونانية كاتب هذه السطور.

تحتاج مثل هذه الكتابات إلى قراءة ودراسة متأنية، إذ أنها كما ذُكر تختلف جذريًا عن أية كتابات أخرى لمصريين يونانيين أو يونانيين مصريين؛ ليس لأنهم يقدمون أدبًا جيدًا، أو لأن الموضوعات التي يطرحونها تخصنا كمصريين وكقراء بشكل عام، ولكن أيضًا لأن ما يطرحونه له أبعاد متعددة ووجهات نظر لم نعتد عليها؛ فهي غير نمطية وتحتوي على قدرٍ كبير من الحقائق الأدبية والتاريخية؛ فعندما نبحث في التاريخ نرى الأمور من وجهة نظر محدودة، أما عندما نجد أو نبحث عن التاريخ في الأدب - فبخلاف العاملين المعرفي والجمالي- نكون بصدد حكايات البشر التي تمنحنا ترجمة خاصة للتاريخ والأحداث.

#خالدرؤوف #عبدالرحيميوسف #البحر #المدينة

158 views