فتوات الورديان


ميناء بلا أبواب

في لقاء مع صديقة أسمعتني أغنية بحر أبو جريشة (قلبي العطوف) فتذكرت من أغاني بحر أبو جريشة (كفايه بعاد) التي يقول فيها (سنتين واقفين ع المينا) وهي تتردد في شوارع الورديان في الثمانينات، وأني كثيرا ما كنت لا ألاحظ أن هناك ميناء في منطقة الورديان، وأنه لم تكن له أبواب، وإن كنت أرى كثيرا سقوفه البعيدة المبنية بالقرميد الأحمر التي تحدث عنها إدوار الخراط كثيرا في حكيه عن البيوت القديمة في الإسكندرية. هناك باب 27 الذي أصبح مشهورا بسبب الكوبري الذي يسمى باسمه عند القباري. وفي أحد الأفلام التسجيلية التي عُرضت في التليفزيون عن إسكندرية قبل افتتاح قناة الإسكندرية (القناة الخامسة) التي تكررت فيها مشاهد للورديان كانت هناك مشاهد لسينما الهلال وكشك عجيبة بجوارها، هذا الكشك ذو التصميم السداسي العجيب والذي كان من العلامات المميزة لبداية شارع المكس. حكت لي أمي أن مؤسسة المواساة كان اسمها مؤسسة أمين يحيى باشا، وهناك كانت تخرج الراهبات من المستشفى بزيهن المميز، وأيضا قهوة الجريج اليونانيين الذين يعملون في الميناء، وحارة الجناينية حيث تستطيع أن تحصل على كل شيء: العيش الساخن والفلافل والباذنجان المخلل، أما السمك فكانوا يصطادونه من تفريعة على الميناء من خلال فتحة في السور على شريط القطار يسمح لهم بها الحارس لأنه يعرفهم. كان هذا قبل أن ينتقلوا إلى بيت الورديان.

حارة الجناينية

تقع حارة الجناينية في منطقة المفروزة التي سكنت بها مخرجة فرنسية لأعوام طويلة، وصنعت عنها فيلما طويلا. سينما الهلال تم هدمها بسبب بناء الكوبري في نهاية التسعينات، وكان آخر أفيش عرض عليها واستمر موجودا على حائط الإعلانات (لا تبك يا حبيب العمر) لفريد شوقي ونور الشريف، وهو فيلم إنساني غريب على السينما التي كانت تعرض أفلام بروس لي العنيفة، حيث يتشاجر الصبية بعد الفرجة على الفيلم تماما كما يتشاجر الصبية بعد عرض فيلم عنترة في شوارع الورديان بسيوف خشبية.

صورة الحي الشعبي

في العدد الأول من مطبوعة ترى البحر كتبت الصديقة سارة سويدان مقالا بعنوان (أنا أقدم واحد في العمارة دي) كتبت عن حي بولكلي القديم المسمى ( بُكلة) وقارنته بحي آخر من شرق المدينة أو أقصى الشرق، ولم تحدد الحي أو تُعرّفه باسم محدد؛ هل هو العصافرة أم المندرة أم أبو خروف أم شارع تلاتين؟ استمتعت بقراءة المقال في المرة الأولى وبكم الملاحظات والمشاهدات الذكية، لكن لفت نظري في البداية ملحوظة أن هذا المقال طبقي، وللاستمتاع به يجب أن تتغاضى عن هذه النقطة. من الممكن أن أختلف مع الكاتبة حول صورتها عن الحى الشعبي أو العشوائي الذي تتم رؤيته من خلف زجاج السيارة، وأن كل التفاصيل والمشاهد لم تكن دقيقة؛ لأنه كما يوجد صراع نفوذ وطبقة وسلطة ومناصب وفرض سيطرة في الأحياء القديمة نتيجة لصعود طبقي ووجود سكان وافدين على السكان القدامى، يوجد أيضا في الأحياء الفقيرة صراع، ولكنه أكثر بدائية؛ يعتمد على القوة الجسدية أو حضور الأشخاص بجسدهم وحقيقتهم الأولى، كما توجد عصبيات لعائلات وقبائل وأسر ومناطق، كما أن الفضول في المناطق الشعبية والفقيرة أكثر وضوحا من المناطق الغنية.

بلطجية أم فتوات؟

الورديان لم يكن حيا شعبيا قديما كبحري وغيط العنب وكرموز وباكوس، لأنه كان أحدث منهم في التاريخ، ولكنه لم يكن عشوائيا تماما، وإن نمت على أطرافه مناطق عشوائية كالكرنتينا ونجع العرب وهو ما يُقرب الفتوة فيه إلى فكرة البلطجي. ورغم العنف الذي كان يميزهم إلا أنه كانت هناك روح طفولية ما في أدائهم، وكأنهم يعوضون طفولة مفقودة من اللعب بالعنف.

مرة تشاجر أربعة من الصيع في الورديان وكان كل منهم يحمل سيفا، توقف الأربعة مهددين بعضهم البعض حتى تدخل رجل كبير في النزاع وتراجع الجميع. كان هذا في الثمانينات والتسعينات عندما كان يمكن لرجل كبير أعزل أن يوقف شجارا بالسيوف، لكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك بلطجية قاموا بقتل بعض الأشخاص، ومنهم شاب صغير دخل الأحداث بعد قتله شخصا آخر ثم خرج. كان يسير في الشوارع وكأنه يتباهى بجريمته القديمة، وحدث ذات مرة أن قُتل شخص ما في أحد الشوارع المجاورة لبيتنا في شجار مع آخرين.

في المدرسة الإعدادية كنت أسمع عن (العجوز) البلطجي الشهير ومغامراته في منطقة الكرنتينا التي كانت مكانا للحجر الصحي في جنوب الميناء، وكانت عبارة عن منطقة عشوائية تمتلىء بالدعارة والمخدرات، وتم هدمها وبناء مستشفى ومجمع للمدارس، ونقل جميع السكان إلى منطقة الناصرية في العامرية؛ حيث يتجمع كل سكان المناطق العشوائية المهدومة. الحكايات التى سمعتها عنه في صغري كانت تجعل منه أسطورة بصراعه مع ضباط الشرطة ومغامراته النسائية، وقدرته على غلق شوارع ومناطق كاملة وترهيبها، لكن هذه الحكايات تلاشت بعد ما عرفت عنه أنه كان مجرد سارق بالإكراه يسرق الشباب الصغير في شارع المكس، ويبيع الحشيش، ويقال أنه مات في السجن. لكن ظهر بعده بلطجي آخر تشبَّه بالعجوز بربطه العمة البيضاء على ملابس حديثة، وكأنه يعيد إنتاج صورته، لكنها كانت صورة مشوهة منه.

كان هناك بلطجي اسمه (ناصر الكومي) وكان كوميديًا، مرة دخل يصلي وخرج بعد الصلاة تشاجر مع أحدهم، وقال له: "ليه كده يا أخي؟ أنا كنت خلاص ربنا هداني وح أصلي وأصوم!" وضربه وسب له الدين.

أما (العربي) فكان ابن عائلة من الصيادين الجعافرة يصطادون في الملاحات جنوب الورديان. وكان شابا جميل الصوت يغني في الأفراح أغاني مليئة بالحزن والشجن كلماتها على شاكلة: "إنتي اللي ليَ يا نور عينيا وغيرك إنتي في الدنيا ماليش" وكان يلعب الكرة في الشوارع، لكن تحوله إلى بلطجي لم يتناسب مع قوته الجسدية، فكان يعتمد على صديق له اسمه سامي كان مسئولا عن العنف الحقيقي. مات العربي مقتولا في النهاية.

في سوق الورديان للخضار كان هناك بلطجي اسمه ( ناصر عبد السلام) كان أسمر وطويل بشعر أكرت قصير ونظارة بيرسول بني غامق ليداري إصابة في عينه، كما كانت لديه إصابة بحرق في وجهه، كان هناك بلطجي آخر مشوه الوجه نتيجة مشاجرات كثيرة في سوق الورديان، لكن ناصر عبد السلام كان يحافظ على صورته بالجاكيت الجلد والفانلة الهاي كول والبنطلون الجينز والأنسيال الفضي الضخم، وكانت له علاقة طيبة بالبائعين، ويبدو أنه كان يعتمد بشكل أساسي على مضايقته للفلاحات اللاتي يجئن لبيع بضائعهن في عربة نصف نقل، كانت صورته هي المقابل لصورة الفتوة القديم، وإن لم تتطور لفكرة البلطجي رجل الأعمال كما في فيلم" سلام يا صاحبي".

أحيانا أرى أخاه الصغير الذي يشبهه في منطقة السيوف في شرق إسكندرية، ولا أعرف هل عمل كبلطجي مثله؟ لأنه كان يرتدي جاكيت جلد أيضا، ويمشي بطريقته. لا أعرف. ربما لا يمكن وصف فتوات الورديان بكلمة "فتوات" على طريقة نجيب محفوظ وزمنه، ولا يمكن وصفهم بالبلطجية مثل بلطجية الوقت الحديث. ربما كانوا أشبه بمنطقتهم – الورديان – التي تقع في منطقة وسط بين الحي الشعبي القديم والعشوائيات.

#ميناء #أحمدعبدالجبار #الورديان #المدينة