نهاية المدينة


افتح محرك البحث جوجل، اكتب "غرق الإسكندرية" وستجد العديد من النتائج والدراسات والمقالات التي تتحدث عن احتمالية اختفاء المدينة وغرقها بحلول عام 2070 أو 2050 أو 2030 وربما قبل ذلك بفعل التغير المناخي العالمي وارتفاع منسوب مياه البحر، بل وستجد الإسكندرية تحتل ترتيبا عالميا في بعض الدراسات كثالث أو رابع أو خامس مدينة مهددة بخطر الغرق.

قم بتغيير الجملة واكتب "المباني الآيلة للسقوط في الإسكندرية" وستجد العديد من النتائج المتباينة والأرقام التي تتراوح ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف مبنى قديم آيل للسقوط في المدينة وفقا لدراسات ومصادر مختلفة بعضها دقيق وبعضها غير دقيق.

اترك جوجل والأجهزة الإلكترونية، واذهب إلى كوبري التاريخ بالقباري وقف في منتصف الكوبري، انظر متأملا خط سكة حديد البضائع المهجور، ثم قم بالدوران حول نفسك 360 درجة ببطء، وتأمل ما تقع عليه عيناك من مبانٍ قديمة متهالكة ذات الأربع طوابق، ثم اذهب إلى حي اللبّان وسر في شوارعه المليئة بورش النجارة، وتأمل حالة المباني المتهالكة ذات الأربعة طوابق، ثم تأمل منطقة السكة الجديدة وحواري منطقة العطارين، وشكل المباني القديمة في هذه المناطق وغيرها من المناطق القديمة بالمدينة كغربال وباكوس وعرفان وأبو سليمان والعصافرة وحواري بحري....

انس كل ما سبق، لا تشعر بالقلق أو الإحباط تجاه مستقبل المدينة، فالمقاولون كان لديهم رؤية مختلفة وحلول بديلة حول الحياة في الإسكندرية منذ بداية القرن الحادي والعشرين: هدم المباني القديمة ذات الثلاث والأربع والخمس طوابق المبنية في فترة الستينات والسبعينات وما بعدها وإحلالها بمباني ذات أحد عشر وثمانية عشر طابقا. انتشرت الفكرة بجنون لفاعليتها؛ فعند شراء مبنى قديم وإخلائه من السكان وهدمه وبناء آخر جديد سيكون الكل رابحا، المقاول والسكان القدامى الذين يحصلون علي شقق جديدة أو مبالغ مالية، والسكان الجدد وحتى موظفي الحي. فمن الجهة القانونية أي مبنى جديد يحصل علي أوراق ترخيص من الحي بثلاثة أو أربعة طوابق فقط، ولكن في النهاية يتم التوصل إلى اتفاق مالي بين المقاولين وموظفي الحي. يقوم المقاول ببناء ما يشاء من الطوابق، ويحصل الموظفون علي مبلغ ما مقابل صمتهم وغض الطرف عما يحدث. هذا هو المتعارف عليه في هذا النوع من الاستثمار، في غضون أعوام قليلة، بدأت ظاهرة الأبراج الإسمنتية في السطوع في سماء المدينة، وبعد الثورة في عام 2011 ازداد نشاط الهدم والبناء وازداد جنون الارتفاع بالأبراج بسبب انهيار الدولة المنهارة أصلا، وحاجة الجميع إلى الربح بأقصى سرعة وبأي شكل وأي جودة!

والآن اذهب إلى شارع طيبة، وسر فيه من منطقة الإبراهيمية مثلا إلى سيدي جابر، ستجد مدى إحلال واحتلال الجديد للقديم، هذا طبعًا بالإضافة إلى الكثير من الڤلل والمباني الأثرية التي تم هدمها في السنوات السبع الأخيرة دون أي رقابة أو اكتراث لشيء سوى الربح، وخاصة في منطقة محرم بك.

ولكن ماذا عن البنية التحتية للمدينة؟! هل تحتمل الأرض والتربة كل ذلك الارتفاع؟! ماذا عن الصرف الصحي والمجاري؟! من الناحية العلمية والفيزيائية عند هدم مبنى مكون من أربعة طوابق، في كل طابق شقتان، أي ثمان شقق في المبنى، وإحلاله بمبنى مكون من خمسة عشر طابقا في كل طابق ثلاث شقق؛ أي خمس وأربعين شقة، يكون هناك فرق في الوزن والضغط على التربة، وعلى المجاري والصرف الصحي! الشارع ذو عرض ثمانية أمتار الذي كان مجهزا لنوع ما من المباني في فترة الستينات أصبح بعد خمسين سنة تقريبا محتلا بنوع آخر من المباني دون أي تجديد أو تجهيز!

علميا وفيزيائيا، عندما تتعرض مدينة ساحلية لخطر الغرق يجب العمل على الابتعاد عن الشاطئ قدر الإمكان. ولكن ما حدث في الإسكندرية في العشرين سنة الأخيرة هو التوسع تجاه البحر والاقتراب أكثر من الشاطئ! وآخرها كان مشروع كوبري سيدي جابر الشهير، بغض النظر عن جدواه وأهميته وكيف انتهى وآراء الناس المتباينة حوله!

قف على أي محطة من محطات ترام الرمل الزرقاء وانتظر وصول الترام، بمجرد وصولها أمامك حاول أن تستشعر اهتزاز الأرض تحت قدميك.

في 1 يونيو 2017 استيقظ سكان المدينة علي خبر ميل عقار بالأزاريطة المبني عام 2001 والمكون من ثلاثة عشر طابقا علي المبنى المقابل له بعد أن انهار مبنى قديم ذو ثلاث طوابق مجاور له. تناولت الحدث وسائل إعلام عالمية لغرابته، هذا ليس الخبر الأسوأ الذي نسمعه أو نعيشه خاصة في الشهور الأخيرة، ولكنه علامة غاية في الأهمية لما تعيشه المدينة الآن، وكأنها رسالة ما من أرض الإسكندرية لمن يعيش فوقها، وكأنها تريد أن تقول "لم أعد أحتمل المزيد!".

مستقبل المدينة ومستقبلنا فيها أصبح يحمل الكثير من التساؤلات والشكوك والمخاوف: هل ستتحمل المدينة التغير المناخي الذي يأتي كل عام بشتاء قارص أقسى من سابقه قد يعصف بالمباني القديمة والجديدة؟ هل ستنهار الأبراج الإسمنتية كقطع الدومينو المرصوصة بعشوائية واحدا تلو الآخر يوما ما؟ هل نشهد نهاية المدينة؟ هل سننزح من المدينة بسبب ما يحدث فيها في المستقبل؟! هل ستختفي الإسكندرية فعلا؟! لا أحد يملك الإجابة أو الحل لأي تساؤل مستقبلي، لا المواطنين ولا المسؤولين ولا رجال الأعمال. ولكن من الواضح أن الأرض لن تصمت في المستقبل، حتى ولو صمتنا نحن!

#عزدرويش #المدينة #معمار #غرقالإسكندرية

237 views