سوق الكراكيب


- 1 -

في صباحات الجمعة، اعتدت أن أهبط سوق الجمعة حيث لم يصرفني هذا الهوى عن استدعاء مشهد السندرة، والتي عرفتها البيوت القديمة، وصارت أشبه بمخزن احتل مساحة عريضة سكنت أسطح حمَّامات البيوت. اقتحمني هذا المشهد طويلا حيث ظل الولع بالاستغناء عن كل الأشياء المهملة والفائضة عن حاجتنا اليومية سمة وسمتا لعديد من تلك البيوت التي اكتظت أيضا بخزائن خشبية ضمت العديد من الأشياء الهالكة وترامت في كافة أركان وزوايا البيت. وصار الشغف بذلك إرث غابر، ونمط من عاداتنا العتيقة، وشملني يقين بأن بيوتنا حينما نزعت إلى هجر تلك الأشياء القديمة، احتلت ساحات سوق الجمعة أو سوق "الكانتو" كما جرى على ألسنة البعض والكائن بضاحية "مينا البصل" التي تميزت بشوارع رحبة، فسيحة وبنايات ضخمة هائلة؛ فتتصدر شارع عبد العال حلمي (لاسكارنيس) سابقا بورصة ميناء البصل "والتي كانت ملكا للدائرة السنية، وهي معدة لأشغال التجارة من قطن وقمح وما أشبه ذلك"* ، وقبالتها جامع السويحي الذي شيـِّد في العام 1873م.

- 2 -

وقد أفاض التاريخ في ذكر تلك الضاحية حيث حفلت "بمخازن البضائع المصرية والمشرقية، فراج كثير منهم من هذه العطايا الوافدة، وبعد أن كانت هذه الجهة من الضواحي القليلة القيمة التي لا يرغب فيها إلا القليل من الخلق صارت بما ألحقها من عناية العائلة المحمدية رفيعة القيمة، ذات أبنية مشيدة، ومركز لعموم تجارة القطر، ولم تزل إلى الآن لقربها من الميناء الغربية وساحل المحمودية، فتقف عندها المراكب الواردة من جهات القطر، والخارجة من هويس المحمودية...."**ويدنو منها شارع الباب الأخضر حيث "تهدمت جملة من المساكن والمحاسن"*** لأجل شقة ورصفة، وتميز بمسجد الحاجي نذير، وسبيل حسن ياقوت. ويعد شارع (اساكل الغلال) وشارع (تصدير الأقطان) من العلامات المميزة لضاحية "مينا البصل" حيث سكنه حمام السيد علي المصري أحد تجار الإسكندرية، وقد خص حمام المصري الرجال والنساء على السواء. ويدنو من الضاحية أيضا شارع (التاريخ) وكوبري التاريخ، وقد جدد الشارع "لخزن الغلال الميرية، ومنها حفر مجرى تحت الأرض لتوصيل المياه الحلوة إلى جهة الترسانة والجمرك، وقد فتح في مواضع منه لاخذ السقائين والأهالي في أي وقت شاءوا" وتجاورها ساحة (بكير) حيث سكنها صهريج (ابن بطوطة/ زاوية المغاربة)

- 3 -

اتسمت ضاحية "مينا البصل" بالبيوت العتيقة المشيدة بالحجر الأنتاري، أسوار البلكونات ذات الأعمدة المعدنية المطرزة. صوامع وبنايات مكابس القطن ذات الطلاء الباهت، ونوافذها الزرقاء المتكسرة في آن، تتصدر واجهات البنايات الضخمة سلالم وجسور معدنية صدئة تصل بناية أخرى، علاوة على ذلك اتسقت الساحات الفسيحة لورش الموازين، محلات ومخازن القطن والبضائع الأخرى، (مخازن برشلونة) مثالا. وأيضا تميزت ضاحية "مينا البصل" بشوارع مميزة حملت أسماء عاشت بالضاحية، شارع (ظافر الحداد) وشارع (الحلبي) وشرع (النابلسي) حيث مسجد سيدي عبد القادر الشاذلي، حيث تعقد به حلقات الذكر في أوقات عديدة.يحفل سوق الجمعة دوما ببشر من شرائح اجتماعية متنوعة، تهبط السوق من كافة أنحاء المدينة، تأتي راغبة في حاجة ما، أو تلتقط ما يروق لها من حاجات وأشياء مستهلكة صالحة للاستعمال تراصت على حواف الشوارع العريضة، مستلزمات كهربائية، قطع الأثاث المستصلحة، ملابس وأردية من كل صنف ونوع، وأشياء أخرى تخص زبون ما. في ظل تلك الضجة والزحام يكثر السوق بمنصات الأطعمة والمشروبات ويزدحم بعربات الكارو والسيارات المحملة ببضاعة أصحابها من الزبائن. ***اتسعت مساحات سوق الجمعة حينما تضخمت وتكاثرت البضائع والأشياء البالية الواردة حتى تراكمت بالشوارع والأزقة الجانبية حتى أشرفت على الميناء أو كادت، وكأن السفن الكائنة به قد أفرغتها، وتناثرت بالضاحية أيضا المقاهي ومحلات الكبدة حيث يتناول الباعة أكواب الشاي وأرغفة الكبدة، والتي تعد اللذة الأثيرة التي يهنأ بها باعة يكتسون هيئة رثة وفقيرة. ***ظل "سوق الجمعة" مكانا للتواطؤ والمساومة يشابه أجواء المضاربة التي تجري في بورصة القطن أو دنيا المزادات، فعالم السوق العلني مصاحب دوما لطقوس خفية ومخبأة؛ فالأشياء الثمينة والنفيسة ليست مباحة لكافة الزبائن، بل خارج العرض المعلن، وتخص "زبون" يفيض بثمن مفرط للغاية عابدا لبدعة رخص العاديات القديمة، غير أنه صار مكانا للتعدد والتنوع لكل مقدرات الناس، من يستطع ومن لم يستطع .. من يملك ومن لا يملك.

(*)(**)(***)مقتطفات من الخطط التوفيقية لمدينة الإسكندرية - علي مبارك - ج7

#المدينة #عبدالعزيزالسباعي #سوقالجمعة #حازمغازي

151 views