Some elements on this page did not load. Refresh your site & try again.

Some elements on this page did not load. Refresh your site & try again.

Some elements on this page did not load. Refresh your site & try again.

عن أي شيء أتحدث


في كتابه (مدن لا مرئية) اختار كالفينو زمنا شديد الثراء.. زمن امبراطورية التتار، واختار شخصيتين روائيتين بامتياز: الرحالة الشاب ابن البندقية (ماركو بولو)، وامبراطور التتار (قبلاي خان) الذي قاد الإمبراطورية إلى أقصى اتساع لها، وأسرف على نفسه في ترسيخ قيم أُفْتُرِضَ فيها أن تحفظ لمُلكه البقاء والاستمرار، بيد أنها حملت في داخلها نواة الانهيار، هكذا يطالعنا العمل في سطوره الأولى عبر نص شديد الاختزال، وكأنه تنويه مضمر إلى أن الكتاب هو كتاب المكان بامتياز، فاللحظة الملحمية والشخصيتان الدراميتان وما زخر به العمل من تفاصيل جاءت كلها خادمة لفكرة المكان/المدينة.. المدينة في طفولتها وفي شيخوختها.. المدينة كما نتذكرها أو كما نتذكر أنفسنا من خلالها. وبعد عرض لعشرات المدن، أدرك الخان أن ابن البندقية نقل الصراع بينهما إلى صيغة وجودية لا تعترف بثنائية المنتصر/المهزوم، لحظة من الوعي لم يجد الخان وسيلة للتعامل معها أفضل من السؤال، السؤال المطيح بكل ما نتوقعه من حواجز راسخة بين رجل دولة من الشرق، ومغامر شاب من الغرب، سؤال يحمل بداخله المودة والتحدي معا، كما يذكر –في نفس الوقت- الرحالة الشاب أنني أنا الخان الأعظم قبل أن أكون ذلك المستمع المسحور بأوهامك وتخيلاتك.. قال له: حكيت لي عن مدن كثيرة ولا أعلم الحقيقي من المتخيل، لكنك نسيت أن تحكي لي عن مدينتك .. البندقية. ولأن ماركو بولو يجمع بين رذيلة الرحالة أي المبالغة، ورذيلة التجار أي حلاوة العرض! أخبره أنه لم يحك إلا عن مدينة واحدة .. مدينته البندقية! هل كان جوابه عفو الخاطر وإنقاذ بلاغي سريع؟ أم أراد فقط أن يكف الخان عن مناكفته؟ أم أراد إرباك القارئ ودفعه لإعادة القراءة من جديد؟ أم لعله كان صادقا بعد أن أكسبه الترحال حكمة عرف معها أنه ما من وجه واحد للمدينة، فقط هناك صورة متغيرة في كل لحظة، وفي المجموع اللامتناهي لصور المدينة تتخلق هويتها بمقدار ما يحصله وعينا من إشارات ورموز تزخر بها هذه الصور.

فالمدينة ليست مجرد الحيز المكاني لقضاء أيامك والمرور بتجاربك.. ليت الأمر بهذه البساطة!

الاستسهال والوقوع في فخ يقينية المعرفة المحصلة عبر الحواس خلق نوعا من الخطاب المضحك في تعاطينا مع المنجز الإبداعي، فنجد من يثور ويعبر عن رفضه التام لعمل مثل رباعية الإسكندرية بحجة أن الراوي لم يتعرض لحياة المصريين من أبناء الإسكندرية! تُرى هل يستطيع صاحب هذا النمط من التفكير أن يصرح أمام لوحة لبيكاسو أن ليس هكذا شكل المرأة أو الفرقة الموسيقية في الواقع؟!

من القصور في الرؤية رصد تطور الجنس البشري بتتبع التغيير الذي يطرأ على الأجهزة المستخدمة أو نمط الحياة اليومية؛ لأن التغيير الحقيقي أكثر عمقا وينصب فعله على الثوابت، كمفهوم الهوية على سبيل المثال، كان لعصور طويلة يشير إلى مجموعة من القواعد ذات ثبات دوجمائي أخذت هذه الثوابت في التناقص شيئا فشيئا، واليوم ينكر الوعي الإنساني الحس بصلابة الهوية، والقبول بسمتها الهلامي القابل للتشكل وإعادة التشكل في كل لحظة، هكذا يتعامل الإبداع الأدبي مع التنظير الفلسفي، قدم كالفينو عملا البطولة فيه للحلقة الأضعف.. لم تكن للزمن أو للشخوص المشاد بهم في بداية المقال، بل للمكان الذي بدا منذ اللحظة الأولى متخيلا سواء في اسمه أو صفاته، وتوصيفه بالحلقة الأضعف من باب مدى صلابة الخيال في مجابهة الواقع، الذي سنعرف خلال تقدمنا في العمل أنه ليس من الواقع في شيء! فليس هذا ماركو بولو ولا الآخر قبلاي خان! كما لو كان الأمر أن المبدع يعيش مأزقه الوجودي ويتساءل: ما المكان؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ كيف كانت صورة إيطاليا في ذهن الصبي المغترب المولود في كوبا؟ وإلى أي صورة للمدينة يريد أن يعود كالفينو الكاتب إذا استرجع طفولته؟ وهل سيفلح في الوصول إليها؟

بدأ وعيي بالمكان بين مدينتين: دمنهور مدينة الميلاد والإقامة والدراسة والروتين اليومي، والإسكندرية مدينة العطلة الصيفية الطويلة والسفر والبحر والترفيه والشوارع المزدحمة – بالنسبة إلى دمنهور – بدا الأمر أن علاقتي بالمدينتين مثل علاقة بين ما معي وما أتمناه! فدائما يزهد الإنسان فيما معه ويتمنى البعيد المؤقت! بصورة ملحة ودائمة أعمت عيني عما في دمنهور! وكلما تذكرت تلك الأيام يغلبني الضحك إذ تداهمني فكرة الزوجة والعشيقة! كنت دائم الضجر من دمنهور، وأنظر إلى الإسكندرية باعتبارها أرض الفرص المادية والمعنوية معا! هكذا ساهم القرب والبعد في تشكيل هويتين كاذبتين في ذهني للمدينتين.. اكتشفت مع الزمن أن دمنهور لم تكن مدينة مضجرة بل على العكس.. كانت – ومازالت - تعبق بسحر غامض، ولم يكن الضجر إلا بسبب من روتيني اليومي وما ارتضيته لحياتي من أفق ضيق إما بسبب الكسل الشخصي أو الياس غير المبرر من الواقع المحيط، طالما شعرت بالضجر ولعنت في سري هذه المدينة وهاجمتها متهما إياها بأنها لا تعرف لنفسها هوية! هل هي مدينة بالمعنى الكامل للكلمة أم مجموعة قرى تضخمت وتسارع نموها بصورة أجبرت الجميع على وصفها بالمدينة؟! استغرق إعداد الأسرة كبيرة العدد للرحيل إلى الإسكندرية وقتا طويلا، قضيناه في حالة من اللهفة وانهمكت أذهاننا في رسم صورة للحياة الجديدة! نشاط عاطفي وذهني جبار لا يتناسب مع البعد المكاني بين المدينتين، ناهيك عن إن كان يتناسب مع الواقع أم لا... في اغسطس 1994 كنت في العشرين من عمري، ركبت سيارة الأجرة مع إخوتي الصغار، منهم من كان في الخامسة عشرة، ومنهم من كان في العاشرة أو دونها، ما أن بدأت السيارة في التحرك حتى التوت رقابنا واستطالت باتجاه شقتنا الصغيرة التي لم نكن نعرف لنا بيتا سواها حتى هذه اللحظة، والتي طالما شكونا منها مر الشكوى، وطالما استقبلت السماء دعواتنا بالرحيل عنها... لم نجرؤ على النطق بحرف واحد.. كنا صامتين.. وكل واحد منا يحاول ألا يبكي دون جدوى.. حتى سقطنا جميعا في وصلة من البكاء طوال الطريق لمحطة القطار، كان السائق في العقد الخامس من عمره بلحية غير حليقة.. لم ينطق بكلمة هو الآخر.. وبكى.. طالما فكرت فيه وشعرت بالذنب نحوه.. ربما فسر بكاءنا بأننا مثلا ضحية نزاع أسري ونغادر المدينة مكرهين! ربما لو عرفنا ساعة واحدة من الساعات السابقة على السفر وكيف كانت مشحونة بالبشر والسعادة والأحلام.. لصرخ في وجوهنا بدلا من بكائه: فيه ايه يا ولاد الجزمة؟!

فوتوغرافيا | محمود زنك

كنت عاهدت نفسي أن أسافر إلى دمنهور باستمرار... لكنني قضيت الشهر الأول في الإسكندرية كل يوم أذهب إلى محطة سيدي جابر، وأنتظر القطار، ثم في اللحظة الأخيرة أتراجع، وأبقى في مكاني أتبعه بعيني حتى يغادر... هكذا كل يوم تقريبا... بعدها استجمعت شجاعتي وقمت بزيارة المدينة، هذه المرة كزائر لا كمقيم، وكأنهم كشفوا عني غطائي فبصري اليوم حديد! كل ما في المدينة جميل... شوارعها المتربة، بيوتها القديمة، حتى الانفعالات الحادة في السوق بين الباعة والمستهلكين صرت أتقبلها وأتلمس ما خلفها من حس بالمعاناة وشظف العيش. الغريب في الأمر أن ابتعادي عن دمنهور أعاد إليّ ذكريات موغلة في البعد ومعظمها كانت مادة لقصائد كتبتها لاحقا، حتى أنني بعد رحيلي بأكثر من خمس سنوات داهمتني ذكرى لأول مشهد رأيته في حياتي وأدركت معه بوعي الطفل قيمة ومكانة الجمال... كنت في السادسة من عمري، وعدت إلى شقتنا من المدرسة في يوم شتوي، كان المطر غزيرا، أخذتني أمي إلى غرفة داخلية، جففتني وغيرت لي ملابسي، لسبب أجهله كان شباك الغرفة مفتوحا على غير العادة وقت المطر والبرد، الشباك يطل على خلفية البيت، كل الأراضي في الخلف كانت حقولا ولم تتحول إلى أرض مبانٍ بعد، الأرض كلها مزروعة بالبرسيم الذي اكسبه النضج درجة من الأخضر الزاهي، أوراقه بللها المطر، ومن بين السحب تسللت أشعة متقطعة من الشمس، ضعيفة كانت، وعكس نورَها الواهن بللُ أوراق البرسيم.. أتذكر أن ما سيطر علي حينها رغبتي العارمة في ان يتركوني أتأمل المنظر وألا يغلقوا الشباك بحجة المطر، فكرة أخرى ملأتني أمام المشهد... فكرة غامضة بشأن أن هناك أشياء أخرى في الحياة.. نعم أشياء أخرى لا أعرف ما هي.. فقط هي لا علاقة لها بأحكام ما ينفع وما لا ينفع!! هي أشياء موجودة لذاتها ومجرد وجودها وحده يمنحها أهمية... سأعرف بعد ذلك أن هذا ما يسمونه الجمال، الذي اكتسب المبدعون مكانتهم من سعيهم خلفه، والذين يخسرون كل شيء كلما بدلوا بغاية السعي المقدسة هذه رسائلَ إصلاحية أو أخلاقية أو علمية.

قال بورخيس ذات مرة في معرض حديثه عن ديوان (حميمية بوينس أيرس) أن مدينته تختلف عن كل مدن العالم، فثمة سحر وغموض عند كل زاوية وفي المداخل المظلمة للبيوت، وفي واجهات المباني سواء كانت مهيبة أو حقيرة، ناقش بورخيس الأمر مع ابن مدينته خوليو كورتاثر وتوصل الاثنان إلى السبب.. أن بوينس آيرس خرجت للوجود كمدينة بضربة واحدة مكتملة، لم تمر بمراحل بناء المدن مثل بقية مدن العالم. الجزء الأول من كلام بورخيس أدركت منذ قرأته أنه ينطبق على دمنهور، نفس السحر والغموض في كل الأماكن – ليس في كلمات من نوع سحر وغموض أي حكم بالقيمة – لكنني احتجت وقتا لأدرك أن الجزء الثاني من كلامه ينطبق أيضا على دمنهور التي بنيت من البداية كمدينة عبادة، مكرسة بالكامل للإله حور، وما كنت أراه في هويتها كتضخم لمجموعة من القرى خطأ ناتج عن الاستسهال والبلادة! وعما تعرضت له المدينة من تخريب وإهمال طوال تاريخها، يذكر الجبرتي أن نابليون تملكه الغيظ بعد ثورة عربان البحيرة، وبعد لأي دخل دمنهور، فأمهل عساكره متوعدا إياهم إن سار بعد وقت المهلة، ورأى في المدينة حجرا فوق حجر سيفعل بهم الأفاعيل!

تزامن دخولي الإسكندرية مع قضاء عام من البطالة التامة، قضيته في القراءة وتأمل شوارع المدينة وصورها المختلفة وما تزخر به من علامات، وكأنه امتداد لعطلات الصيف الطويلة، كيف لا تحب مدينة لم تطلب منك أي شيء! لكن خروجي إلى العمل كشف لي وجها آخر مسكوت عنه، أظن حتى الإسكندرية نفسها تتألم من وجوده؛ لأنه يخالف كل ما ذكره التاريخ عنها، وإلا فما علاقة السلوك اليومي في الأسواق وبين الموظفين في المكاتب اي مكاتب حكومية كانت أو خاصة بفكرة من نوع قبول الآخر، والاحتفاء بالتنوع والانفتاح - ليس الاقتصادي- الفكري... كل هذا يتبخر حال قبولك بدء رحلة السعي المقدس وراء لقمة العيش! يالله على كم التحامل وسوء الظن والشماتة والإيذاء المجاني الذي نتعرض له في كل ساعة من ساعات العمل... يالله على كم الغضب والكراهية غير المبررة حال إتمامك أمرا أو صلاح حال! أظن أن هذه الوضعية المتجاهلة والمسكوت عنها كانت الدافع الأقوى فنيا للشاعر الصديق عمر حاذق وقت كتابته عمله الروائي (لا أحب هذه المدينة)

في طفولتي كانت الإسكندرية مكانا يصنع البهجة والسعادة، والآن أراها مبعثا للشكوى والمعاناة الحقيقية وهي مسكوت عنها ولا يتكلم بشأنها أحد، ومعاناة أخرى زائفة مبتذلة مثل قطعة العلكة التي تنتقل من فم لفم دون أدنى شعور بالاشمئزاز.. معاناة من نوع أننا جميعا نشعر في الصيف أن مدينتنا منتهكة!!! يعني البني آدم منا خرج من رحم امرأة منتهكة، وانتمى لأب منتهك، ويعيش منتهكا في وطن منتهك ذي قومية منتهكة! ولم يؤلمه الانتهاك إلا لمرأى الفقراء الذين حسبوها مائة ألف مرة قبل أن يأتوا لقضاء يوم في الإسكندرية؟!

في سنوات الصبا كان جاري من عمري وطالما لعبنا معا وقرأنا المجلات والكتب وتناقشنا في أمور كثيرة حتى إذا أتى الحديث على ذكر الإسكندرية، صادر على الجميع بعلو صوته وثقته المطلقة فيما يردده كل مرة بنفس حماسة المرة الأولى، فيقسم أن (....) لفظة بذيئة تطلق على المضاجعة، يتم في شوارع الإسكندرية وبشكل علني! وحين أخبرته أنني أقضي الصيف في الإسكندرية كل عام ولم أشاهد هذا ال(...) العلني في شوارعها، نظر نحوي بشفقة وأكد لأنني ساذج ولا أفهم شيئا! سأعرف بعد ذلك أن في نفس تلك الفترة الزمنية كان مد الجماعات الدينية والمتشددة يتزايد ويطغى على المدينة!

تُرى عن أي شيء أتحدث حين أحدثكم عن المدينة؟!

#البحر #المدينة #منتصرعبدالموجود #دمنهور

165 views