سينمات الإسكندرية


قراءة في "رواية/ سينما ألدورادو" للأديب/ مصطفى نصر

كثيرون من كتبوا عن الإسكندرية، وكثيرون من أحبوها، لكن قليلين من أخلصوا لها، فلم يغادروها ولم يكتبوا إلا عنها، هؤلاء هم حكاءو المدينة، ويأتي على رأس هؤلاء كاتب الإسكندرية الأستاذ/ مصطفى نصر. الذي تمر - في العام القادم - أربعون عاما على صدور أولى رواياته "الصعود فوق جدار أملس" التي صدرت عام 1977، ومن بعدها توالت الأعمال " جبل ناعسة - الهماميل - الجهيني" الروايات اللاتي صرن علامات في تاريخ مدينة أحبها، ولم تستطع أضواء العاصمة أن تغويه فيتركها، ولازال يسكن في أحد أحيائها الشعبية (حي غربال).

في كل عمل من أعمال مصطفى نصر نكتشف جزءا جديدا ومدهشا من إسكندريته، وهو أحد حكائي مصر العظام الذين يجذبهم التاريخ، ويستهويهم الكشف عن المسكوت عنه وغير المحكي من تاريخ الإسكندرية التي يعشقها ويعرفها كما لم يعرفها أحد؛ فلديه عن كل مكان، شارع، حارة أو بيت في الإسكندرية حكاية. وهو يحكيها ليس بمنطق المتحسر على تاريخ ولى وأيام انتهت، بل يحكيها من نقطة حية، فلا تشعر بأن تلك الأيام قد ولت ولا أن ذلك التاريخ قد زال، وفي حكايات مصطفى نصر نعيش الإسكندرية المدينة التي نعرفها وليست المدينة التي نسمع عنها في حكايات الأجانب، وهذا ما نجده في "سينما ألدورادو" التي يتجول بنا مصطفى نصر فيها عبر 12 دار سينما من سينمات الدرجة الثانية والثالثة (مثلما كانت تسمى قديما) وهو ترتيب يعتمد على أولوية عرض الأفلام العربية والأجنبية؛ فسينمات الدرجة الأولى هي التي تعرض الأفلام للمرة الأولى، وهي ذات أسعار عالية للتذاكر وتعرض عادة فيلما واحدا (عربيا أو أجنبيا) أما سينما الدرجة الثانية فهي تعرض الأفلام التي سبق عرضها في الدرجة الأولى، وهي تعرض فيلمين (عربي وأجنبي) مثل سينما "الهمبرا" وأسعار التذاكر فيها أقل من تذاكر الدرجة الأولى، لكنها أعلى بكثير من سينمات الدرجة الثالثة التي تعرض الأفلام السابق عرضها في سينمات الدرجة الثانية، وهي سينمات شعبية ذات أسعار تذاكر منخفضة وخدمات متدنية.

مع مصطفى نصر نقرأ عن سينمات "التتويج" و"ماجيستيك" و"الهمبرا" و"النيل" و"بلازا" و"ألدورادو" و"بارك" و"محرم بك" و"الجمهورية" و"ريتس" و"الكوزمو" و"ركس" و"سينما فؤاد" التي أصبح اسمها بعد الثورة "رمسيس" نقرأ عن هذه الدور بشيء من التفصيل فنعرف موقعها وتفاصيل عن مقاعدها وحالة العرض بها، فهي السينمات التي تحتل دور البطل في العمل مقابل سينمات أخرى جاء ذكرها بشكل عابر وهي "أمير" بباب عمر باشا و"كليوباترا" و"كونكورديا" و" سينما الشرق" وكلها دور سينما انقرضت وزالت، بعضها مازال الجيل الحالي يتذكرها كـ"الهمبرا" و"بلازا" و"رمسيس" لكن الأغلب منها زال تماما، ولا يتذكره إلا الجيل الذي عاشه، فكأن مصطفى نصر يحكي عن كائنات انقرضت وحضارة بادت، ومن لحق بجيل الستينات يتذكر أيام كانت الإسكندرية تمتلئ بدور السينما، ولا تقتصر دور السينما التي يذكرها مصطفى نصر على سينمات الدرجة الثانية والثالثة فقط، وإنما يذكر أيضا بعض دور السينما من الدرجة الأولى مثل "رويال وفريال وستراند وريالتو" وهي أسماء تلاشت وزالت هي الأخرى، ولعلنا مازلنا نذكر هدم سينما "ريالتو" بشارع صفية زغلول، وكيف أصبح مكانها خرابا!

حيوات مرتبطة

يجيء ذكر دور السينما في العمل مرتبطا دائما بحياة كاتبها في طفولته وأحيانا في شبابه، هو عاشق السينما والأفلام ليس حفظا ومشاهدة فقط بل حياة، فهو عندما يسمع "أم كلثوم" تغني في فيلم "رابعة العدوية" الذي يشاهده في سينما "الهمبرا" يقول: (أحسست بشيء غير عادي يسري في كياني، تذكرت الفتاة التي كانت تسكن بيتنا وتشاركنا الشقة التي نسكنها)1

أو عندما يتحدث عن غرامه بفاتن حمامة يقول: (صرت هائما بحب فاتن حمامة، صوتها ورقتها وابتسامتها، وإذا بي أجد نفسي قد أحببت جارتي في الشقة التي تشبهها)2 فصوت أم كلثوم وجمال فاتن حمامة يجعلان البطل/ الراوي /الكاتب يتذكر جارته التي يحبها، وهو عندما يكون حزينا يائسا يذهب لمشاهدة فيلم لنجيب الريحاني (سرت حزينا بعد عودتي من العمل، لابد أن أبتعد عن البيت لكي لا تحس زوجتي بما أعانيه وهي متعبة بعد الولادة... سأذهب لمشاهدة فيلم أحمر شفايف)3 وهو الفيلم الذي يستدعي أحاسيس خوفه من مصير مشابه لمصير بطل الفيلم حيث كان نجيب الريحاني قد ترك المصنع الذي يعمل به وصار بلا نقود (أحسست بالخوف، فمن الممكن أن يحدث لي هذا، أن أصير بلا عمل)4

ويخاف أن يتوحد مصيره مع مصير الممثل الذي شاهده في فيلم "راعي بقر منتصف الليل" (المشهد يطاردني منذ أن رأيت الفيلم عام 69 فأنا أركب أوتوبيس الشركة التي أعمل بها كل صباح، وأظل فيه لأكثر من ساعة، وأعود من نفس الطريق، يطاردني موت الشاب العاجز وأخاف أن أموت في رحلة من هذه الرحلات اليومية فوق مقعدي)5

هكذا نجد أحاسيس البطل ومشاعره وخوفه يرتبط بتلك الحياة التي يشاهدها على شاشة السينما؛ فيندمج الحياتي بالمصنوع والمـُعاش بالمـُشاهد وكأنها حياة واحدة.

فوتوغرافيا | عمر عادل

أفلام وأبطال

الكاتب يبعث الحياة وينفخ في روح أماكن أصبحت في ذمة التاريخ، رابطا تلك الحياة بحياة أشخاص عشقوا هذا الفن وأحبوه، فهو يتذكر مجموعة كبيرة من الأفلام المصرية في أغلبها، يتحدث عن بعضها بالتفصيل، والبعض الآخر يذكره بشكل عارض، فمن بين أكثر من 35 فيلما مصريا و3 أفلام أجنبية تجيء 5 أفلام بتفصيل مستفيض، وهو يربط بين أحداث الفيلم التي تجري على الشاشة وبين الأحداث التي تحدث في قاعة العرض، فنرى مثلا "عيدة" المرأة التي تحب "سيد" وكيف تحاول إغواءه عندما يذهبان لسينما "التتويج" بينما يشاهدان فيلم "حمام الملاطيلي" فتصبح شخصيتاهما مقابلتين لشخصيتي "نعيمة وأحمد" في الفيلم، وفي الفصل المعنون بــ"ريتس" - وهو من أجمل فصول الكتاب - يحكي الكاتب قصة فيلم "امرأة على الطريق" رابطا بينها وبين حياته في طفولته، وولعه بالملاحات - حيث تدور أحداث الفيلم - ورحلته للبحث عن الصحراء التي يحكون عنها ويراها كثيرا في أفلام السينما وفشله في ذلك، أو فيلم "إحنا التلامذة" الذي يشاهده "رجب ومسعد" معا في سينما "كوزمو"، وبينما هما يتفرجان يفكر "رجب" في جارته "فيفي" وكيف يمكن أن تحل محل الفتاة التي جلست بجوارهما مع شابين، وكيف يتخيلها وهي معه في قارب يستأجره في الأنفوشي، وعند العودة تقع فردة حذائها في الماء المالح، وتسير بجواره بفردة حذاء واحدة على كورنيش البحر، وكيف يذهب مسرعا - في خياله - إلى بيت صديقه "مسعد" ليأخذ منه نقودا لشراء حذاء آخر مثلما حدث مع بطل الفيلم "عمر الشريف"، وعندما يشاهد الراوي/ الكاتب في شبابه فيلم "هي والرجال" في سينما "ركس" وتدور أحداث الفيلم التي يحكيها الراوي متقاطعة مع ما يحدث في صالة السينما، والمرأة التي تجيء لتجلس بجواره وتبدأ في تحسس جسده، ويخبره شاب يجلس أمامه أنها مع مجموعة من النسوة يأتين دائما للسينما لفعل ذلك مقابل أن يشربن (القازوزة) وعندما يشعر الكاتب بالخجل من ذلك يحل محله ذلك الشاب!

وهكذا يمزج الكاتب بين حياتين، الأولى مرسومة على شاشة سينما، والثانية منتزعة من الواقع، ويحكي عن ولعه هو وأصدقائه بالسينما والأفلام التي يحكونها ويعيشون أحداثها كأنها جزء من حياتهم؛ فالشاب "حسني" البقال الذي أراد أن يتزوج من جارته "خميسة" ابنة المعلم عبد العظيم يصطدم بابن عمها الذي يرفض هذه الزيجة ويبدأ في إيذاء "حسني" حتى كاد أن يحرق دكانه، وعند ذلك يأتي "عصفور" أو "عبد المنعم إبراهيم" بطل فيلم "سر طاقية الإخفاء" فيبتسم "حسني" عندما يرى "عصفور" الضعيف يصفع جاره "توفيق الدقن" القوي المفتري دون خوف، والسبب في ذلك أن "عبد المنعم إبراهيم" وجد سر طاقية الإخفاء، التي يرى "حسني" أنها ستكون منقذته من بطش ابن عم حبيبته، هكذا يتماهى "حسني" مع بطل الفيلم الذي يشاهده في سينما "ماجيستك" وتنتهي قصته بإدراكه استحالة امتلاكه لطاقية الإخفاء ويقول في أسى: (لن أتزوج خميسة، سأتركها لابن عمها).

إن سينما ألدورادو هي وثيقة سينمائية يقدمها مصطفى نصر بحكيه الشيق عن المكان والزمان والناس، يقدمها كجزء من تاريخ مدينته، يقدمها تحية لهذا الجيل الذي عشق السينما كجزء من حياته - كما جاء بالإهداء - حفظ قصصها، وعشق أبطالها، وعشق النور الذي ينبعث من آلة العرض السينمائي فيحيل الظلام إلى حياة تعاش وتحب.

خاتمة عن التصنيف

قرأت قصة "سينما ألدورادو" في البداية وحدها في أحد الجرائد الثقافية الأسبوعية قبل أن تصدر في كتاب، كنت أحسبها قصة (تميل إلى التوثيق) ضمن مجموعة قصصية، ولذلك عجبت عندما قرأت على غلاف العمل كلمة (رواية) وعلى الرغم من كوني أنحاز لحرية الكاتب في تصنيف عمله الإبداعي كما يراه، فإنني أرى أن هذا العمل "سينما ألدورادو" يبتعد بقدر كبير عن مفهوم الرواية، فقصصه السبع عشرة لا يمكن التعامل معها على كونها فصول لرواية واحدة، فكل منها عالم منفرد ومنفصل تماما عن البقية، وحتى إذا كان الراوي في بعض تلك الفصول هو نفسه الكاتب في طفولته أو شبابه، أو أن بعض الشخصيات تظهر في بعض الفصول، فإن ذلك لا يعني وحدة ما تربط بين تلك الأجزاء، حتى وإن كانت تتحدث كلها عن دور العرض السينمائي في الإسكندرية - باستثناء الفصل الذي يتحدث عن سينما الوجيه بصعيد مصر - فما بالك إذن بالقصص التي تحكي على لسان بطل مغاير (مثل قصة دموع الحب التي ترتد في الزمن إلى العام 1935، وتحكي قصة مستمدة من خبر منشور في جريدة الأهرام وقتها) وللمفارقة فإن الكتاب صادر عن الكتاب الفضي لنادي القصة، وهي الجهة المعنية بنشر إبداعات القصة القصيرة في الأساس.

1. ص30 من سينما ألدورادو

2. ص96

3. ص118

4. ص118

5. ص186

#ماهرشريف #عمرعادل #سينماألدورادر #مصطفىنصر